GMT 3:52:25 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

رأي

الليبرالية السعودية بين الوهم والحقيقة
شاكر النابلسي

GMT 10:00:00 2009 السبت 10 أكتوبر

-1-
عندما بدأت أنشر بعض حلقات هذه الدراسة في جريدة "الوطن" السعودية، كانت ردود معظم القراء تتساءل:
-      أين هي الليبرالية السعودية؟
-      وهل هي وهم أم حقيقة؟
-      وأين هم الليبراليون السعوديون.. إنهم مجرد أفراد متفرقين، لا تجمعهم جامعة، ولا يضمهم تيار، وليس لهم أي أثر في الحياة السعودية؟

واستنكر عدد من القراء عليَّ البحث في هذا الموضوع غير المُجدي - حسب رأيهم – والذي يتصوّر مجرد تصوُّر واهم وجود ليبرالية سعودية.
ولكن بعض هذه الآراء السلبية تجاه الليبرالية السعودية، بدأت تخفُّ وتختفي عندما بدأت بنشر عدة مقالات في "الوطن" السعودية تلقي الضوء على مظاهر هذه الليبرالية، التي يعتقد البعض أنها موهومة، ولا حقيقة لها. وآمل من كل هؤلاء أن ينتظروا قليلاً حتى يكتمل بحثنا ويصدر في كتاب قادم في مطلع 2010 ، يحفر في أصول الليبرالية السعودية، التي بدأت منذ عشرينات القرن الماضي، بكتاب محمد حسن عواد "خواطر مُصرَّحة" عام 1926.
وفي هذا المقال والمقالات القادمة، سوف نتابع الحفر والبحث عن جذور الليبرالية السعودية، لنؤكد أنها هناك، ولكنها تجري كجريان الماء في عروق الصخر الأيديولوجي الصلد، الذي بدأ يلين ويتزحزح قليلاً قليلاً، وكان آخر نجاحات هذا الزحزحة، جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، وما سوف تمثله من انطلاقة ليبرالية علمية وحداثة حضارية مشهود لها.
وأود أن أؤكد هنا، أن اهتمامنا بهذا القدر بالليبرالية السعودية على هذا النحو، وتخصيص كتاب لها، يأتي من أن لين وزحزحة الصخر الأيديولوجي السعودي، سوف يؤدي إلى مزيد من الزحزحة واللين لكثير من الصخور العربية الصلدة الأخرى. فعروق هذا الصخر ممتدة في أنحاء كثيرة من العالم العربي، نتيجة لعوامل تاريخية، ودينية، وأصولية، ومالية، وإعلامية كثيرة.

-2-
لعل ظهور العوَّاد في العشرينات، ونشر كتابه التنويري "خواطر مُصرَّحة" الذي يحمل الكثير من الأفكار الليبرالية عام 1926 ، وصدور كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" عام 1927، وكتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، ليست صدفة محضة، بقدر ما هي دليل على بدء نداء الحداثة العربية في مصر والجزيرة العربية.
إذن : "الإسلام وأصول الحكم" 1925، كان ضد عودة الخلافة والدولة الدينية.
و"خواطر مُصرَّحة" 1926. كان دعوة إلى النقد الذاتي، وإصلاح التعليم الديني والمدني، وإلى حرية المرأة.
و"في الشعر الجاهلي" 1927. كان التشكيك في الشعر الجاهلي، وفي التاريخ العربي أيضاً، للوصول إلى اليقين المستهدف.
وهذه سلسلة حداثية وليبرالية من ثلاث حلقات، جاءت في فترة زمنية واحدة، مما يُشير ويدلُّ على أن الهمَّ والهدف الليبرالي والحداثي كان واحداً في مصر الكبيرة المؤثِّرة، في تلك الفترة، وبين الجزيرة العربية التي كانت أبرز وأهم مناطقها تاريخياً ودينياً في تلك الفترة منطقة الحجاز، وما زال هذا الجزء من المملكة العربية السعودية، يلعب دوراً مهماً دينياً وتاريخياً في السِفْر العربي.

-3-
عودٌ على بِدء.
واستكمالاً لمقالنا السابق هنا في "إيلاف" نقول:
فكما طُرد علي عبد الرازق من سلك القضاء وعصبة علماء الدين، وكما طُرد طه حسين من الجامعة، فقد طُرد كذلك محمد حسن عوَّاد كأستاذ في "مدرسة الفلاح" الشهيرة بجدة.
وكما حوكم علي عبد الرازق وطه حسين، فقد تم التحقيق العوَّاد كذلك، نتيجة هجومه العنيف على رجال الدين التقليديين، والمؤسسة الدينية السلفية.
عندما كتب العوَّاد "خواطر مُصرَّحة" كان في الرابعة والعشرين من عمره. شابٌ، غضٌ، متوثبٌ، ومتفجر. وفي هذا يقول عبد الوهاب آشي في تقديمه لهذا الكتاب:
 "الشباب الحجازي المتأدب، إذا كتب للأمة، فإنما يكتب بأقلام من حديد، ومداد من الغاز الخانق على صحائف من نار."

-4-
وأفكار العوَّاد التنويرية التي جاءت في كتابه " خواطر مُصرَّحة" كانت صدى لقراءات العوَّاد الشاب في الفكر الإسلامي والعربي والعالمي. فالعوَّاد قرأ في هذه السن (22-24 سنة) ابن حزم، وابن القيِّم، وشعر المتنبي، وكُتب  فولتير وشكسبير وبايرون، وجوته. كما قرأ العوَّاد طه حسين، وعلي عبد الرازق، وسلامة موسى.
ويقول الباحث السعودي سحمي الهاجري، في بحثه عن العوَّاد تحت عنوان "المروة والصفا شرارة التنوير الأولى":
"أن القضايا التي تصدى لها العوَّاد، كانت في الدين، والمرأة، والتعليم، والاقتصاد. وهي تشكل سُداة الكتاب. أما لُحمته فهي تلك القيم المطلقة التي كانت النسبة العددية لدورانها تعبيراً عميقاً وغير مباشر عن أزمة تعانيها هذه القيم في ظل الخطاب الاجتماعي السائد في ذلك الوقت، ليتشكل بتقاطع القضايا والقيم نسيج الكتاب، مثل: حرية الفكر، والتجديد العصري، والتنوير، والنهضة والتقدم، والفتوة، والابتكار والإبداع."
 وهذه الموضوعات التنويرية، جاءت نتيجة لمثل هذه القراءات التي كان يقرأها العوَّاد.
ولكي لا تضيقوا من طول هذا المقال، نتوقف هنا، ونُكمل في المقال القادم، رحلة الليبرالية السعودية الطويلة.

السلام عليكم.

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه