GMT 10:27:06 2012 الأحد 12 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

ثقافات

الحلقة الثلاثون والأخيرة: وجاء يوم العرس... لم يكن هناك بريد يصل الوكالة
احمد ابراهيم الفقيه

GMT 4:00:00 2010 الخميس 9 سبتمبر

رواية جديدة لاحمد ابراهيم الفقيه: ابنة بانايوتي
الحلقة الثلاثون والأخيرة: وجاء يوم العرس

      لم يكن هناك بريد يصل الوكالة، واي بريد لاحد من الوكالة، لابد ان يبقى في انتظار اصحابه بمكتب بريد مزده، وهو جزء من المجمع الاداري الصغير الذي يضم مكاتب نائب الوالي ومركز الشرطة، فكان هيوز لدى عودته من طرابلس الى الوكالة، او خلال اجتماعه الاسبوعي مع نائب الوالي، يمر بمكتب البريد ليأخذ ما يخصه او يخص بانايوتي من رسائل، وقد وجد رسالة وصلته من عمته سامنتا، فقرر ان يكتب رسالة للرد عليها، اثناء وجوده في مقر اقامته المؤقتة بالوكالة، قائلا فيها

عمتي العزيزة سامانتا
استطعت اخيرا، دون اسف او اسى، ان افك ارتباطي بالوظيفة العسكرية الحكومية، وقد حدث ذلك منذ اسابيع قليلة مضت، لعلها ستة او سبعة اسابيع، لانني تحررت حتى من ضرورة احصاء الايام ومعرفة في أي يوم من العام هذا اليوم من اجل ارضاء السجل الحكومي الرسمي، ولم يبق لي مع العمل الحكومي الا خيط رفيع جدا، في شكل استشاري لا يحتاج مني الا لبضع دقائق كل اسبوع او كل شهر اذا اردت، وقد اقطع هذا الخيط ايضا اذا وجدته يشكل عبئا على حريتي في الحركة والانتقال والسياحة. نعم، لقد اتفقت مع الشركة البريطانية لتجارة الفراء، على تزويدها بما استطيع من جلود الثعالب التي ساباشر عما قريب صيدها في براري ليبيا، مقابل اجر شهري، ونسبة مئوية من ثمن ما اجلبه لهم من فراء، وستكون الشركة هي المنتفع حصريا بكل ما يتم صيده في هذه المحطة خلال العام كله، وارجو ان تكون اعداد الثعالب التي يتم صيدها سنويا بعدد ايام العام في حدها الادني، ان لم يكن اكثر، وقد وضعنا لعملنا خططا خمسية، حيث سيتم في السنوات الخمس الاولى تسديد نفقات التاسيس من صافي الارباح، وهي نفقات تتحملها الشركة، وبانتهائها ترتفع نسبتي ونسبة العاملين معي في العائد كما يرتفع مرتبي ومرتباتهم، وقد اخبرتك في اخر رسائلي باحتمال ان اقدم على خطبة فتاة يونانية الاصل تعيش مع اهلها في هذا الجزء من البلاد، وقد اصبح الاحتمال حقيقة، فقد اعلنت خطبتي علي انجيليكا، وننتظر الانتهاء من بناء البيت لاقامة حفل الزفاف وكنت اتوقع ان يكون ذلك مع احتفالات الكريسماس ورأس العام، وسيكون شيئا جميلا، يكمل فرحتي لو استطاعت عمتي العزيزة حضور العرس، ولكنني لن اكون قاسيا فاقتلعك من حفلات التجمعات الاسرية التي تشهدها هذه الفترة من كل عام، وسارجيء العرس لانني صرت واثقا الان اننى احتاج لوقت اطول لاعداد البيت ربما لانني لا اتوقف عن ادخال التعديلات عليه، كذلك سارجيء الدعوة لحضورك الى عدة اشهر بعد ذلك، ربما الربيع، حيث يكون الطقس في تمام اعتدالة وتجود الطبيعة بجميل الوانها وعبيرها، لابد انك الان تفكرين كيف يكون شعوري وانا اخطو خارج دائرة