بقدر ما يتسم فن الرواية من مرونة وحرية، بقدر ما يكون غير رحيم في الحساب الختامي مع العمل المنضوي تحت هذا التصنيف الذي صارت له صدارة المشهد الأدبي من حيث الإقبال الجماهيري، وتخصيص الجوائز والمراجعات النقدية والصحفية، بالإضافة إلى عدم تردد دور النشر في التعامل معه خلاف الحال حين تتعامل مع فنون أخرى كالشعر والقصة مثلا.. وحده الروائي الجاد من لا ينساق خلف الأمور الثانوية وينكب بكامل جهده على مشروع إبداعي ينفتح على أهداف عدة منها التأصيل لمنحى جمالي في الكتابة الإبداعية آخر فكري نقدي موازنا بين طبيعة العمل الإبداعي وما يتضمنه من نقد مجتمعي، عملية صعبة تحتاج إلى توازن دقيق؛ ليخرج العمل في النهاية كإضافة للمشهد الروائي العربي... من أبرز الأعمال الروائية الصادرة في مصر للعام 2017، لعنة ميت رهينة رواية الأديبة سهير المصادفة الصادرة منذ أيام عن الدار المصرية اللبنانية، عمل يمثل نقلة نوعية في مشروع روائي بدأ في التسعينات من القرن المنصرم بروايتها لهو الأبالسة، ثم ميس إيجيبت، ثم رحلة الضباع، ثم بياض ساخن... وصولا إلى لعنة ميت رهينة... منذ الصفحات الأولى يتكشف للقارئ المتأني أنه أمام عمل يطمح لتقديم بناء روائي ثري بتفاصيله وعناصره، مع درجة من الوعي المعرفي والجمالي تحفظ للنص توازنه دون طغيان عنصر على آخر... فتأتي الدهشة من قدرة الروائية على تقديم معالجة فنية لقضايا راسخة رسوخ الوجود الإنساني كالهوية والانتماء والتاريخ وفق تناغم تام لجهد عين حساسة تتعامل بعمق مع إحباطات وتداعيات اللحظة الراهنة في المجتمع المصري... من البداية يتقدم العمل وفق مسار شديد الإحكام.. فصول ذات بنية ثنائية، مفتتح كل فصل نص أقرب إلى الشعر عن مسرح الأحداث وبطلها الأول، المكان ميت رهينة، يعقبه حكي ممتع عن الشخوص والأحداث.. آمالهم وأحزانهم ومشاعرهم ومعاناتهم.. لوهلة يشعر القارئ أن الجزء الأول مقصود لذاته واستعراض لغوي وإبداعي من الروائية القادمة من أرض الشعر... بيد أن تكرار البنية من فصل إلى أخر يدفعنا إلى إعادة النظر في الأمر؛ فنكتشف أن النص الشعري يعد المهيمن بدلالاته وإيحاءاته على كامل أحداث الفصل، الأمر أشبه ما يكون بخريطة للمشاعر، يتصدرها النص المفتاح وتأتي بعده الأحداث منتظمة بعناية حسب امتثال صارم من قبل الصوت الراوي... وفي مواضع أخرى جاءت الفصول عبر مفتتح تليه أحداث وقد اشتبك القسمان في جدل مثير يفتح على النفس بابا من التساؤلات وتفقد المشاعر العميقة المحركة للشخوص، أو تلك المتولدة من مطالعتنا لمأزقها تحت وطأة المكان ووطأة جوعها وإحباط رغباتها.. بداية كل قسم بكتابة عميقة مفعمة بالدلالات ومانحة العمل طقوسية ورهبة، كتابة عن ميت رهينة بعضها عن أحوالها ومشاهداتها وبعضها عن أحوال أهلها وأسطورية تندمغ مع معيشهم اليومي وبعضها أيضا عن أحوال الغريب الذي يدخلها فيقع فريسة لتاريخها الفادح في مآسيه وفي جماله أيضا. إعلاء شأن الحكاية تم عبر رؤية عميقة وامتلاك لعناصر الموضوع ، وخبرة مديدة