جعجعة في حجرة مظلمة
مصادر مختلفة
GMT 11:33:00 2009 الثلائاء 29 ديسمبر
عبدالله العميرة
منهج النقد عند العرب / الغرب
- الدوران حول الفكرة عند الكتّاب العرب ( اللت والعجن ) والدبلوماسية . أو كتّاب الرأي بغلاف دبلوماسي .
أعرف أن كل فكرة تحتاج لمناقشة طويلة ، ولكن ، هنا أحاول أناقش ما بينهما من ترابط .
معلوم أن منهج النقد يقوم على أحكام وقواعد علمية ، هذا اذا أردنا أن يكون ممنهجاً ومفيداً .
وأدخل مباشرة في الموضوع بسؤال تلقيته من صديق ؛ عن كاتب اجتماعي معروف بحب القراء للآراء التي يطرحها .
قلت ..
برأيي هناك ثلاثة أنواع من الكتاّب :
أكاديمي – ومفكر – واجتماعي ، ينقل رغبات الناس ، منفساً عنهم .
هذا الأخير – محط سؤال صديقي - يعجب الناس ، لأنهم يفهمون مباشرة ماذا يريد ، وهو يعبر وينفس ، ويجد كل قاريء نفسه في الموضوع .لذلك تجد ردود الفعل متجانسة في المفعول ..
وهذا ذكاء من الكاتب .. إنما هو في النهاية تنفيس بدون حلول استراتيجية ، اقصد أن معظم مايطرحه الكاتب الإجتماعي ، هو عن قضايا آنية ، ولاتخلوا من المبالغة . الإيجابي فيها ، عندما يكون الكاتب ذكياً في جذب القاري ، والسلبي أن الكاتب لايضع حلولاً ، بل هجوم أكثر منه نقد .
لابد أن ندرك جميعاً أنني هنا لا أناقش القضية كبحث علمي . والا تم تصنيفي ضمن الأكاديميين .
إنما ما أريد أن اصل اليه هو الرابط بين المحاور المعطاه آنفاً .
لنتأكد أولا : على أي أساس يقوم منهج النقد .. مؤكد على المحتوى العلمي والثقافي للناقد .
طيب .. إذا ثقافة الناقد هي التي تحدد له أسلوبه وفكره في النقد ؟.. أليس كذلك ؟!
السؤال التالي : هل محتوانا العلمي في المجتمع العربي قائم على قواعد سليمة ؟
بمعنى : التعليم والثقافة ، قاعدتان رئيسيتان ، هل هما على استعداد لبناء فكر صحيح ؟
برأيي.. هذه القواعد غير سليمة .. فالتعليم العربي قائم على القمع ، والثقافة تدخل في طيف الثنائية ، أي أنها ثقافة عاطفة لاثقافة عقل .. هذا في المجمل ، بطبيعة الحال هناك استثناءات ، لكنها قليلة .
أما في الغرب ، فالنقد قائم على أسس سليمة ، الأساس فيه التعليم الصحيح القائم على التحليل .
اماالكاتب هنا فلايخرج مهيأ للنقد الصحيح ، ولا حتى بأقل نسب التبسيط في النقد( التشريح والتحليل ، والعلاج )
وحتى نختم هذه المناقشة السريعة حول العنصرين المذكورين في بداية الموضوع ..
للأسباب التي ذكرتها .. يلجأ الكتاب العرب – رغماً عنهم ! -الى ( اللت والعجن ) واظهار الموضوعات التي يكتبون فيها وكأنها نوع من الدبلوماسية .
أستثني بعض الكتاب ومنهم على سبيل المثال : الدكتور سليمان الهتلان .
ربما لأنه يجمع أهم مكونات النقد ، فهو (أكاديمي نال الشهادة العليا في الإعلام من أمريكا ، ومثقف ، ومفكر ، وممارس للعمل الصحفي ، الورقي والإلكتروني والفضائي قبل أن ينال الدكتوراه وأثناء الدراسة وبعدها ) .
ربما يهمس أحد : وهل هناك مثل الدكتور سليمان ، أقول نعم : لكنهم مغيبون ، أو دعوني أخفف المسألة حتى لا يغضب أحد في وزارة الإعلام أو أحد من القائمين على صحفنا المحلية أو حتى العربية ، وأقول : إن لدينا قدرات معطلة وغائبة !
طيب .. والحال هذه ، كيف الوصول الى موضوعات هادفة ..مستمرة الفائدة ، باقية على الأثر الطيب ؟
في الوقت الحاضر ، لايوجد من يمكننا القراءة له بدون أن نخرج متشبعين بالتشكي والتشاكي واللطم والضرب وجلد الذات ، ولا نتيجة .
والمميت أن يكتب كاتب ( لا أقول ناقد) في موضوع سطحي ، ويهاب أن يعلن صراحة عن الفكرة ، يتذاكى .. يعتصر كل ما في رأسه حتى تحترق خلايا دماغة من أجل أن يُخرج موضوعاً مبهماً ، غير مفهوم ، ويمكن أن يفسر خيراً أو شراً .. حتى – برأيه وفكره وعقله الذكي – اذا فسر شراً ، قال هذا ليس مقصدي!
