GMT 21:00 2009 الخميس 12 مارس GMT 19:12 2009 الجمعة 20 مارس  :آخر تحديث

معجم المفاهيم الضرورية: مفهوم الثورة فلسفيا وتاريخيا

العفيف الأخضر
تستعرض هذه المداخلة باختصار* أربعة مفاهيم للثورة: مفهوم الثورة العلمية، مفهوم الثورة الصناعية، مفهوم تثوير الأخلاق والتقاليد، وأخيرا مفهوم الثورة السياسية.
 يقول مؤرخ العلوم Dominque le Court ولد مفهوم الثورة العلمية مع تاريخ العلوم نفسها في القرن 18. عندئذ نزل مصطلح الثورة المستخدم في الفلك من السماء إلى الأرض (...). استخدم لأول مرة سنة 1727. إنها حقبة ثورة شاملة تقريبا في الهندسة، ثم انتشرت الكلمة بسرعة للحديث عن فيزياء نيوتن. وغدا شائعا في دائرة معارف فلاسفة الأنوار. وأصبح لكل علم ثورته. يضيف Le Court: " الأصل الفلكي للمصطلح ظل راسخا لأن الثورات أحداث قابلة للتكرار بل هي دورية ترسم وتحقّب تاريخ العلوم وتاريخ الشعوب". ويضيف لوكور مستعرضا مفهوم الثورة العلمية في كتاب مؤرخ العلوم الألماني  T. Kuhn في كتابه: "بنية الثورة العلمية"، التغيير العلمي هو قطيعة بين نموذجين علميين وليس تقدما تدريجيا وتراكميا للمعرفة: الثورة العلمية هي تغيير الباراديجم Paradigme. (...) الذي يحمل بعدين معرفي واجتماعي. علميا، هو حلول المشاكل في علم ما، واجتماعيا يغطي مجموع المعتقدات والقيم المتعارف عليها والتقنيات التي تستخدمها مجموعة ما. الأزمات هي شرط مسبّق لظهور نظرية علمية جديدة كما يقول لوكور (1) وسنرى عند الحديث عن الثورة السياسية أن الأزمة هي أيضا شرط ضروري ولكن غير كاف للثورة.
مفهوم الثورة الصناعية ظهر في إنجلترا في القرن 18 عندما تم الانتقال من الآلات المشغلة يدويا إلى الآلة المشغلة ذاتيا.
مفهوم ثورة تغيير العادات والتقاليد التي تتغير عادة ببطء شديد خاصة في المجتمعات التقليدية وشبه التقليدية. عرفت الحداثة ثورتين من هذا النوع؛ الثورة الذهنية التي أعقبت ظهور المطبعة فجعلت المعارف متداولة بين الجمهور. وهكذا حدّثت الذهنيات على نحو غير مسبوق. ولولا المطبعة ما كان لفلسفة الأنوار أن تجد طريقها إلى وعي أكثر الناس عددا مُهمشة اللامعقول لأول مرة في تاريخ أوروبا والعالم، ناقلة أوروبا الغربية من شعار "كل شيء دين"، الذي ساد طوال القرون الوسطى، إلى شعار "كل شيء دنيا"، أي مجال للبحث والتنقيب والتجريب والتمحيص والنقد الملازم للعصور الحديثة. أما الثورة الثانية على التقاليد العتيقة فمثلتها ثورة الشباب الطلابي والعمالي في فرنسا مايو 68، فحررت العلاقات الجنسية من المحرمات المتقادمة. تحت تأثيرها، ألغت فرنسا جميع العقوبات الجنسية بين الراشدين الراضين. طبعا، عدا الجرائم مثل الاغتصاب. يعتبر مؤرخو الأفكار أنه إذا كانت رئاسة جسكار ديستان (1974 ـ 1981) قد حدّثت الأخلاق الاجتماعية والتقاليد الفرنسية فذلك لأنها طبّقت مطالب ثورة مايو 68 في تحقيق الحرية الجنسية التي كانت شرارة اندلاع هذه الثورة عندما منعت إدارة المدينة الجامعية طالبا من الصعود إلى غرفة صديقته. وهكذا ألغى البرلمان الفرنسي العقوبات الجنسية بين الراشدين المتراضين وأباح الإجهاض كاعتراف للمرأه بملكيتها لجسدها والتصرف الحر في جنينها بالاحتفاظ به إن شاءت أو التخلص منه إن شاءت. قبل ذلك كانت الفرنسيات يسافرن إلى تونس للإجهاض؛ منذ 1961 أباحت تونس المستقلة الإجهاض لهدفين: تحرير المرأه من الأمومة المفروضة عليها بقوة التقاليد ونزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني. وقد تحقق الآن الهدفان، من النادر وجود أطفال لم ترغب الأمهات في ولادتهم؛ في 1956، تاريخ الاستقلال، كان سكان سوريا وتونس متعادلين: 4 مليون في كل منهما. اليوم لا يتجاوز سكان تونس الـ 10 مليون فيما يتجاوز سكان سوريا الضعف.
