GMT 2:18:21 2010 الجمعة 3 سبتمبر
  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

الأكثر:


قراء إيلاف عبر تويتر

رأي /

دعاة وحماة الدولة الثيوقراطية
عادل جندي

GMT 6:30:00 2009 الأحد 7 يونيو


نشر د. أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب المصري (لمدة ١٩ عاما مستمرة) بحثا استغرق ٢٤ صفحة في عدد مارس ٢٠٠٩ من «مجلة المجلس» الفصلية، تحت عنوان «العلاقة بين حرية التعبير وحرية العقيدة». وقد نشر ملخصا للبحث في جريدة «الحياة» (١٤ مايو) وملخصا أطول في «الأهرام» (٢٠ و٢١ مايو).
البحث يستحق الكثير من التعليق، لكننا سنقتصر هنا على الجزء الأخير منه، حيث يتطرق لموضوع هام هو «تأثير الانتماء الديني للدولة علي التوازن بين حرية التعبير وحرية العقيدة الدينية»، فيستهله بالقول:
[[ترسي بعض الدساتير في الدول الديمقراطية انتماء دينيا للدولة‏.‏ ومن قبيل ذلك الدستور اليوناني فقد نص فـي المادة ‏٣ـ١‏ علي أن الديانة السائدة في اليونان هي ديانة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية للمسيح‏، أما الدستور النرويجـي فقـد نص فـي مادتـه الثانية علـي أن الديانـة الإنجيلية اللوثرية هي الديانة الرسمية للدولة‏. ونص الدستور المصري على أن الإسلام دين الدولة، وأخذت بذلك بعض الدساتير العربية (دولة الإمارات، والبحرين، والصومال والكويت وعمان وقطر والعراق)]].
وحسنا فعل د. سرور بتوضيح أن النص الدستوري اليوناني لا يعنى سوى إعلان حالة واقعية، حيث [[ذهب الفقه إلي أن الانتماء الديني المنصوص عليه في الدستور هو مجرد إعلان عن الديانة السائدة دون أي آثار قانونية تبرر وضع قيود علي حرية التعبير من أجل إعطاء تفوق للديانة السائدة‏، وذلك لأن الدستور اليوناني قد كفل بوضوح لكل فرد الحرية الدينية بالمعني الواسع أي حرية الاعتقاد الديني‏ وحرية إعطاء الطائفة الدينية ممارسة شعائرها دون عائق (المادة ١٣ـ١‏ من الدستور‏)]].‏
لكنه يقتنص فرصة، يتصور أنها ذهبية، لوجود نص حول دين الدولة في بلد مثل النرويج، متجاهلا تماما أن هذه حالة استثنائية نادرة بين دول العالم المتحضر، وأن هناك جذور تاريخية لذلك النص (على خلفية الحروب الدينية في العصور الوسطى، وكيف أصبحت النرويج «إنجيلية لوثرية» وليس كاثوليكية أو غيرها)، ويتجاهل أن النص شكليٌ تماما ولا يؤثر إطلاقا ـ قانونيا وواقعيا ـ على الحريات أو على طبيعة القوانين في النرويج. ثم يحاول بعد ذلك الاستشهاد بمجموعة دساتير «عربية» وكأن في هذا دليل وسند على صحة ما تفعله مصر. ويزيد فيثلج صدورنا أيما إثلاج عندما يبلغنا أن دستور «الصومال» ينص على الإسلام دينا للدولة، إذ لم نكن نعلم أن بالصومال دولة ـ ناهيك عن أن يكون لها دستور.
ثم يعود إلي الدستور المصري،‏ فيقول أن [[النص علي الديانة الرسمية للدولة في المادة ‏(٢)‏ منه يكمله نص المادة ٤٦‏ التي نصت علي حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية‏.‏ وقد أكدت المحكمة العليا أن المشرع قد التزم في جميع الدساتير المصرية مبدأ حرية العقيدة‏،‏ وحرية إقامة الشعائر الدينية باعتبارهما من الأصول الدستورية الثابتة المستقرة في كل بلد متحضر،‏ فلكل إنسان أن يؤمن بما يشاء من الأديان والعقائد التي يطمئن إليها ضميره‏، وتسكن إليها نفسه، ولا سبيل لأي سلطة عليه فيما يدين به في قرارة نفسه وأعماق وجدانه‏]].‏
وجميل أن يذكر تأكيد المحكمة الدستورية على بعض الأصول الدستورية المستقرة في «كل بلد متحضر» ـ لكن السؤال هو: لماذا لا تطبق هذه الأصول الدستورية المستقرة في مصر، بل تخضع في تطبيقها لمادة أخرى (م٢) مناقضة في معناها وآثارها، ولماذا يسود التناقض بين بعض نصوص الدستور والبعض الآخر، ولماذا لا تجد النصوص «المتحضرة» مكانا لها في «الواقع»؟
