|
موسكو: في 31 يوليو الماضي وصل أمين اللجنة الشعبية العامة للجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى البغدادي علي المحمودي إلى موسكو لإجراء محادثات مع رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين ولكنه لم يأت لوحده. فقد أحضر معه على متن طائرته الكسندر تسيغانكوف رئيس ممثلية شركة "لوك أويل أوفرسيز" في ليبيا الذي تم اعتقاله قبل 8 أشهر.
وكان تسيغانكوف قد اتهم سابقا بالتجسس الاقتصادي. وكان بوتين خلال لقائه مع الزعيم الليبي معمر القذافي في شهر أبريل 2008 في طرابلس حاول تسوية الخلاف لكن الزعيم الليبي لم يكن "في مزاج مناسب".
وبعد المفاجأة الحالية لم يبق شيء إلا بحث تفاصيل أكبر المشاريع المشتركة في تاريخ العلاقات الروسية الليبية في مختلف المجالات، منها:
- استخراج وتكرير وتصدير النفط والغاز،
- بناء خطوط الأنابيب بقاع المتوسط،
- مد سكك الحديد،
- شراء طرابلس السلاح الروسي،
- بناء المحطات الكهرذرية.
ولا يعرف إلى الآن الحجم الإجمالي للصفقات ولكن يمكن الحكم عليها من خلال العقد الموقع بين ليبيا ومؤسسة سكك الحديد الروسية (ستقوم المؤسسة بمد 514 كلم من سكك الحديد في ليبيا مقابل 2ر2 مليار دولار) أو حتى من خلال قائمة الأسلحة التي ترغب ليبيا بشرائها من روسيا، فالحديث يجري هنا عن مليارات مضاعفة من الدولارات.
وجدير بالذكر أن روسيا انضمت في وقت مناسب جدا إلى طابور كامل من الشركات والدول الأجنبية تشكل عند ليبيا الغنية بالنفط والغاز خلال التغيرات الإيجابية التي طرأت على البلاد. ولم تكن روسيا الأولى في هذا الطابور ولكنها لم تكن الأخيرة أيضا! وهنا تجدر الإشارة إلى أن ليبيا كانت تعتبر في غضون 17 عاما (1986-2003) من بين الدول المنبوذة الأساسية برأي الذين يرون أن هناك دولا منبوذة، من حيث المبدأ.
ولكن في عام 2003 استنكر القذافي الإرهاب وأغلق البرامج الليبية لإنتاج السلاح النووي والكيميائي والبيولوجي. علما أن المحادثات الليبية الأمريكية "التمهيدية" كانت قد بدأت منذ عهد الرئيس الأمريكي كلينتون (1993-2001). ويكمن سبب ذلك في أن شركات النفط الأمريكية راحت تمارس الضغط على الإدارة الأمريكية خلال الفترة الرئاسية الثانية لكلينتون لاعتبارات بديهية. ذلك أن هذه الشركات رأت كيف أن شركات أخرى مثل الإيطالية ENI والفرنسية Total والإسبانية Pepsol بدأت بتوسيع نشاطها في ليبيا دون أن تكترث بعقوبات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والتي لم توقف أعمالها أبدا في هذا البلد إلا ظاهريا. وبحلول عام 2003 عندما تخلى القذافي عن برنامجه النووي كانت في حينها نحو 100 شركة نفطية تعمل في ليبيا. ولا واحدة منها أمريكية. وكان هذا يستدعي أسف قطاع "النفط الكبير" الأمريكي لأن شركة "Standard Oil of New Jersey" الأمريكية (هكذا كانت تدعى Exxon) كانت أول شركة تكتشف النفط في ليبيا عام 1959.
يذكر أن ليبيا يتفتح أمامها مستقبل رائع كبير في مجال النفط والغاز. خاصة وبسبب الحصار الذي كان مفروضا عليها وغياب التكنولوجيات الأجنبية والأعمال الاستكشافية الواسعة، غرق قطاع النفط الليبي في سبات عميق: لم يكن يجري التنقيب عن النفط أو توسيع إنتاجه أو الأعمال البحثية المطلوبة. وبفضل ذلك تم الاحتفاظ بالنفط للأجيال القادمة!
وتتميز ليبيا عن باقي دول أوبك بأنها الدولة النفطية الوحيدة في الشرق الأوسط التي لا تمنع دخول الاستثمارات الأجنبية إلى قطاعها النفطي. ثم أن الخبراء يرون أن تكلفة استخراج النفط الليبي عالي الجودة تصل إلى دولار واحد للبرميل. ويشار أيضا إلى أن ليبيا تحتل المركز الأول في أفريقيا والمركز الخامس بين دول أوبك من حيث احتياطي النفط. ويبلغ حجم احتياطيها من النفط 1ر5 مليار طن. لكن قد يكون حجم الاحتياطي أكبر بكثير.
ومستقبل الغاز في ليبيا يبدو جيدا كذلك وحتى أكثر. حيث تصدر ليبيا إلى أوروبا سنويا 8 مليارات متر مكعب من الغاز. ويقدر احتياطي ليبيا من الغاز بحوالي 47 ر1 تريليون متر مكعب. ولكن من غير المستبعد أن تملك ليبيا حجما مضاعفا من الغاز.
ويبدو أن روسيا اقتربت من عقد اتفاقية مع ليبيا حول شراء أحجام كبيرة من الغاز الطبيعي والغاز المسال بغرض إعادة تصديره، وهذا ما تخشاه دول الغرب. ولهذا تتوقع شركة "غازبروم" الروسية أن تقاوم أوروبا بشدة وإن لم يكن بشكل مباشر.
لكن لدى روسيا ما ترد به عليها. فقد وافقت موسكو على شطب 5ر4 مليار دولار من الديون الليبية المستحقة لها، وتنتظر روسيا من ليبيا الآن "تفهما" في المحادثات العملية مقابل تلك الخطوة النبيلة.
|