السلطة والمنصب الحكومي، واقول لك ان عزائي خلال كل ما كان يواجهني من متاعب في العمل، بما في ذلك العمل خلال سنوات الحرب وقريبا من خط النار، هو انني اقوم باداء واجب وطني نحو بلدي ومليكي، وانا الان سعيد بما اجده من راحة الضمير لانني اديت واجبي كاملا، الا انني لا اشعر باي احساس بالفقدان او التوهان لانني خرجت من غطاء السلطة الحكومية، واخذت ما يسمونه تقاعدا مبكرا،بل بالعكس من ذلك، يملأ وجداني احساس بالحرية والانعتاق، وهو ذلك الاحساس الذي يراود كل من يصبح سيد نفسه، بعد ان كان وقته وساعات عمله وراحته مشدودة لارادة رؤساء وادارات اكبر منه، نعم، انا هو ذلك الرجل الذي اصبح حقا وصدقا سيد نفسه المتحكم في وقت عمله وراحته ونومه ويقظته، واعرف ايضا ما يجول بخاطرك في مثل هذه المناسبة وهو ان هذا التحرر من العمل الحكومي يجب ان يقترن بالعودة الى الوطن، ويجب ان اصدقك القول ايتها العمة العزيزة، ان في الامر شيئا من الاضطرار اكثر من الاختيار، فما كلمتك عنه من برد في العظام اورثته لي ليالي الشتاء التي كنا نقضيها في الدشن والخنادق ايام الغارات، وفي منطقة الظهر بالذات، يجعلني اخاف ان يتطور معي المرض اذا التزمت بالاقامة في بلاد شمالية مثل بريطانيا، فدفء، بل وقيظ هذه البراري هو ما يوافق صحتي، ولعلني شكوت لك من حياة الرتابة والاحساس بالضجر، وامل صادقا ان يجد الضجر والملالة علاجهما على يد العاطفة التي احملها لزوجة المستقبل انجيليكا، فهي التي ستكون البلسم الذي يعالج امراض الوحدة والرتابة والسأم، من ناحية اخرى فانني في الحقيقة قد تآلفت مع الشمس الساطعة طوال ايام العام في هذه البراري، كما تآلفت مع البدو الذين يعيشون فيها، وطابع حياتهم وهو اقرب الى الفطرة والطبيعة، ولا اشعر معهم باي احساس بالغربة، كما لن استطيع بعد ان تعودت الحياة وسط هذه الفضاءات ان اتآلف مع كتل الاسمنت وركام المباني في المدن الحديثة، طبعا الطقس هنا ليس كله متعة ودفئا واعتدالا، فهناك طبعا حالات التطرف في الحر، والتطرف في هبوب الريح التي تصنع عواصف من الرميل تدوم احيانا لعدة ايام، وليس غريبا ابدا ان نرى تطرفا في البرد احيانا، ولكن البيت الذي ابنيه في جنائن العرعار، وهذا هو اسم المنطقة، سيكون درعا لي ولزوجتي وربما لاطفالنا في المستقبل من هذا التطرف بكل اشكاله، لانني احاول ان يكون في هندسته ومعماره، تعويضا جميلا لغياب العمران والمدنية في هذا المحيط الصحراوي. ولان الشركة البريطانية لتجارة الفراء، قد خصصت ميزانية محدودة لبناء البيت، فقد اتفقت معهم على اكمال هذه الميزانية من مواردي الخاصة، ليطابق شكله المواصفات التي اريدها لا مواصفاتهم هم، واعاهدك بان اجعله اشبه ببيوت عائلة هيوز في كورنويل بحيث لن تشعري بانك انتقلت من بيتك هناك عندما تاتين لزيارتي في هذا البيت حتى الماء الذي لا يغيب منظره من شرفات بيتك ستجدين معادلا له في بحيرة اصطناعية صغيرة يطل عليها البيت، وهناك في الجوار اناس متميزون بدءا بصهري بانايوتي وعائلته وعائلات اصدقائي من اهل البادية.
