بالطبع لم تراودني يوماً أوهام أتوقع معها من مؤسسة حكومية كوزارة الصحة المصرية أو غيرها من أجهزة الدولة الإدارية، أكثر مما عانيته خلال تجربة الإصابة بالفيروس اللعين أو ما يحدث يومياً مع ملايين البسطاء من إهمال واستخفاف، والبحث عن مبررات بدلاً من السعي إلى حلول جادة لأن هذا السلوك يتكرر دائماً كلما ألمت بالناس الكوارث سواء كانت حرائق قطارات ومسارح أو انهيارات للعقارات، أو حتى غرق العبارات، فتراث المصريين مع السلطة لم يكن طيباً ذات يوم هذا الشعور السلبي وحالة انعدام الثقة تتجذر للأسف خاصة في ظل ترهل أداء الجهاز الإداري، وبالتالي لا يراود الناس عشم في جميع الحكومات المتعاقبة، ولا يتوقعون منها أكثر من أن تدعهم لحال سبيلهم على طريقة "حدّ الله ما بيني وبينك غير حب الوطن يا حكومة".
لكن في المقابل فإن المصريين من شتى المشارب يعولون على التكافل الاجتماعي في إطار منظومة حضارية راسخة، تتجاوز الانتماءات الدينية والاجتماعية ويطلقون عليها "الأصول" أو "الواجب"، فمثلاً في الصعيد حيث يشكل "الثأر" دوراً محورياً في الثقافة الشعبية السائدة هناك، لكنه ليس مقبولاً استهداف الخصم لو كان في طريقة لأداء واجب عزاء، كما لا يصح أيضاً قتل النساء أو الأطفال بدافع الثأر، وإذا حدث هذا يعتبر عاراً لا يبرره "حق الدم"، بل يوصم فاعله بالخسة والنذالة، ويلقى أبشع صور النبذ الاجتماعي، وقد رأيت بأم عيني آخر أيام "البناء التكافلي" في الصعيد، حين كان يقرر أحدهم بناء بيته، فلا يتكبد سوى أجر "البنا" فقط، بينما يهب كل شباب القرية للمساعدة، دون مقابل اللهم إلا أن صاحب البيت يعد يومياً وجبة غذاء دسمة لهؤلاء الرجال.
هذه الأمثلة السابقة تقودني إلى جانب آخر من مشهد تجربة المرض اللعين، وهو لا يقل قتامة ومرارة عن أسلوب تعاطي أجهزة الحكومة مع الأزمة، بل لعله كان الأكثر إيلاماً، وهو موقف الزملاء الصحافيين مني، إذ بادر بعضهم بالاتصال بالفضائيات التي بثت نبأ إصابتي بالمرض، كي ينفوا مقابلتي، بل ووصل الأمر بأحدهم إلى حد إصدار ما يشبه "بيان للأمة" يؤكد ويشدد فيه على أنه لم يجالسني ولم يصافحني، ويرفض الزج باسمه في هذه "المسألة"، وهكذا تحول مرضي بفضل مواقف حضرات الزملاء المحترمين إلى "مسألة" على غرار المسائل الفلسطينية والعراقية واليمنية وغيرها من "المسائل" التي يعج بها شرقنا الأتعس.
المهم.. لنعود لسرد وقائع أيام المرض اللعين، وما ترتب على الإعلان عنه من آثار، فبعد البدء في تناول جرعات الدواء بدأت تدب في جسدي بعض حيويته، لولا تلك الكحة اللعينة التي كانت تخلع رئتيي وحنجرتي وتجعلني أشعر بكل خلية تنتفض في صدري، وحينها اتصل بي الصديق والزميل الإعلامي معتز الدمرداش، ليسألني إن كنت قادراً على إجراء مداخلة هاتفية لبضع دقائق لأروي خلالها جانباً من تجربتي مع اكتشاف المرض، وكيف سارت الأمور.