 
مفهوم الثورة السياسية:
 إذا كان مفهوم الثورة في اللغات الأوروبية مستعاراً من دورة الكواكب حول نفسها بما فيها كوكبنا الذي ينجز ثورة كل 24 ساعة، فإنه في العربية مستعار من ظواهر الطبيعة والسلوك الانفعالي اليومي للإنسان نفسه. يقول "لسان العرب" في مادة ثار: ثار الشيء هاج، ثورة الغضب حدته، والثائر الغضبان. ويقال للغضبان أهيجَ ما يكون: وقد ثار ثائره وفار فائره إذا غضب وهاج غضبه. وثار إليه وثب (...). الثورة هي الهَيْج. ثار الغبار وثارت نفسه، إذا فارت واهتاجت. واضح أن مفهوم الثورة في العربية هو وصف للتمرد الفردي أو الجمعي الانفعالي اليائس غير الحامل لأي مشروع مجتمعي، ولا لأي أمل في مستقبل أفضل. ومفهوم الثورة بهذا المعنى في لسان العرب، قاصر حتى عن وصف الثورة العباسية التي نقلت الحكم من تحالف القبائل القيسية، واليمنية الذي شكل القاعدة القبلية للخلافة الأموية، إلى تحالف الأرستقراطيتين العربية والفارسية والذي في ظله ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية. لكن خارج هذا المثال اليتيم أو يكاد في المشرق لم تكن "الثورة إلا الهيج" كما وصفها ابن منظور. وهو وصف ينطبق أيضا إلى حد كبير على جل تمردات الفلاحين الأوروبيين في القرون الوسطى التي لم تُسفر عن تغيير النظام القديم بنظام أكثر تقدما وعدلا وإن كانت أحيانا جعلت ملوك الاستبداد، خاصة المستنير، يخففون من الضرائب ومن وطأة استبدادهم السياسي.
