(3)فى الأسبوع الأخير من شهر اكتوبر 1929 شهدت الأسواق المالية الأمريكية إنهيارا مدمرا حيث انصهرت أمام أعين ملاك الأسهم ثرواتهم مثلما انصهر حديد برجى مركز التجارة العالمى فى11 سبتمبر 2001، وحسب وصف الأقتصادى الأمريكى هيلبرونر ذابت الثروات أمام اعين السماسرة كما تذوب الحلوى الهشةSpun sugar
أو ما تسمى عندنا غزل البنات ونتج عن ذلك تلاشى ما مقداره 40 بليون دولار من هذه الثروات أو ما يعادل نصف الناتج المحلى الإجمالى الامريكى الذى كان يقدر سنة 1929 ب 87 بليون دولار.
وبعد هذا الإنهيار المفاجئ دخل الأقتصاد الأمريكى فى مرحلة ركود طويلة استمرت حتى عام 1940، وترتب على هذا الركود نتائج كارثية على الأقتصاد الأمريكى حيث تراجع الناتج المحلى الاجمالى من 87 بليون عام 1929 إلى 75 بليون عام 1930 إلى 59 بليون عام 1931 إلى 42 بليون 1932 إلى 39 بليون عام 1933، أى فقد الإقتصاد الأمريكى أكثر من نصف ناتجه الإجمالى فى اربعة سنوات.
وكان من نتيجة هذه الأزمة الحادة انهيار النظام المصرفى، وتهاوى نشاط البناء فى قطاع الإسكان بمقدار 95%، وفقدان تسعة بلايين من حساب الادخار، وأفلس خمسة وثمانون الفا من المشروعات،وبلغ الهبوط فى حجم المرتبات 40% والأجور 60%. وفى عام 1933 قدر حجم البطالة فى الولايات المتحدة بحوالى 25% أو ما يبلغ 14 مليون من العمال، وبلغ الإنهيار فى توسعات القطاع الخاص بين عامى 1929 و1932 حوالى 94%(من 15 بليون إلى 886 مليون على التوالى).
والشئ الذى يدعو للقلق أن تفسير الإقتصاديين لأزمة 1929 يشبه تفسير الأزمة الحالية،حيث رأى الأقتصاديون وقتها أن الإنهيار كان محتوما، فسنوات الرواج الضخم السابقة عليه كانت مليئة بنذر الخطر: كان هناك توسع ضخم فى الأقراض بدون ضمانات كافية، واقبال غير محسوب المخاطر للمضاربة فى البورصات سعيا وراء الربح السريع، وكما تقول التقارير الإقتصادية المفسرة للأزمة، كان سلوك المواطن الأمريكى العادى ازاء الانتعاش يبدو جنونيا وانتحاريا، فقد أغرق نفسه فى الرهن، وتوسع توسعا خطيرا فى الشراء بالتقسيط، وأقبل بشغف كبير على تأمين مستقبله من خلال شراء كميات هائلة من الأوراق المالية قدرت عند الحد الأدنى وقتها ب 300 مليون سهم.
ورغم تشابه أعراض الأزمة الحالية مع أزمة 1929 إلا أن خطة الإنقاذ التى عرضتها إدارة بوش تختلف عن ما فعله روزفلت عام 1929.
سياسات روزفلت اعتمدت على التدخل لتنشيط الطلب وتوسيع الانفاق فى القطاع الحقيقى للأقتصاد عبر بناء اكبر شبكة من الطرق والسدود والمطارات والموانئ ومشروعات الإسكان فى تاريخ أمريكا بل واكبر شبكات البنية الاساسية فى العالم، وهذه البنية الأساسية التى تفتخر بها امريكا حتى الآن كانت نتيجة لهذه السياسة الفعالة الإيجابية لبرنامج روزفلت، عكس ما هو حادث حاليا فى خطة الإنقاذ التى تتمحور حول شراء اصول مالية منهارة ومتهالكة لن تضيف شيئا للاقتصاد وإنما تحاول أن تمنع مزيدا من الإنهيار... ومن هنا يأتى الخلاف على الخطة وعلى نتاءجها أيضا، وهذا ما سوف نتناوله فى المقال القادم.
Magdi.khalil@yahoo.com