***
وبعد التهوين من شأن النص الدستوري حول «دين الدولة» في مصر وأثره على الواقع، ينتقل د. سرور إلى [[مغزي نص المادة‏ ٢‏ من الدستور المصري علي أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع]]‏ ويُذكّرنا بوجود نصوص (شبيهة) في [[دساتير الامارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، علي أن الشريعة الإسلامية «مصدر رئيسي» للتشريع‏، وفي الدستور السوداني علي أن تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدرا للتشريعات التي تسن علي المستوي القومي وتطبق علي ولايات شمال السودان،‏ وفي الدستور السوري علي أن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع‏،‏ وفي الدستور العماني علي أن الشريعة الإسلامية هي أساس التشريع، وفي الدستور العراقي علي أنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام]].‏
وهكذا نجد أنه ليس فقط يتجاهل كون النص على اتخاذ «شريعة دينية» كمصدر للتشريع هو أمر لا وجود له خارج دائرة محدودة من الدول «الإسلامية»، بل يحاول الاستشهاد بعدد من الدول «الشقيقة»  كسند ومبرر لوجوده في دستور مصر، ويتجاهل أن تلك البلاد حديثة العهد بالدساتير وأن من قاموا بكتابة معظمها هم ترزية القوانين المصريون، ويتجاهل بقية ما ذُكر في دستور العراق، إضافة لما اقتبسه، من أنه [لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور] (وهي المبنية على مواثيق حقوق الإنسان)، كما يتجاهل أن عددا من الدول العربية (مثل تونس والمغرب والجزائر وليبيا ولبنان والأردن) لا يوجد بدساتيرها ذكر لمرجعية الشريعة، ويتجاهل أن كثيرا من الدول الإسلامية غير العربية مثل تركيا وأوزبكستان والسنغال ومالي وكوت ديفوار وأندونيسيا (حيث يعيش حوالي ربع مسلمي العالم) ليس فقط لا تذكر الشريعة في دساتيرها، بل تنص على «العلمانية» أو لا تنص علي دين للدولة؛ وأخيرا يتجاهل أن بين الأمثلة التي ذكرها، هناك دول تنص دساتيرها علي الشريعة «كمصدر» فقط أو «كمصدر رئيسي»، برغم كون غالبية سكانها مسلمين (بنسبة تصل إلى٩٩٪)؛ بينما المحروسة (برغم تركيبتها السكانية والعقيدية المختلفة وتاريخها التحديثي المختلف) قد أضافت «الألف واللام» لـ «مصدر»، جاعلة الشريعة ـ على حد تفسير المحكمة الدستورية ـ واقعيا «المصدر الوحيد».
باختصار، يعرف سيادته أن مصر هي أكثر النماذج تطرفا ولكنه يبحث باستماتة عما يبرر فعلتها!
***
ثم يقترب د. سرور من منطقة التناقض بين اتخاذ «شريعة دينية» كمصدر للتشريع وبين الحريات، فيقول [[علي أنه إذا كانت الشريعة الإسلامية لها طابع ديني لاشك فيه، باعتبارها جوهر الدين الإسلامي‏، إلا أنها تستقل عن الطابع العقائدي الديني الأصيل في أنها نظام تشريعي‏.‏ ولهذا كان من المتصور أن تطبق الشريعة الإسلامية في مجتمع غير إسلامي،‏ أو في المجتمع الإسلامي علي غير المسلمين من أفراده، وعلي الأجانب الذين يوجدون علي أرضه‏،‏ بالنظر إلي طابعها الحضاري وسندها المنطقي وقيمها الاجتماعية دون إخلال بمبدأ حرية العقيدة الدينية‏]].‏
وهنا نجده مضطرا للجوء إلى منطق عجيب وفريد لم يدرسه، بل لم يسمع بقواعده، أحد: فمع اعترافه بأن الشريعة الإسلامية «لها طابع ديني لا شك فيه باعتبارها جوهر الدين الإسلامي» إلا أنه يقفز على تلك المقدمات الواضحة ليصل إلى نتائج عكسية، ويرى إمكانية تطبيق الشريعة حتى في مجتمع غير إسلامي (!!)، بينما هي في الأصل قائمة على مبدأ «الطاعة» (لأوامر الله والرسول).
ويستخدم حيلة (غير بارعة) لتبرير مقولته، وهي «النظر» إلى [[طابعها (الشريعة) الحضاري وسندها المنطقي وقيمها الاجتماعية]]، بينما هذا ليس حقيقة بديهية أو يقينية، بل محض رأي؛ بل أنه رأيٌ لا يمكن أن يصدر إلا عن متحيز ومتعصب لرؤيته الدينية الضيقة. وفضلا عن ذلك، فهو رأيٌ يسهُل تفنيده ببساطة شديدة؛ ويكفي عمل «اختبار ليتموس» بقياس أحكام وتطبيقات «الشريعة» مقارنة بمبادىء حقوق الإنسان العالمية لتحصل بعده «الشريعة» على صفر (مكعب). وهنا ننوه بأننا ننظر للشريعة كونها «سياسة» وليست «دينا»!