 حدث تغيير نوعي في المفهوم النظري للثورة في عصر الأنوار، فغدا يعني التجديد السياسي والاجتماعي والديني والفكري وإلغاء الرق وأنسنة القانون الجزائي، لكن ليس ضد الملك بل أحيانا بالتحالف معه. وهو الاتجاه الذي قاده فيلسوف الأنوار كوندرسيه. ويبدو أنه عاد في القرن الـ 20 في "الثورة بلا ثوريين" وربما سيعود في الـ 21 كما سنرى بعد قليل. فالثورة عنده مرادفة للإصلاح، وهي ليست إلا قرارا شجاعا يتخذه الملك المسنود من الرأي العام ومن هيئات تشريعية موثوقه. يبدو أن هذا المفهوم الإصلاحي للثورة حيث يكون الملك الفاعل الرئيسي للثورة، وليس ضحيتها، ظل متداولا إلى عشية ثورة 89. كما تشهد دفاتر الشكوى التي كان الفرنسيون يناشدون بها الملك لويس 16 لرفع المظالم عنهم بالقيام بـ "ثورة يرغب فيها كل الرغبة شعبك". لكن المفهوم الثاني الذي ساد في فلسفة الأنوار، والذي كان فولتير على ما يبدو رائده، فهو يعرّف الثورة بأنها إطاحة بالنظام القديم الذي فقد جميع إمكانياته الخلاقة لوضع أسس أكثر رسوخا وعدلا لنظام جديد يحل محله واعد بالتقدم. هذا هو المفهوم الجديد الذي أدخلته فلسفة الأنوار للحقل الفلسفي لأول مرة في التاريخ. في هذا المفهوم الراديكالي للثورة، لم يعد الملك صانع الثورة، بل بات ضحيتها. فهو لا يمثل التقدم أو يرمز إليه، بل الماضي الذي يعيق التقدم المنشود.
 أنصار هذا المفهوم الثوري من المنورين تأثروا ولا شك بالثورة الإنجليزية "المجيدة" (1688 ـ 1689) التي، تفاديا لتنصيب سلاله ملكية كاثوليكية، استنجدت بـ Guillaum d' Orange الذي أَجْلَسَ على العرش آل Hanovre. ونال الإنجليز في المقابل "إعلان الحقوق" السياسية التي نظمت علاقة الملك بالشعب تقريبا إلى الآن. وهكذا كانت "الثورة المجيدة" هي آخر ثورة عرفتها إنجلترا حتى الآن. وكان هذا سبب استقرارها الذي جعلها تتقدم اقتصاديا على فرنسا أم الثورات.
المؤرخ الفرنسي Jacques Sole' ميّز بين الثورات الفاشلة والظافرة التي قادها جميعا ثوريون حقيقيين. الثورات الفاشلة تستحق، في نظره، بالكاد نعت الثورة لأنها انتهت إلى الفشل؛ لكنها تبقى مع ذلك غنية بالمعلومات عن "الثوريين بلا ثورة" الذين حاولوا قيادتها إلى النجاح. والنوع الثاني من الثورة هو الثورات الظافرة وفي طليعتها الثورة الفرنسية. النوعان معا هما موضوع كتاب صوليه Sole'.
يقول صوليه "فقط في فرنسا 1789 يمكننا تأريخ وتنزيل ظهور كلمة الثورة بمفهومها المعاصر، أي تغيير سياسي، عنيف ومؤسِّس يخلد في الذاكرة الجمعية (...) كلمة ثورة استخدمت، قبل هذا التاريخ، لوصف كل تغيير سياسي عنيف (...) بالرغم من تأثير الثورة الأمريكية في أوروبا، لم تشهد فيها أي معادل من هذا الطراز قبل 1789. فرنسا النظام القديم لم تدمج، في ثقافتها السياسية، أفقا ثوريا. ظل هذا الأفق غائبا، خلال السنوات 1780 عند "الوطنيين الهولنديين"، الإصلاحيين البريطانيين والمحرضين الأيرلنديين والسويسريين. وبالمقابل، بدْءً من 1789، غدا الهوس الثوري، سواءً بتمجيده أو بتحقيره، خاصية حاسمة للحضارة الأوروبية" (2). تأكيد صوليه بأن مفهوم الثورة لم يندمج في ثقافة النظام الملكي القديم غير دقيق. في ظل النظام الملكي القديم تواجهت ثقافتان، ثقافته وثقافة التنوير برافديها الإصلاحي والثوري، كما أشرنا إلى ذلك قبل قليل. الرافد الأخير دمج مفهوم الثورة بما هي تغيير راديكالي. إذا كان ثوريو 89 قد نقلوا رفات فولتير إلى مقبرة العظماء، فذلك عرفانا له بالجميل واعتراف بأبوته الفلسفية لثورتهم. يلاحظ صوليه "في كتابه المذكور" أن "المحرك الجوهري لغالبية الثورات الأوروبية على تنوع أشكالها لم يكن اجتماعيا بل كان سياسيا. إذا كان العنصر الأول حاضرا دائما، فإنه قلما كان حاسما أو مميزا لهدف الثورة. والثورة الروسية ذات البعد الاجتماعي الواضح، كانت استثناء. هدف الثورات الأخرى انحسر في توليد الدولة ـ الأمة الحديثة.