     دعوتي لك قائمة ومفتوحة وقت تشائين، واذا تعذر عليك السفر قريبا فلا تتريب عليك، وسيكون واجبا عندئد ان اسافر للقائك وساحضر معي زوجتي لكي تحظى بالمباركة منك،راجيا ان تقبلي بالانابة عني اندرو وليز وتبلغي تحياتي للعزيزة ماجي ودمت للمحب لك ابدا
          جو


25
 
      قبل حلول شهر ابريل، ومع وصول شهر مارس الى منتصفه، بدأ وجه الارض يكتسي حلة جديدة، بظهور الوان وصفراء وحمراء وبنفسجية، ناتجة عن ازهار تتبرعم او تتفتح في نباتات الشيح والرتم والحرمل والزعتر والقندول، وظهور اعشاب الربيع او معاودتها الانتعاش والاخضرار بعد ان كانت مجرد قش اصفر واعواد سوداء مثل الجرجير والحريق وغيرها من حشائش تلتصق بالارض، كما اكتست اشجار البطم في سفوح الجبال وبين الشعاب حلة من الازهار الحمراء، وازدادت اشجار السدر اخضرارا بما تبرعم فيها من ثمار النبق قبل نضجها واسمرارها، وازدادت اشجار العرعار كثافة وغزارة في الاغصان والاوراق وازهر اكثرها ازهارا ذات لون عنبي تميل الى الزرقة من حولها تكاثفت شجيرات القندول تتداخل في بعضها البعض تغطيها طبقة من الزهور الصفراء، واضفت كلها لمسة لونية على خط الافق عبر الاركان الاربعة في منطقة جنائن العرعار، حيث خاتم الجبال المحيطة بالمنطقة صار الان خاتما تلمع فصوص احجاره الكريمة تصنع مهرجانا من الالوان، يبرز بينها اللون الاحمر لتيجان الازهار التي تغطي اشجار البطم باعتبار انها الاشجار الاكثر طولا وقد ظهر لون زهورها ليحقق انسجاما مع القرميد الاحمر الذي بنى به السيد هيوز سقف البيت الجديد وارفف النوافذ والشرفات، وقد اكتمل واستوى بطابقيه الاثنين فوق التلة الصغيرة مهيمنا على الفضاءات التي حوله، وجاء الماء يكمل الوان اللوحة، فهذه المساحة الكبيرة من المياه الصافية الزرقاء، التي تشكل البحيرة الصناعية المحاذية للبيت، لم يقتضي حفرها ورصفها بالاسمنت سوى عدة ايام، وكان الماء الساخن الذي نفذت اليه الانياب الحديدية لصوندا الحفر، تخترق طبقات من الصخور، لتستخرجه بعد وجوده ربما لملايين السنين هانئا امنا تحت صخوره، وتحولت الحفرة الواسعة العميقة الكبيرة بعد ان امتلات بالماء، الى قطعة من السماء سقطت فوق الارض تزيدها زينة وتملا المناطق التي حولها خصوبة، وكانت شتلات الاشجار الكثيرة التي اجتهد هيوز في غرسها مشجعا كل اهل النجع على معاونته في ذلك، قد انبثقت واظهرت حيوية وقدرة على النمو السريع بفضل مياه الشتاء السابق وبشائر الربيع الذي اهل، حتى وصل اغلبها الى ما يقرب من نصف متر ارتفاعا، ونمت حولها نباتات بعلية واعشاب تنمو في الفراغ بين الشتلات ليسهم ذلك كله في صنع البساط الذي بدا يكسو الارض التي كانت كالحة صفراء غبراء، تغطي سطحها الاعواد اليابسة لبنتات العجرم، وهي نبتات لا تصلح الا لاشعال النار.
ــ انه يوم آخر جميل.