بالكتابة الروائية ؛ فجاء الحكي منضبطا محبوكا من قبل كاتبة لديها من الوعي ما يعصمها من الانخراط في متعة الحكي، جاء الأمر محكوما بما يخدم العمل في كليته، ما من حكي زائد لأن كل التفاصيل تعمل وفق نسق كتابي أشرت له في إطار حالة الجدل بين مطلع كل فصل وما يتضمنه من تفاصيل الحكاية. توظيف الأسطورة عنصر آخر من عناصر قوة العمل، ومن يقرا العمل يعرف أن كلمة توظيف هنا كلمة غير صائبة، فالأسطورة تفرض نفسها على صفحات الرواية تتقدم وتتراجع بصورة تبدو للوهلة الأولى مجانية، بيد أنه بقليل من التأمل نجد ان الأسطورة أضافت ثراء للنص الروائي فهي حملته بالروح العتيقة للمكان، مضيفة حالة الرهبة والإيغال في الزمن، كما يصنع حالة من التجاور كمعالجة فنية بين المعيشي واليومي وبين ما يخالطه من الآثار والمقابر التاريخية في ميت رهينة. الرواية نموذج للعمل الذي يقدم المكان كبطل للأحداث، أظن كان بإمكان الكاتبة أن تعتمد الطريق السهل للمكان كإطار تدور فيه الأحداث لكنها اختارت التحدي الصعب... المكان كفاعل يسم الشخوص وسلوكهم ويلون نفوسهم .. بل ويلعب دور الغواية أيضا.. الرواية ليست عملا تاريخيا، نستطيع أن نلمح فيها نفسا من الواقعية السحرية بيد أن ما يميزها ويبعدها عن هذا التيار أنها لا تنوء بالعجائبي لذاته ولا تلهث خلفه كقيمة ... بل أنها تتصدى لسؤال الذات في مواجهة لحظتها الراهنة... الذات المعذبة بفعل الزمن. وإن كان التاريخ له سطوته المستقاة من الاختيار الذكي للمكان في الرواية، فهذا التاريخ أيضا ليس مقصودا لذاته وإنما هو مجال تعمل فيه الذات الإنسانية تأملها لمعرفة كيف آلت الأمور إلى ما هي عليه أولا، ثم النظر في تعديل مسار حركة هذا التاريخ ثانيا. هناك حالة من التوازن الداخلي للعمل تدلل على كلامي بشأن التاريخ.. التوازن بين حضور الماضي باساطيره ومقابره وآثاره وفعله في نفوس البشر من أهل ميت رهينة ومن الغرباء الوافدين عليها أيضا هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الحاضر الذي لا يقل تعقيدا وإبهاما من الماضي.. الأمر الذي يفتح علينا فيضا من التساؤلات من نوع: لماذا كانت الدماء الغريبة &المختلطة بامراة من ميت رهينة عبر جيل أول ثم في جيل تال وقد اختلطت بدماء الأمريكي من أصل مصري المشبع بكل بذاءة الاستغلال وانعدام الأخلاق في تعامله مع من أحبته.. لماذا هي من ترى القتل هو السبيل الوحيد لحماية تاريخ ميت رهينة.. بينا صاحب الدماء الخالصة هو من يرى الخلاص في التعليم والتنوير؟؟!! ألأنه الحامل الحقيقي لحكمة الأسلاف؟ تنهمر الأسئلة المشوقة شأن أي عمل أدبي جميل.. تاركا الإجابة مسئولية ملقاة على كتف القارئ فليس من أهداف الأدب العظيم أن يشرح أو يفسر.
اللغة أيضا كانت ثرية في تنوعها بين الشعرية المحكومة واللغة التوصيلية المخاتلة إذ مع تقدمنا في القراءة ندرك أن اللغة التوصيلية ليست لمجرد عرض سير الأحداث، بل هي مترعة بتفاصيل إن لم يتمهل معها القارئ يخسر متعة القبض على روح تسري عبر صفحات العمل..
&