 الثورات التي تلت الثورة الفرنسية في فرنسا نفسها وأحيانا في أوروبا كانت تكرارا لملامح عدة في الثورة الفرنسية بما في ذلك الثورة الروسية؛ فقد كان قادتها يعرفون وقائع الثورة الفرنسية يوما بيوم ويحاولون محاكاتها وأخذ الدروس منها. الثورة الهولندية (1795 ـ 1806) لم تقلد الثورة الفرنسية، بل بالعكس سارت في الاتجاه المعاكس: كانت الثورة الفرنسية صك ميلاد الأمة الفرنسية الموحدة وغير القابلة للانقسام، أما الثورة الهولندية فقد أسست للفيدرالية، بقدر ما كانت الثورة الفرنسية صداميه، كانت الثورة الهولندية مفتوحة على الحل الوسط (3)         
الخاصية الأولى لثورات القرن 19 هي أنها كانت ثورات وطنية رهانها دستور ديمقراطي. وواضح إذن أن ثورة 19 تندرج في الجدلية التاريخية لهذه الثورات الوطنية الهادفة إلى تأسيس دولة ـ أمة حديثة لكل مواطنيها. في الحالة المصرية، دولة أمة تجمع عنصري الأمة، المسلمين والمسيحيين، تحت قيادة وطنية مشتركة وبشعار وحدوي مشترك "إتحاد الهلال مع الصليب"، الذي كتبتهُ الثورة على راياتها، وبمشروع علماني رائد في حينه في أرض الإسلام صاغه الأزهري سعد زغلول، "الذي اجتمعت فيه آمال الأمة كلها" كما كتب محمد حسين هيكل: "الدين لله والوطن للجميع" الذي مازال مشروعا راهنا لمصر والعالم الإسلامي كله لقطع الطريق على الدولة الدينية الحاملة لحروب الأديان في كل بلد وفي العالم.
 يلاحظ صوليه أيضا أن "الثورات بلا ثوريين" ظهرت في أوروبا القرن 20. دوجول أسس بين 1944 ـ 1946 نظاما سياسيا جديدا مكَّن نصف الشعب الفرنسي، النساء، لأول مرة من حقهم الديمقراطي في الاقتراع العام؛ كما أسس الجمهورية الخامسة، بين 58 و 69، التي وضعت حد للاستعمار الفرنسي وفوضى الحياة الحزبية بتأسيس ديمقراطية الحزبين الرئيسيين المتداولين على الحكم اللذان يشكلان ضمانة الاستقرار السياسي. تندرج في جدلية هذه الثورات بلا ثوريين، الثورة الديمقراطية الإيطالية غداة هزيمة الفاشية وانتهاء الحرب الأهلية، بالتسوية التاريخية بين قوى اليسار والديمقراطية المسيحية؛ بالمثل قامت ثورة ديمقراطية هادئة في ألمانيا الفيدرالية على أنقاض النازية؛ كما وضع إخوان كارلوس، في أسبانيا، حدا للانقلاب العسكري الفرنكوي على الديمقراطية وهكذا كان قابلة أسبانيا الجديدة.