هكذا خاطب هيوز خطيبته انجيليكا وهما يقفان وسط الشرفة المطلة على البحيرة الصناعية. كانت السماء فوقهما شديدة الاتساع، بزرقتها الصافية التي لا تشوبها اية شائبة، الا في حافة الافق الغربي حيث وقفت الشمس على رؤوس الجبال متمهلة في انحدارها البطيء خلف الافق وقد تبعترث من حولها شظايا سحب حمراء عكست شيئا من لونها على الهضاب التي تحتها، وقد بدا المنظر لعينيهما بديعا، فقد انتهيا من ترتيب الاثاث في البيت، وهما الان يتفقدانه للمرة الاخيرة بعد ان فرغ العمال من تركيب اخر دولاب فيه، فقد اشرك انجيليكا ووالدها وامها في شراء الاثاث من محلات الموبيليا الايطالية في طرابلس، الصالونات وغرف النوم وقطع الاثاث والابسطة وما يحتاجه المطبخ من ادوات، واشرك خطيبته في الاشراف على ترتيبه وتركيبه، ومتزامنا مع تجهيز البيت تم تجهيز محطة للكهرباء التي تعمل طوال ساعات اليوم، لانه يحتاج لمدد من الكهرباء اكثر مما كان يستطيع ا لمحرك القديم للوكالة تقديمه لاداء مهمات راها هيوز ضرورية لاقامته ولعمله الجديد مثل رفع الماء من البئروعمل الثلاجات التي يحفظ بها جلود الثعالب علاوة على انارة البيت، وتشغيل اجهزة التكلييف فيه، كما انتهى العمال من اقامة مقر لمعاونيه في الصيد ومقر لاقامة الكلاب وطيور القنص وحظيرة لما يمكن استخدامه من جياد، وصار كل شيء جاهزا في محطة صيد الثعالب لتباشراداء مهمتها، الا ان قرار السيد هيوز كان منذ البداية ان يعطي الاولوية في حياته الجديدة للعرس، فبه يبدأ عالمه الجديد كما كان يقول، بحيث يجد انجيليكا بجواره تقيم معه في عش الزوجية الذي اعتني ببنائه وتجهيزه على احدث واجمل طراز، وهكذا تم الاتفاق مع صهره بانايوتي على تحديد موعد العرس يوم الخميس بعد القادم، الذي يصادف منتصف شهر ابريل،أي بعد عشرة ايام تخصص للتحضير للعرس واخطار الضيوف القادمين من مزده وطرابلس، وتحضيرا للحفل استعار هيوز من مخازن الحكومة في مزده، ادوات وعدة الطبخ التي تستخدم في الاحتفالات الرسمية، للوفاء بالتزامات الولائم التي سيقيمها بمناسبة العرس كما استعار من ذات المخازن عشرين خيمة كبيرة لتكون جاهزة لاستقبال الضيوف،وكان الكولونيل تاور قد سأل هيوز في وقت سابق عن الموعد المناسب لاقامة حفل توديع لمغادرته المنصب، وحالت انشغالاته دون تحديد الموعد، حتى اقترب موعد الزفاف، فقرر الكولونيل ان يصرف الميزانية المرصودة لغرض التكريم على بعض الجوانب التي تضيف مزيدا من البهجة والشرف لعرس سلفه هيوز، ومن بينها استجلاب فرقة شعبية لفنون الرقص والغناء متخصصة في احياء الاعراس من بلدة غدامس، علاوة على شراء هدايا للعروسين، في شكل تحف تعلق على حوائط البيت جلود حيوانات ومشغولات يدوية من الفضة مشتراة من سوق المشير في طرابلس، وقد وصلت الفرقة في اليوم الاول لبدء الاحتفالات الذي يسبق ليلة الزفاف بثلاثة ايام،وخصص لها احدى اكبر الخيام الحكومية، لتباشر فيها تقديم رقصاتها وغنائها وعزف الاتها الموسيقية الشعبية ومن بينها الطبلة والمقرونة والغيطة والناي وكان مثار استغراب اهل النجع ان تضم الفرقة بعض نساء يرقصن ويغنين من اهل البشرة السمراء، في حين خصص البيت الذي اعاره له بانايوتي لاستضافة نائب الوالي، وقسيس جاء من كنيسة غريان، بينما آثر بعض الاضياف الكبار من مزده مثل الشيخ مفتاح والتاجر شلهوب الاقامة في الخيام، وكانت مهمة قسيس غريان هي القيام باداء طقوس عقد