العراق: المشتركات بين النظام السابق والحالي
منير العبيدي
GMT 10:29:00 2009 الخميس 19 نوفمبر
كان البعض يتوقع أن يكون الحكم البديل الذي أسسه المعارضون للحكم السابق في العراق بمساعدة أمريكا وحلفاءها النقيضَ المطلق له. والآن بعد مضي أكثر من ست سنوات نلاحظ أن كل سلبيات الحكم السابق قد بقيت وتعززت، وقد سقطت الكثير من حجج المدافعين عن النظام الحالي والقوى السياسية المشاركة فيه من التي دأبت على إلقاء اللوم على القاعدة والتكفيريين وحزب البعث دون أن تنظر لعمليات قتل واسعة النطاق مارستها ولا تزال تمارسها قوى مشتركة في العملية السياسية تمتلك ميليشيات معلنة وخفية.
فالقتل وسرقات المال العام بشكل منقطع النظير والفساد والظلامية الدينية وانتهاك القانون وعدم وجود أي رد فعل تجاه قوى الجيران التي تمارس التدخل الصلف في الشأن العراقي قد بلغت حدا من السوء لم يكن عليه الوضع في العراق في أي يوم من الأيام.
قبل أيام قليلة فقط أعلن العراق كواحد من اكثر الدول فسادا في العالم ووضع في مصاف الصومال حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية.
وفي الوقت الذي كان منتظرا أن تُستغل هذه السنوات في عمليات البناء وإعادة الاعمار لسد الفجوة التي تفصلنا عن أكثر جيراننا فقرا، وبدلا من استغلال واردات العراق لتضييقها إن لم نقل ردمها، تزداد الفجوة بين المستوى الذي هي عليه البنية التحتية في العراق مقارنة بالأردن والإمارات العربية وغيرها من الدول التي لا تمتلك جزءا من موارد العراق.
ولكن مع ذلك ما يزال هناك كتاب وسياسيون يدافعون عن نظام الحكم في العراق ولا ينتقدونه ويلقون باللائمة على هذا الطرف أوذاك دون نظام الحكم ورموزه من الذين اثبتوا فشلهم.
والآن يبدوالأمر، للأسف، على النحوالتالي أكثر فأكثر: الاستقطابية السياسية ـ الطائفية جعلت الكثير من العراقيين، انطلاقا من انتماءهم الطائفي أوقناعتهم السياسية، يرضون رضا كاملا عن نظام ما، ويسخطون سخطا كاملا على نظام آخر رغم أن المشتركات بين هذا النظام وسابقه أكثر من ظاهرة.
حزمة المواضيع التي نُشِرت في إيلاف تحت عناوين هي: بزوغ وأفول الطبقة الوسطى بقسميه الأول والثاني، التشوهات الاجتماعية في عراق التسعينات وهذا الموضوع الذي بين يدي القارئ هي حزمة مترابطة تمثل جزءا من دراسة ظاهرة السلطة والمجتمع المعقدة والمتعددة الوجوه.
كان الجوهري في العرض، وهوما حرصنا على إظهاره أكثر من غيره، هوالقدرة التي توفر عليها النظام السابق على التكيف وتغيير خطابه كما وتغيير الأوساط الاجتماعية التي يتطلع إلى دعمها، وسوف لن يكون بوسعنا فهم الحاضر، واقع العراق الحالي دون العودة إلى الجذور.
النظام يحاول التكيف مع المتغيرات
تسربت الكثير من الأخبار في التسعينات بعد الهزيمة التي منى بها النظام في حرب الخليج الثانية عن طرح واسع النطاق في قيادة الحزب الحاكم تقترح تغيير النهج وإفساح المجال لشكل من أشكال التعددية، ولكن الرد على مثل هذه الدعوات سرعان ما جاء سريعا وواضحا وهي إن الحزب الحاكم سوف يسمح بتأسيس أحزاب مساندة تهتدي بنهج البعث ! ولكن حتى هذا الهامش المحتمل من " الحرية " كان صعب التحمل من قبل السلطة الديكتاتورية التي كانت ترى إن هذا قد يؤدي إلى سوء فهم في جدية السلطة في احكام قبضتها على الوضع مما قد يؤدي إلى "انفلات" أمني، فلم يسمح حتى بتأسيس مثل هذه الأحزاب الكارتونية ومع ذلك فقد صدّق أوتظاهر بأنه مصدق بعض من العاملين في أحزاب المعارضة وفي أحزاب اليسار على وجه التحديد فعاد هذا البعض من الخارج وبدأ اتصالاته للاستفادة من دعوات التعددية الموعودة.
لم يكن هؤلاء العائدون يؤمنون كليا بجدية السلطة في تغيير نهجها واعتماد التعددية فقد كان مثل هذا الاعتقاد ينطوي على قدر كبير من السذاجة لا يتلاءم مع حدٍ أدنى من الإدراك السياسي، ولكن بعضهم أراد أن يحط الرحال اخيرا ويستريح بعد أن رأى أن طغيان السلطة لا يختلف عن طغيان المعارضة وكانت العودة تعني الهروب من طغيان إلى آخر.