 ما أسماه صوليه "الثورة بلا ثوريين" هو ما أسماه برتراند راسل ومن بعد البنيويون "موت الفاعل" التاريخي، أي أن جدلية البنيات تقود بدينامياتها ذاتها إلى تغييرات يفرضها منطق الحقبة أي حاجاتها ومتطلباتها. قد يكون ما يجري الآن في تركيا أحد أمثلته؛ الحكومة التركية الإسلامية المحافظة هي التي طهّرت الدستور التركي العلماني من البقايا الدينية العثمانية فيه، فألغت عقوبة الإعدام، الموروثة عن القصاص الشرعي العتيق، وألغت حدي الزنا والردة سامحة لأول مرة بالحق للمسلم التركي في تغيير دينه أو عدم الأخذ بأي دين من الأديان!. عسى أن تنتقل مثل هذه الثورة بلا ثوريين إلى كل بلدان أرض الإسلام التي هي أحوج ما تكون إليها حاجة الأرض العطشى إلى المطر وعسى أيضا وخصوصا أن تكون هذه الثورة بلا ثوريين مفتاح الحل للأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي تتوعد البشرية بأوخم العواقب وللأزمة الايكولوجية الكارثية المواكبة لها. يتميز الوضع العالمي الراهن بتفاقم 3 مشاكل بنيوية: العمالة، التقاعد وتدمير البيئة. وهي جميعا تشكل المصادر الأساسية للقلق الاجتماعي ـ النفسي الكوني. عجزت النخب العالمية، المالكة والحاكمة، عن إيجاد حلول لها مكتفية بإدارتها ودائما من سيء إلى أسوأ. مما جعلها تفقد شرعيتها في الوعي الجمعي لمواطنيها، أعني شرعية حل الأزمات وتلبية متطلبات مواطنيها الأساسية. عجز النخب عن حل هذه المشكلات الحيوية يلتقي اليوم بعجز المواطنين في كل مكان من العالم تقريبا عن احتمال استمرار هذه الأزمة مدة أطول. هذا العجز المزدوج شرط ضروري للتغيير ولكن هل هو كاف لحدوث الثورة مع ثوريين أو بلا ثوريين للانتقال إلى نظام سياسي ـ اجتماعي عالمي يضع حدا لأزمة رأسمالية المساهمين المضاربين العالمية؟ إذا ما استمر عجز النخب عن حل الأزمة وعجز الشعوب عن احتمالها فقد يصبح العالم غير قابل للحكم فيتفكك إلى صومال بمساحة الكوكب. وهكذا تجد البشرية اليوم نفسها أمام وضع متفجر: مدن الجنوب قد تصبح مسارح دامية لتمردات عنيفة بلا أفق اجتماعي يشنها، المهمشون، العاطلون، الجياع، العطاشى وضحايا الكوارث الايكولوجية مثل ما يحدث الآن في عديد البلدان مثل المملكة المغربية والصين... بدورها مدن الشمال قد تغدو مسرحا للانتفاضات المنطلقة من الضواحي مثل انتفاضة 2005 في فرنسا والانتفاضات المنطلقة خاصة من المدارس والجامعات وأماكن العمل مثل انتفاضتي 1995 و 2006 في فرنسا أيضا.
البطالة الحاشدة، خاصة بطالة الشباب المتعلم، بنيوية لأن سببها هو إحلال الآلات محل الإنسان المتزامن مع تفكيك دولة الرعاية في البلدان المتقدمة وتفكك الروابط العائلية التقليدية في البلدان المتأخرة. مخاطر تقليص معاشات المتقاعدين في الدول المتقدمة جدية. عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات وبالمقابل إقبال المسنين الكثيف عليها قد يحمل الحب إلى طاحونة أقصى اليمين، الذي لا يملك هو الأخر أي حل لأزمة الرأسمالية المعاصرة. حلت الفاشية في السنوات 1930 أزمة 1929 باقتصاد الحرب، لتشغيل العاطلين، ثم بالحرب: اقتصاد الحرب لم يعد اليوم حلا للأزمة بل غدا إحدى مشكلاتها الأعوص: تبذر البشرية 3 مليون دولار كل دقيقة على "صناعة الموت" كما أسماها ماركس. ثم حلتها الفاشية بالحرب والحال أن الحرب العالمية اليوم لم تعد جزءً من الحل بل غدت كل المشكلة. لماذا؟ لأنها لن تلبث أن تتحول إلى نووية يسود بعدها العالم شتاء نووي يدوم 4 قرون يقضي على كل أشكال الحياة بما فيها البكتيرية.
إلى هذه الأزمة الاقتصادية التي لا يعرف أحد لا متى ولا كيف ستنتهي، يكابد العالم أزمة ايكولوجية بنيوية ودائمة، أشد خطرا من الأزمة الاقتصادية، ستحتد ابتداءً من 2020 لتصل إلى نقطة اللاعودة في 2029. تدمير البيئة الكارثي سببه طبيعة الإنتاج والاستهلاك الرأسماليين المرصودين، ليس لتلبية الحاجات والرغبات الحقيقية للناس، بل لتلبية رغبة المنتجين والمستهلكين المجنونة: الإنتاج للإنتاج والاستهلاك للاستهلاك على حساب هدْر واستنزاف الموارد الطبيعية غير القابلة للتجديد. محرك الإنتاج الرأسمالي هو المنافسة التي تترجم نفسها في تصريف السلع والخدمات بأسعار أقل. إذن إنتاجها بكلفة أقل: بأجور أقل للعمال وحماية أقل للبيئة. كل ذلك جعل الرأسمالية المعاصرة غير قابلة للتعميم على العالم. حسبي هنا مثال واحد دلاّل: لو أن كل واحد من سكان الكوكب يستهلك كما يستهلك أوروبي واحد في اليوم ويلقي بقدر ما يلقي من النفايات، ينبغي إذن أن نمتلك كرة أرضية ونصفاً؛ أما إذا استهلك كما يستهلك أمريكي واحد وألقى مثل ما يلقي من النفايات، فلا أقل من كرتين أرضيتين وهذا، من نافلة القول، استحالة.
تقويم هذا الاعوجاج البنيوي في النظام الرأسمالي يتطلب ثورة إصلاحية هادئة كما يحلو لي أن أسميها، تؤطر الإنتاج والاستهلاك بشبكة من الضوابط Re'gulations القانونية والمؤسساتية تعيد تعريف طبيعتيهما الحالية بحيث يغدوان مرصودين حصراً لتلبية الحاجات الفعلية والرغبات المشروعة. وهذا لا سبيل إليه من دون إعادة تعريف الإعلان الذي هو اليوم مصدر الشراء القهري L'achat compulsif لسلع وخدمات لا تلبي إلا الحاجات والرغبات التي فبركها الإعلان. إعادة تعريف الإعلان تعني أن يصبح مثل النوتيس الطبية يشرح للمستهلك فوائد ومضار وموانع ما يستهلك. إعادة التعريفين تتطلب ثورة ذهنية عالمية فاعلوها الأساسيون هم التعليم والإعلام ومؤسسات الضبط العالمية الحاملون في المستقبل المتوسط أو الأبعد لنمط حكم عالمي قوي وعادل يكتب على راياته اقتسام نتائج التكنولوجيا الجديدة لحماية الإنسان والبيئة، والعدل بين الشمال والجنوب، والعدل بين شمال كل مجتمع وجنوبه والتنمية المستدامة التي تقرأ حسابا لحق أجيال الغد في موارد وفيرة وبيئة نظيفة وعالم متضامن تطيب فيه الحياة.
 
 
* ألقاها بالنيابة عنه د.أنور مغيث في جلسة 13/3/2009 فى ندوة تسعون عاما على ثورة 1919 التى نظمتها الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالتعاون مع المجلس الاعلى للثقافة بالقاهر

هوامش:
(1) D. le Court, Dictionnaire d' Histoire des Sciences P. 840.

(2) Jacques Sole', Re'volutions et Re'volutionnaires en Europe. {1789 – 1918}
 
(3) Annie Jourdan, la revolution batave entre la france et l' amerique, 2009.
في أخبار