القرآن، ولم ينس نائب الوالى عند قدومه للوكالة للمشاركة في العرس، ان يحضر حمولة حافلة، وهي شاحنة تغطى بقماش الخيام وتلصق بارضيتها صفوف الكراسي الحديدية،يركبها دستة من افراد الشرطة مسلحون بالبنادق لاخذ اماكنهم مع فرقة الدفاع الاهلي لحماية الوكالة تحسبا لاي حماقة يقوم بها السردوك، ومشاركة من اهل النجع في احياء العرس، احضروا من مزدة عددا من الفرسان ممن شاركوا سابقا في افراح شهدتها الوكالة، وفي ليلة العرس الموعودة، غمرت الاضواء كل انحاء النجع والمحطة وابنية الوكالة وما بينها من فراغات، وتحول البيت الجديد الذي سيضم العروسين الى ما يشبه شجرة عيد الميلاد التي يوقدها بانايوتي امام بيته في اعياد الميلاد، وزادت البحيرة المحاذية للبيت في جمال والق هذه الاضواء وهي تنعكس فوق مائها، وفي فضاء قريب من البحيرة حيث نصبت الخيام على شكل هلال، فرشت البسط في حضن الهلال ومدت الكراسي المخصصة لكبار الضيوف ليجلس فوقها نائب الوالى الجديد،وشيوخ النجع وعائلة العروس وعدد من الضيوف واصدقاء العروسين القادمين من مزده وطرابلس، واستوى العريس وعروسه فوق منصة عالية نصب فوقها كرسيان من كراسي الجلد ومامهما وحولهما اعرام من الورود والزهور، وقد ارتدى العريس بذلة السهرة السوداء تزينها ربطة عنق الفراشة، والعروس في ثوب الزفاف الابيض يعلو راسها تاج من الذهب الاحمر، والضيوف يصنعون حلقة حولهما وحول فرقة الغناء والعزف والرقص التي تقدم عروضها امامهما حينا وتلتفت في حين اخر الى اهل النجع الجالسين خلفها وحولها فوق الابسطة، الرجال في جانب والنساء والاطفال في جانب يحاذيهم، وقد تصاعدت الزغاريد، ترافقها عواصف من التصفيق للفرقة وصيحات الفرح بينما اكثر من امراة متقدمة في السن مثل العمة مريومة والعمة بدرية، تطوف بالمباخر التي يضوع بخور زكي الرائحة ووفقا للتقاليد التي يمارسها اهله في اعراسهم سحب العريس يد عروسه وهبط بها من المنصة ووقف بها بين اعضاء الفرقة الفنية يحتوي خصرها ويشبك يده في يدها ويتحرك معها في خطوات راقصة مع انغام الموسيقي، وفعل مثله بعض الضيوف الاجانب من اقارب بانايوتي، الذين نزلوا ازواجا الى الحلبة، فحذا بانايوتي ايضا حذوهم ساحبا زوجته كاتيا يراقصها مشاركة في عرس ابنتهما وفرحا بها، وقد اشعل هذا الجو الراقص حماس الحاضرين تصفيقا ومشاركة في الغناء واطلاقا للزغاريد وصيحات الفرح،وفي ركن من الساحة كان القسيس يهيء بمساعدة احد العمال وبطاولة وقطعة من الموبيليا شيئا اشبه بالمذبح الكنسي واشعل مجموعة من الشموع يستعد لاداء الطقس الذي يربط بموجبه العريس وعروسه بوثاق الزوجية المقدس، ووسط هذا الجو الصاخب المليء بالمرح، دوى صوت الرصاص، الذي لم يثر للوهلة الاولى حفيظة احد ظنا منهم انه مجرد عيار ناري يطلق مشاركة في الفرح، ولكن الرصاص اشتد وازداد قوة وغزارة مما اكد للجميع انه لا ينتمي للطابع الاحتفالي المعهود في مثل هذه الاعراس الكبيرة، فتوقف الراقصون عن الرقص متجمدين في اماكنهم ينصتون للرصاص الذي تواتر في زخات قوية عنيفة تقابلها زخات اخرى كانهما يصدران عن طرفين متقابلين، ثم تاكد للجميع ان حربا تدور في الجوار عندما تعالى الصياح وطلبات النجدة ممن وصل اليهم الرصاص خارج الطرفين المتحاربين، وحل الرعب مكان الترقب عندما انطفأت فجأة كل الاضواء ولم يبق الا دوي الرصاص ولمعان اطلاقاته تضي ء الظلام من مصادرها المختلفة، وقد اختلط هذا الدوي باصوات الصراخ وصيحات النجدة الصادرة عن جمهور الفرح من نساء ورجال، يحاولون البحث عن ملجا من هذا الرصاص الذي كان يتطاير في الفضاء، فيرتطمون ببعضهم البعض، واقتحم مكان العرس الذي تحول الى ساحة من الفوضى والصراخ، شبح جواد، يشق بصاحبه زحام الفوضى والظلام، وامامه ماسورة بندقية ينصبها امامه يبحث بها عن هدف يصوبها اليه، ولكنه قبل ان يتمكن من ذلك، استهدفه وابل من الرصاص ارداه قتيلا، فسقط هو وجواده وسط الحلقة التي كانت تحتلها الفرقة الموسيقية، ولم يكن صعبا ان يدرك الجميع ان ما حدث هو هجوم عصابة السردوك على العرس، وحدث ما كان يخشاه بانايوتي ويحذرمنه، قائلا ان السردوك باجرامه وجنونه سيجد طريقا ينفذ منه الى الوكالة لابطال قران غريمه هيوز بانجيليكا، وهو ما حدث بمنتهى الدقة التي توقعها الرجل، وقد تصدى فريق الدفاع الاهلي مدعوما بقوة الشرطة، ووقفوا بكل افرادهم جدارا يحول دون وصول افراد العصابة الى مكان العرس، الا ان السردوك الذي بدا واضحا انه على علم بخريطة الوكالة بكل مستجداتها، ارسل فارسا ليعطل الكهرباء باطلاق النار على المحرك وافساده، وارسل فارسا آخر يقتحم العرس ساعة اطفاء الانوار، من اجل ان يخطف له انجيليكا،فوق حصانه، وان لم يستطع فليقتلها ويقتل عريسها، في حين واصل هو وافراد عصابته الاشتباك مع المدافعين على الوكالة وتلهيتهم عن الانتباه للفارسين المتسللين خفية من جانبي الوكالة، الا ان الفارس الذي ارسله لكي يخطف له حبيبته، وجد الرصاص يترصده فور دخوله موقع العرس، وكان الرصاص قادما من مسدس يحمله العقيد تاور، وآخر يحمله السيد هيوز، حيث كان الاثنان جاهزين بمسدسيهما لمثل هذا الاقتحام بعد ان اجلسا العروس في مكان آمن خلفهما متاهبين للدفاع عنها فهي في النهاية المستهدف الاول من أي هجوم يقوم به هذا الرجل المجنون بحبها.                
    نجحت دفاعات الوكالة في طرد السردوك وعصابته، ليتراجع مهزوما بعد ان ترك قتيلان من عصابته احدهما الفارس الذي اقتحم بجواده ساحة العرس، كما ترك قتيلا من اهل الوكالة هو الفني الذي يعمل بمحطة الكهرباء، وعددا من المصابين بجراح خفيفة عن الرصاص الطائش اثناء الاشتباك.  
انطفأ العرس
وانصرف الضيوف استعدادا لرحيلهم في اليوم التالي عائدين من حيث جاءوا بمن فيهم الكولونيل تاور الذي تعهد لاهل الوكالة بانه سيضاعف الجهود لملاحقة السردوك وجلبه للعدالة، مصدرا اوامره للقوة التي جاءت معه بان تبقى لحماية الوكالة من هجوم جديد. 
وتأجل الفرح
مع كل مظاهر البذخ والفخامة التي احاطت به، والتحضير الدقيق الناجح، فقد ضاع العرس.
جاءت هجمات السردوك لتجعل من المستحيل وسط ازيز الرصاص ورائحة الدم البشري المسفوح فوق ارض الوكالة، ان يستمر الفرح ويمضى الى خواتيمه السعيدة.
وباكية حزينة رجعت العروس الى بيت ابيها، في حين ذهب السيد هيوز ليمضي ليلته الاولي في بيته الجديد دون عروسه التي كانت ستقاسمه فراش الزوجية.
      مضى بمحاذاة البحيرة يخترق العتمة الى باب البيت. كان الليل في آخر مراحله، وتباشير الفجر تظهر في شكل شعاع ينبثق من خلف سحب حمراء، حطت فوق دائرة الجبال التي صنعت قوسا يضع حافة وحدا للافق، وضوء اصفر شاحب يبدأ في الانتشار، يأذن بشروق شمس جديدة ليوم يهل على العالم لا يدري ماذا يحمل له من مفاجآت.

 

انتهت الرواية الاولى من روايات "جنائن العرعار" وتليها الرواية الثانية "صائد"