واذا ما كان مشهد الحكمة السياسية لبعض العائدين مثارَ سخرية لمثقفي الداخل فإن السذاجة كانت حاضرة أيضا، فقد حُكم على عراقي بالسجن المؤبد بعد أن تقدم إلى الجهات المختصة بطلب أصولي لتأسيس حزب سياسي مصدقا الوعود التي أطلقت بالسماح بتأسيس أحزاب.
انعكاس التطورات الإقليمية والعالمية
كانت أبعاد ومديات التغييرات العالمية التي حدثت عشية العقد الأخير من القرن العشرين قد تكشفت وبانت آثارها الظاهرة والمحتملة، فقد أحدث سقوط الإتحاد السوفييتي فراغا فكريا هائلا لدى أوساط ثقافية وشعبية في المنطقة في الوقت الذي لم تكن فيه الأفكار الليبرالية، التي بدت بديلا منطقيا، قادرة على ردم الفجوة الناشئة، بسبب السياسة الخارجية لهذه الدول قبل كل شيء وبسبب عدم قدرة أوعدم رغبة القوى السياسية العربية حتى اليسارية منها على تفكيك ظاهرة السلطة وتناول العديد من ظواهر التعددية كنموذج قابل للتطبيق بغض النظر عن سياسة الغرب الخارجية في هذه النقطة أوتلك.
قاد البحث عن بديل آخر في أجواء التشكيك بمنجزات الغرب ـ عدا العلمية التكنيكية التي طبعت كامل حياتنا اليومية ـ إلى تبني فكر الإسلام السياسي الذي بدا كصحوة من غفوة طويلة في عالم " الأوهام" الاشتراكية واللبرالية وتم طرح شعار " الإسلام هوالحل " بقوة.
كانت قوة الإسلام في عصوره الأولى مرتبطة بتبنيه ثقافات شعوب أخرى غير إسلامية وهضمها أي قدرته على التكيف والتعامل مع الواقع، أما الاسلام السياسي المعاصر فليس إلا مثالا على الانغلاق وعدم القدرة على التكيف.
انطلاق الحملة الإيمانية
لم تحقق الثورة الإيرانية التي حدثت قبل أكثر من عقد على نهاية الحرب الباردة في دعوتها لتصدير الثورة حتى ذلك الحين سوى نجاح محدود، في حين طرحت بلدان عربية إسلامية مفهومها المقابل للمفهوم الإيراني في فكر الإسلام السياسي في إطار صراع نفوذ وصل الآن إلى ذروته وبدأ ينحوأخيرا منحى عنيفا.
واذا ما جردنا هذا الصراع من جانبه السياسي واستعماله لتأسيس نفوذ على حساب الآخر فلن يكون هذا غير اختلاف مشروع بين رؤيتين في تفسير النص المقدس والتاريخ الإسلامي.
وبين طرفي الكماشة هذين، أي طرفي صراع قوى الإسلام السياسي، حوصرت الدعوات الضعيفة أصلا إلى المزيد من اللبرالية والمجتمع المدني، فقد وجد المتباريان الرئيسيان أن المزيد من الأسلمة وليس المزيد من التحديث، حسب مفهوم كل طرف لها، هوالاستجابة الوحيدة الممكنة للتحدي القائم بين هذين المفهومين للإسلام السياسي.
ولكن ما لم يكن منتظرا هوما جاء من العنصر الثالث أي القوى المدنية واليسارية التي استجابت لهذا الوضع على الضد مما كان متوقعا منها وبدلا من أن تطرح مفهومها لمجتمع مدني منفتح على كل الأديان والمذاهب، تماهت مع هذا أوذاك من أطراف الإسلام السياسي وانتهى دورها الريادي وباتت تمارس، كما عبرت في إحدى المقالات، دور كومبارس.
كان المطلوب تفكيك عناصر السلطة التي تأسست في العراق والدول العربية في أعقاب الدولة العثمانية والحكم عليها منفصلة بموضوعية حيث كانت متقدمة على انظمة الحكم " الثورية " التي قامت بعدها في الكثير من النواحي، ولكن الحكم العقائدي الدوغمائي كان هوالسائد، فقد وصمت هذه الانظمة بالعمالة للاستعمار وجرى التخلص حتى من جوانب الحكم الايجابية التي تأسس بعضها بمبادرة من المجتمع المدني أوبالاقتباس من قوانين الدولة المحتلة التي مارست لا شك دورا تحديثيا يرفضه البعض انطلاقا من عقائدية جامدة أوادعاءات طائفية انعزالية تشدد على المظلومية.
الاجواء الفكرية التي رافقت الحملة الايمانية
على هذه الخلفية الفكرية وفي هذه الأجواء العالمية والإقليمية انطلقت في العراق بعد حرب الخليج الثانية الحملة الإيمانية لمواجهة "دول الكفر". هذا السند الدعائي ـ التعبوي لم يكن صالحا للاستعمال إثناء الحرب العراقية الإيرانية، فالحرب كانت ضد بلد مسلم بل جمهورية أعلنت نفسها إسلامية.
كان قد أشير في الخطاب الدعائي ـ التعبوي إثناء الحرب مع الجار الشرقي إلى أن النظام في إيران متخلف، وصِيرَ إلى التركيز على موقفه المعادي للفن وخصوصا الموسيقى والغناء، ولإعطاء صورة مغايرة جرى تنظيم العديد من المهرجانات، ذات الكلفة الباهظة في زمن الحرب، للفنون التشكيلية والموسيقية مثل مهرجان بغداد للفنون التشكيلية ومهرجان بابل.
أما بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية والدخول في مواجهة مع قوات التحالف الدولي بسبب احتلال الكويت فقد استنفذ الشعار الأول أغراضه وجرى تنحيته جانبا ورد الاعتبار للفكر الديني المحافظ والتخلي عن بعض عناصر التعامل المعتمدة على الفكر الديني المتسامح الذي تميز به العراق تاريخيا وقواعد العلمانية والمدنية التي جرى التعامل بها منذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينات القرن الماضي.
مزايا العراق
أكثر من أي بلد في المنطقة امتاز العراق بأنه نقطة تقاطع العديد من الأديان والمذاهب والطوائف والقوميات، وقد تعايشت هذه التنوعات الدينية والقومية والأثنية فيه بتناغم وانسجام، وكانت الأطر المفتوحة للثقافة العراقية وكذلك المناهج الدراسية المعمول بها في المدارس والجامعات كما والطبيعة المنفتحة للمجتمع العراقي تتلاءم مع هذا التكوين الذي نشأ تاريخيا، لذلك كان أسلمة المجتمع ستؤدي حتما إلى ما هوأضيق من ذلك أي إلى الطائفية الدينية وبالتالي فإن هذا لا يتناسب مع بقاء اللحمة الاجتماعية متماسكة.
منذ تأسيس الدولة العراقية حتى الثمانينات كان درس الدين يدرس في المدارس كدرس غير أساسي ولا يدخل ضمن الامتحانات الوزارية ( امتحانات البكالوريا ) كما كان من حق معتنقي الديانات الأخرى أن يتركوا قاعة الدرس، وقد جرى فيما بعد جعل أداء امتحان درس الدين أساسيا وتم جعله إلزاميا وضمن الامتحانات الوزارية.
لم يصدر قانون يلزم المرأة بالحجاب في العراق ولكن الضغط الاجتماعي الذي أذكته ما أطلق عليها الحملة الإيمانية التي نشطت في تسعينات القرن الماضي قد عبأ أوساط اجتماعية محافظة انطلقت من عقالها ومارست دورها في الشوارع مستهدفة كل شكل غير مقبول ( من وجهة نظرها) للأزياء والملابس.
أما ممثلي السلطة الجديدةـ من الذين طرحوا نفسهم بدلاء ـ فقد راقهم ما قام به خصمهم وكان أول إنجازاتهم المشهودة تعيين حراس في مداخل الجامعات والكليات والمعاهد، ليست لحماية الممتلكات العامة من السرقة والنهب بل لحماية "شرف" المرأة المتمثل بظهور خصلة من شعرها اوتنورة تقاصرت بضع سنتمرات.
وكان الجواهري الكبير قد قال في السبعينات مخاطبا مهدي عماش اثناء الحملة على الميني جوب:
أترى العفافَ مقاسَ أقمشةٍ
ظلمتَ، اذن، عفافـــا
وعملت الكثير من الإجراءات المرافقة مثل غلق النوادي الليلية على تهديد القاعدة الاقتصادية لأوساط واسعة من الشعب العراقي من غير المسلمين.
وحين جاءت قوى الاسلام السياسي إلى السلطة بعد سقوط النظام في عام 2003 وجدت أن الارض قد مهدت لها، فلم تكن هذه القوى "المعارضة" تختلف مع سياسة النظام في حملته الإيمانية ولا في الإجراءات التي رافقتها بل كان الإختلاف ينصب على محتوى هذه الحملة وتوجهها ومغزاها السياسي والطائفي، وبذلك نجد أن الطرف البديل قام بتعزيز الكثير من القرارات التي اتخذها النظام المُبدل.
إن الاختلاف بين السلطة السابقة في العراق والسلطة الحالية في موقفها من الحريات والمجتمع المدني ليس كبيرا.
فالكثير من الحريات القائمة الآن قد فرضها المجتمع الدولي وغياب القوة الحاسمة لدى الأحزاب المتصارعة، وتتربص القوى المشاركة في العملية السياسية للإجهاز على هامش الحريات حالما تجد أن الفرصة مناسبة لذلك.
على أن الكارثة تكمن في مكان آخر أيضا، فبدلا من نقد المشتركات السلبية التي تجمع النظام السابق مع الحالي والخروج بخطاب متوازن لا يكترث لعنوان السلطة انما لسلوكها ولا يتعامل مع مقدار وكمية السوء ولكن مع جوهره، بدلا من ذلك اصطف المثقفون ضد هذا النظام بكل ما فيه، ومع ذاك النظام بكل ما فيه ايضا، هذا الاصطفاف هوالذي يجعل التفاؤل بنهاية عصر الظلام في العراق بعيد المنال.
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه