إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | جوال إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3109 الأربعاء 25 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 9:22:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>اقتصاد   
    


الإفراط في القوانين مدعاة للفساد

GMT 14:45:00 2008 الثلائاء 5 أغسطس

الوطن السعودية


تركي عبدالعزيز الثنيان 
حفل الأسبوع الماضي بخبر يقول إن السلطات السعودية وجهت تهمة الرشوة والفساد إلى ثمانية من القيادات الإدارية والموظفين في المديرية العامة للشؤون الصحية في منطقة المدينة المنورة، وأحالت هيئة الرقابة والتحقيق ثمانية من القيادات الإدارية والموظفين في المديرية العامة للشؤون الصحية في منطقة المدينة المنورة، إلى المحكمة الإدارية بعد توجيه الاتهام لهم بالرشوة والفساد للحصول على مبالغ مالية متفاوتة، نظير تلاعبات إدارية، تنحصر في إصدار تراخيص افتتاح صيدليات أو نقلها من مكان إلى آخر أو نقل ملكيتها لصالح مستثمرين ووسطائهم.

إلى محور المقالة مباشرة: الإنسان ليس فاسدا بطبعه، بل يوجد ما يدعوه ويغريه بالفساد. هذا ينطبق على الراشي والمرتشي. ولنركز هنا على الراشي قليلا، لا دفاعا عنه ولكن تفهما لدوافعه. دافعو الرشوة ليسوا متبرعين بها لوجه الله، ولو كان الأمر لهم، لفضلوا الاحتفاظ بأموالهم على أن يقدموها لموظفين حكوميين. ولهذا، ومع ترقبنا للإجراءات القانونية لمصير هؤلاء، السؤال الذي يفترض أن نركز عليه هو لماذا فعل هؤلاء ما فعلوا؟ تمعنوا مرة أخرى في الاتهام: "إصدار ترخيص صيدلية" و "نقل مكان" أو نقل "ملكية". رغم غياب التفاصيل، هل بذمتكم هذه أمور تستحق رشوة؟ لو كنت أنت مكان المستثمر لماذا تغامر بسمعتك التجارية- والتعرض لعقوبات أخرى- في مقابل أن تحصل على ترخيص فتح صيدلية أو نقلها إلى مكان آخر أو نقل ملكيتها إلى آخر؛ لا يوجد سبب مقنع إلا إن كان الطريق الاعتيادي مكلفا، وهو ما يدعوك للمغامرة بسلوك طريق آخر محفوف بالأشواك ولكنه الأوفر أو الأوحد. ما أود أن أصل إليه من هذه الأسئلة هو الإشارة إلى خطورة الإفراط في التقنين والتنظيم. إن الإفراط في سن الأنظمة وفي الإجراءات المصاحبة للأعمال التجارية تكلفة مالية لا محل لها، ومدعاة لفتح باب الفساد من زوايا مختلفة، لهذا فالحل لأي مشكلة ما ليس -في كل الأحوال- عبر سن مزيد من القوانين. إن وجود مشكلة ما في أي قطاع بنسبة 5% مثلا، لا تستلزم أن نهرع إلى قبة مجلس الشورى لسن نظام يعقد المسائل حتى وإن كان سيسد ثغرة الـ 5%، لأن سد هذه الثغرة أحيانا قد يؤدي إلى وضع عقبة كبرى لـ 95% من المستفيدين من مرونة العمل. إصدار الأنظمة ليس بحد ذاته غاية، فالأصل يجب أن يكون الإباحة وبكل يسر وسهولة ، والاستثناء هو القيد، أما الإفراط في سن القوانين فحتما سيؤدي إلي تهيئة مناخ مناسب لانتشار الفساد حيث يؤدي ذلك إلي تعدد وربما تضارب الأنظمة والأجهزة المعنية بتنفيذها وبالتالي ظهور ثغرات محفزة على الفساد.

لماذا نضيف كلفة و نعاقب الغالبية في سبيل محاربة أقلية؟ دول كثيرة لم تترك شاردة أو واردة إلا وسنت لها تنظيما معينا، ومع هذا -أو لأجل هذا- انهارت وتفككت وهرعت إلى منظومة الرأسمالية الحرة. فتقييد الحريات التجارية وتكبيلها بقيود الإجراءات الروتينية المرتبطة بأشخاص الموظفين مدعاة للتقهقر، ومفرخة للفساد. لا يعني كل هذا أن نقبل بوجود الممارسات الخاطئة لأي منظومة. بل يعني أن المعالجة للتجاوزات لا يجب أن تكون بإفراط، أو بسن مزيد من القوانين. الموضوع في نهاية المطاف يجب أن يخضع لمعادلة التكاليف والمنافع، فإن كانت المنافع أثقل وزنا، توجب علينا التركيز على خفض التكاليف وبقاء المنظومة كما هي، لا أن نتدخل ونبعثر المنظومة لأجل تعديل كفة التكاليف، وهذا التدخل في غالب المطاف ينتج عنه بعثرة للمنافع وإضاعة لها. هناك خيط رفيع بين القوانين المسهلة والمنظمة للحياة وبين القوانين الثقيلة المثقلة لدوران العجلة. اختلاس المبلغ المخصص للمعاقين كما أعلنت عنه وزارة الشؤون الاجتماعية لا شك أنه يستدعي أقصى العقوبات أما في موضوع وزارة الصحة فيبدو أن الموضوع ليس سببه النفس الأمارة بالسوء، فهي موجودة في كل مكان ولكن بعض الأماكن والظروف تمنحها قوة دافعة للتغلب على كل الحواجز الأخلاقية والقانونية. فلماذا نهيئ البيئة الخصبة لهذا التعفن؟

ختاما، كثرة القوانين سبب لكثرة الاستثناءات والتوسع في منح السلطات التقديرية، وهو مناف لفكرة العدالة بين الجميع، فمن يستطيع الحصول على الاستثناء سيتمكن من جني المنافع التي ليست متاحة للجميع، وعندما تكثر الاستثناءات والسلطات التقديرية فإن ذلك دعوة مفتوحة لفوضى الاجتهادات وتكييف الحالات وفق أهواء أشخاص معينين قد تستغل لتحقيق منافع ومكاسب خاصة، وهو ما يؤدي بدوره إلى مزيد من التكاليف على الحياة التجارية ويضعف منها. أكرر مثال أحد مديري شركة جنرال Yليكتريك الذي يقول لا نمانع من سن ضرائب مرتفعة في الدول التي نستثمر فيها، فهي سهلة الحساب، ولكن أقصى ما يقلقنا حجم الفساد الذي يعيش في الظلام، فهو ضريبة لا يمكن معرفة حجمها مسبقا. لذلك، لنقم بمعالجة الخلل ولكن ليكن ذلك محصورا في الخلل، لا أن يمتد إلى معاقبة بقية اقتصاديات المجتمع؛ فلنسمح للمستثمر بالحصول على ترخيص فتح صيدلية أو نقلها إلى مكان آخر أو إلى ملكية شخص آخر بأبسط الإجراءات حتى لا نستثير النفس الأمارة بالسوء، و نطلق شهوة الفساد من مربطها.
* أستاذ قانون في جامعة الملك سعود

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2009 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By