بل ومن المضحك حتى الثمالة ، ولادة كتاب في صحف تائهة ؛ ضائعة ، هؤلاء الكتاب ( يستأجرون) من يتابع كتاباتهم على النت ويعلقون على مقالاتهم ، ليوهم الناس ، بما فيهم رئيس التحرير ، أنه كاتب فذ له متابعين .. يظهر ذلك من كثرة الردود والتعليقات على موضوعاته التافهة ، في حين كتّاب أفضل منه ، في نفس الصحيفة لا تتعدى التعليقات على مقالاتهم ؛ الأربعة !
ودعوني أكشف لكم سراً مضحكاً ..
قال لي صديق متابع أن أحد الكتاب يتبع هذا المنهج ، يستأجر من يعلق على موضوعاته .
فقام هذا الصديق أمامي ، ودخل على مقال الكاتب وعلق باسم مستعار بالجملة التالية : “ أخي وحبيبي الكاتب الفذ ” اللي ما مثله “… إنني أتابعك حتى وأنا خارج المملكة ، أنا في ايطاليا ، وأشتري الصحيفة يومياً من روما !! ( لاحظو أنه يشتري الصحيفة ، ومن أين ؟ من روما!!) .. وقال في ختام تعليقه : لقد اشتقت لك “!
وبعد لحظات فوجئت بظهور التعليق كما هو .. ولم يمضي وقت حتى رد الكاتب على التعليق قائلاً : “ أشكرك أخي العزيز .. وأنا كذلك اشتقت للقاء بك ، أتمنى أن أراك بعد عودتك سالماً من ايطاليا ، حتى نعيد ذكريات سابقة !!!!!!”
( لاحظوا الدجل.. طبعاً الكاتب لايعرف المعلق ولالم يفكر أن الجريدة اللتي يكتب فيها لاتتعدى حدود مدن السعودية الكبرى ، ولا أدري كيف فات على الكاتب أن الموضوع سخرية ، وليس هناك أدل على وجود المتابعة للصحيفة الورقية في روما ، وليس الموقع الإلكتروني “.. هنا غباء مركب من الكاتب والصحيفة ) .
هذا مؤشر .. ولم أتحدث عن مضمون مقال الكاتب ، لأنه يمثل بقية الأعمال الصحفية او الإعلامية الرديئة ، فلا هو ناقد ، ولا الموضوع يوحي أنه موضوع !!
يمكنني أن استثني في هذا المجال ، أقصد : كتّاب الرأي بغلاف دبلوماسي .. الأستاذ تركي السديري يختلف عن أولئك الكتّاب .. ويمكنكم متابعتها ، وستخرجون برؤية تؤكد لكم أنه لايكتب الا رؤية مباشرة ، أما النقد المغلف ، فإنه يطرحه باسلوبه الدبلوماسي لقضاياه المتعلقة بالسياسة ، وهذا هو المنهج السياسي ، ولايميل للنقد بمعاييره المعتاد أن يطرحها الكتاب الكبار ، لأن الأستاذ تركي ليس ناقدا فنياً أو اجتماعياً ..نستطيع القول أنه كاتب سياسي من طراز فريد ، وقلم اجتماعي مباشر في القضايا العامة الكبرى والواضحة ، يطرحها لتسليط الضوء ، أو للتذكير بها .لذلك دائماً أقول : هو مدرسة قائم بذاته ، وحسب متابعتي لايوجد كاتب ، يحمل فكراً سياسياً ، ورؤية استراتيجية في القضايا الإجتماعية .
إنما أن يأتي كاتب ويقول أنه ناقد ، ويبدأ في اللت والعجن ، وفي النهاية ( فاشوش) فهذا ما يجب أن يتغير .. وللأسف هذا هو منهج معظم الصحفيين والكتاب العرب .
فكل منهم بنقل مشكلة من الشارع الى الشارع عبر وسيلة اعلام ، بدون حلول .
حتى تحول دماغ القاريء والمشاهد العربي كما حجرة مليئة بالقاذورات تتزايد كل يوم .. ولا يوجد من ينظفها .. وكأن الشارع العربي لايوجد فيه جميل ، أو أنه من المستحيل حل المشكلة فيه .
ولا ألوم بعض الجهات التي يشرحها الإعلام ،فإعلامنا ، خاصة صحافتنا ، تُشرح المجتمع وتتركه بدون (رتق) ، أو تثير مرض ولاتضع له علاج ، وأقصى ما يفعله بعض الكتّاب أو الصحفيين تحديد مكان المشكلة .
والمثير أن هذا الإنسان العربي اليوم تعود العيش على تلك الرائحة وذاك الشكل ، وتعود على الجعجعة في تلك الحجرة المظلمة.
لكنه لازال يأمل في اعلام منظم ، ومفيد .
رئيس تحرير مجلة (parents) العربية