وبالفعل اتصل بي فريق العمل في برنامج "90 دقيقة"، الذي تبثه فضائية "المحور" المصرية، وتحدثت معه بقدر ما كان متبقياً في كياني من طاقة وقدرة على التركيز، وكان الرجل يسأل عن تفاصيل الأمر باعتباره قضية رأي عام، ومسألة تهم ملايين المصريين في مستهل فصل الشتاء وسط توقعات لا ينكرها المسؤولون بانتشار واسع للوباء خلال الشهور المقبلة، لدرجة أن وزير الصحة بشرنا بخطة لإعداد "مقابر جماعية" لمواجهة أي كوارث محتملة، وحينما قرأت ذلك التصريح لأول مرة لا أعرف لماذا انتابتني نوبة هستيرية من الضحك، وكالعادة "حبكت القافية"، وفكرت ساعتها في كتابة اقتراح بتعديل اسم وزارة الصحة لتصبح "وزارة الحانوتية"، وضم "حفاري القبور" لكوادر العاملين فيها، جنباً إلى جانب الأطباء والممرضات
ما علينا،
بعدها لم تمر سوى بضع دقائق حتى رن هاتفي مرة أخرى، وكان معد برنامج "العاشرة مساء" الذي تبثه فضائية "دريم"، وتقدمه الإعلامية منى الشاذلي التي كانت قد نوهت عن إصابتي بالفيروس، وأبدت انزعاجها وفريق العمل كله، لا أظن بسبب مرضي بالطبع، بل لأنني كنت قبل أيام ضيفاً على البرنامج في الأستديو، وتحدثت الإعلامية النجمة عن "خلية عمل" وإجراءات وقائية صارمة للتحقق من عدم انتقال العدوى مني لأحد العاملين بالقناة، وكلما كنت أحاول سرد تفاصيل ما عانيته في "مزبلة الحميات"، كانت تقاطعني لتحويل الأمر صوب وجهة تشبه "جلسة النميمة"، عمن قابلني ومن قبلني ومن اكتفى بالسلام بالكف، ومن عانقني، ومن لمسني، وحينها كنت ـ ربما لحسن الحظ ـ في أدنى حالات تركيزي وإلا لصدرت مني ردود سمجة تليق بمحاولة تقديمي باعتباري "سفير إسرائيل" في مصر.
فكل الرفاق كانوا يستهلون حديثهم بالنفي القاطع لمقابلتي، ولولا بقية من حياء لأنكروا معرفتي بالأساس، وهم معذورون فهذه الأمراض ينبغي ألا تصيب "أنصاف الآلهة الملهمين" من نجوم المرحلة عافاهم من كل شر، وسدد خطاهم على طريق النجومية والثروة والنفوذ، وكفاهم شر "مزبلة الحميات" و"وحدة النميرو".
لكن قصة النجومية هذه لم تمنع نجماً "بجد" مثل معتز الدمرداش، أن يتصل بي مرتين يومياً وهذا أمر منطقي، فحتى طوائف الإجرام كالنشالين والهجامين يتعاطفون مع بعضهم البعض حينما تلم بأحدهم نازلة أو حتى "حملة أمنية"، ولأن رجلاً كمعتز الدمرداش نشأ في بيئة نجوم، فقد أصبح محصنا من مخاطر "تورم الذات" التي انتابت كثيرين من الزملاء، ما أن قُيض لهم رئاسة تحرير صحيفة، أو تقديم برنامج تلفزيوني، فالرجل فتح عينيه على كبار نجوم مصر، وتعامل معهم بشكل طبيعي باعتبارهم ـ قبل كل شئ ـ "بشراً" يمرضون ويموتون ويتزوجون ويطلقون ويغضبون ويفرحون، وليسو كائنات فضائية.
وإذا كنا كصحافيين وإعلاميين ـ يفترض بنا أن نكون قادة الرأي العام وصناعه ـ ونتعامل مع بعضنا البعض على هذا النحو الذي نرى فيه مريضاً منا، زميلاً لنا باعتباره "وصمة"، فكيف يمكن أن نتعامل مع ملايين المرضى المحتملين، وكيف يمكن أن نسوق للناس فكرة قبول المريض وعدم التعامل معه باعتباره "عاراً" ينبغي أن نغسل أيدينا منه، وأن ننفي أي صلة به ولو كان ذلك كذباً ومخالفاً للحقيقة.
هذا ناهيك عن ربط المواقف السياسية بالأمور الخاصة كالمرض وعدم الاستحياء من إبداء الشماته بمرض أو حتى وفاة الخصم، وانتهاز أي فرصة لتصفية الخلافات الفكرية والسياسية بمنتهى الخسة، فقد سمعت وقرأت في مواقع عبر الإنترنت من يزعم أنني عولجت في إسرائيل، وشخصياً ليس عندي أي مانع شأن كل مريض في الدنيا أن يتلقى العلاج في إسرائيل أو حتى في جهنم، لكن بالطبع لم يحدث هذا الأمر، بل هي مجرد فرية أعقبتها أكاذيب وسخافات مثل "نبيل ينفذ مخططا لنقل العدوى للإعلاميين والصحفيين المصريين"، وهذا بالطبع باعتبارهم ثروة قومية، وبالطبع فأنا أنفذ مخططاً "صهيوأميركي" لاغتيال هذه الرموز الثقافية والفكرية، وكما يقول بسطاء المصريين في المثل الشعبي "إذا كان اللي بيتكلم مجنون، يبقى اللي بيسمع عاقل"، وبين العقل والجنون تبقى مساحات تتسع لكل اللغو الذي أخشى أنه بات سمة من سمات هذا الزمن الردئ.
والله المستعان
Nabil@elaph.com
همسة:
نهايته يا مصر اللي كانت أصبحت وخلاص
تمثال بديع ولكن انفه في الطين غاص
وناس من البدو شدوا عليه حبال الخيش
والقرص "رع" العظيم بقى صاج خبيز للعيش
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه