|
عين المواطن أمين في احدى المؤسسات الحكومية، فلاحظ في اسبوعه الاول من عمله اختفاء برغي من زاوية أحد الدواليب المتهالكة، فنوى، حسب اريحية تربى عليها، ان يتفق مع نجار يعرفه لوضع برغي بدلا من المفقود، ولتثبيت وشد جميع ادراج المكتب المفككة مقابل مبلغ زهيد جدا.المواطن أمين اخبر زملاءه بما كان ينوي فعله وبدلا من الحصول على ثناء على عمل لم يبادر به احد قبله، فقد واجه تعنيفا من رئيسه، فما قام به يتعارض مع اللوائح والقوانين الخاصة بالمؤسسة، كان عليه تعبئة طلب لقسم الشؤون المالية للبت في الموضوع الجلل.
تم ارسال الطلب الرسمي للبت في موضوع البرغي، وبعد اسبوع من الدراسة المتأنية والمستفيضة جاء الرد وفيه، بأنه وحسب القوانين المرعية يتعين طرح مناقصة عامة لشراء ذلك البرغي، فتم تحويل الطلب الى قسم المشتريات لكي يتولى مهمة اعداد وثائق المناقصة، تابع الموظف امين الموضوع مع قسم المشتريات الذي افاده بأنهم بصدد البحث عن شركة استشارية لكي تتولى مهمة اعداد المواصفات الفنية للبرغي المراد توريده، فترة البحث والتأهيل استمرت شهرين، ولكن الادارة الحريصة على اموال البلد اضطرت لان تستعين، مقابل مبلغ محترم، ببيت خبرة عالمي ضليع بإعداد وثائق توريد البراغي.
ونظرا لسفر المدير في رحله علاجية على حساب الدولة، الى بلدة سان ريمو الايطالية، ولغياب من ينوب عنه للاسباب نفسها، فقد تأجل موضوع البت في الموضوع، تساقط خلالها المزيد من البراغي والادراج.. المدير، وبعد عودته الميمونة امر باعداد الوثائق الفنية الخاصة بهذا البرغي مع توصية بالاسراع لانهاء هذه المشكلة العويصة، قام قسم المشاريع، وبعد تعليمات المدير، بانجاز الوثائق في 3 اسابيع، وهو ما يعتبر فترة قياسية نظرا لحجم الجهد المبذول للحصول على البرغي، تم تحويل الوثائق فور اعتمادها الى قسم المشتريات من جديد، الذي قام بدوره بطرح مناقصة عامة تم نشر الاعلان عنها في جميع الصحف الرسمية وغير الرسمية، فلم يتقدم لهذه المناقصة سوى ثلاث شركات فقط كانت عروضها كالتالي:
شركة «البرغي السعيد» تقدمت بعرض سعر توريد ما مجموعه برغي واحد فقط، مصنوع من الستانلس ستيل بقيمة دينار ونصف الدينار مع فترة توريد تستغرق 7 ايام بالطائرة.
مؤسسة «المسمار المحتار» تقدمت بعرض سعر قيمته ثلاثة دنانير لبرغي مصنوع من النحاس المسروق من كيبلات وزارة الكهرباء والمعاد تدويره في بنغلادش، مع مدة توريد تستغرق 15 يوما قابلة للتمديد، اما شركة «برغي يونايتد المحدودة» فكان عرضها يفوق عرض اعلى سعر بعشر مرات، مع فترة للتوريد تمتد لاكثر من ستة اشهر، تمت الموافقة على العرض الاخير لان مواد البراغي، وكما قيل، مصنوعة من مخلفات نيزك سقط في ولاية الاسكا الاميركية وهو صالح للاستخدام بصورة أبدية.
سئم المواطن أمين من كل هذه التعقيدات البيروقراطية، ومن الهدر في المال العام، فقام بشراء «خمطة» براغي من سوق المسامير بقيمة لم تتعد الــ 100 فلس، وقام بتركيبها بنفسه، لكن في اليوم التالي تم اصدار قرار بايقاف المواطن امين عن العمل تمهيدا لاحالته الى التحقيق بتهمة انتهاك القوانين المرعية، والاستهانة بتعليمات رؤسائه.
«لا تصدقوا حكاية البرغي فهي خيالية وليست واقعية، ولكن صدقوا قصصا وحوادث حقيقية اعظم بكثير من قصة البرغي، انها قصص تحصل يوميا في كثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية في كل مكان من عالمنا الثالث عشر. صدقوني، هناك الكثير من المواطنين الامناء يعيشون بيننا، لانهم وببساطة لا يرضون ان تنهب او تهدر اموال بلدهم، ولكن هناك من يحاربهم».
•••
ملحوظة: الفكرة مقتبسة، وبتصرف كبير، من صيد النت.
طلال عبدالكريم العرب
talalalarab@yahoo.com
|