***
عندما تذكر الدساتير مباديء لها، فإنها، كما قلنا، تنص عليها بوضوح وبصورة مباشرة، ولكن دستورنا العجيب لا يفعل. والمحاكم الدستورية، لا تكتب الدستور ولا تبرره، بل ينحصر دورها في توضيح وإرساء المباديء الدستورية وفي تأصيل القوانين دستوريا. وفي هذا الصدد، وكما يقول د. سرور، فقد [[عنيت المحكمة الدستورية العليا (المصرية) بتحديد المقصود بمبادئ الشريعة الإسلامية‏، بأنها الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها‏، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعا‏،‏ ومن غير المتصور أن يتغير مفهومها بتغير الزمان والمكان‏ (دستورية عليا في١٩ـ١٢ـ٢٠٠٤‏ القضية رقم ‏١١٩).‏ أما الاجتهاد فتنحصر دائرته في الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معا (دستورية عليا في ٣ـ٥ـ١٩٥٥‏ القضية رقم ‏١٨)]].‏
نلاحظ أولا أنه برغم هذا الكلام الجلي، لا يتردد معاليه في أن يفتي لنا بأن الشريعة الإسلامية هي «نظام تشريعي مستقل عن الدين» (!!). ونلاحظ ثانيا أن المحكمة الدستورية بتحديد المقصود بمبادئ الشريعة قد  حصرت دائرة النقاش بعض الشئ لكنها أحجمت عن تفصيل ماهية تلك المبادئ (أو الأحكام القطعية).
وهنا من حقنا التساؤل: في غياب نصوص واضحة في بنيان الدستور نفسه، من ياترى الذي يحدد ما هو «قطعي الثبوت والدلالة» في تلك الأحكام الشرعية بخلاف رجال «الدين» وعلمائه وخبرائه؟ أليست هذه إذن الدولة الثيوقراطية بشكلها وجوهرها وحذافيرها؟ (تعريف الدولة «الثيوقراطية»: دولة «ذات مرجعية دينية»؛ أي تسعى إلى تحقيق (ما تعتقد، أو تزعم أنه) أوامر إلهيه تصبح إطارا محددا تتقيد وتتكبل بداخله أسس وحركة المجتمع).
ونتساءل أيضا: ماذا يحدث إذا كانت هناك «أحكام شرعية قطعية» تتناقض نصا أو روحا مع مباديء حقوق الإنسان العالمية ـ أو حتى مع بعض نصوص نفس الدستور؟؟ أليست هناك نصوص قطعية حول عدم مساواة المرأة بالرجل ونصوص قطعية حول عدم مساواة «المؤمن بغير المؤمن» وكيفية التعامل مع أهل الذمة، ونصوص حول «الحدود» وتطبيقها، بل هناك نصوص حول الاسترقاق، ونصوص حول الجهاد ضد الكفار الخ الخ؟ ما العمل بشأنها يا ترى؟؟ وهل ننتظر اختلاف الفقهاء (الذي فيه رحمة) لكي يمن القدر علينا بالرفق في تطبيقها؟
***
ثم يصل د. سرور إلى نهاية المطاف فيقول: [[وغني عن البيان أن اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع لا يخلّ بواجب الدولة في كفالة حرية العقيدة الدينية بالنسبة إلي العقائد الدينية الأخري]]‏.‏
وهكذا، وفي حركة التفاف غير بارعة على الإطلاق، يتحفنا د. سرور بهذه القنبلة الفسفورية الحارقة إذ يرى أمرا «غنيا عن البيان» بينما هو محض استنتاج يناقض المقدمات؛ إذ كيف يمكن اعتبار الالتزام بشريعة دينية وفرض قواعدها وأحكامها علي الجميع أمرا لا يخل بالحرية الدينية؟
***
يحلو لنا جميعا التندر بكتابات وأدبيات وأقوال ومواقف «الإخوان المسلمين»، وما تمثله من أخطار (حقيقية) على «الدولة المدنية». لكننا في غمار ذلك، عادة ما نسهو أو نتغاضى عمن هم في صلب المؤسسة الحاكمة، ومن بينهم مَن يزعمون (أحيانا) أنهم «مؤمنون» بالدولة المدنية و «دعاة» لدولة المواطنة والمساواة والعدل، ولكنهم في الحقيقة لا يختلفون عن أولئك...
البحث الذي استعرضناه يبين كيف يعمل رواد هذا التوجه. فرغم إدراكهم الأخطار القاتلة للدولة الثيوقراطية بصفة عامة، ورغم إدراكهم أن «الشريعة»، وفَرضَها، يناقضان مبادئ حقوق الإنسان العالمية، إلا أنهم يغضون النظر تماما عن كل هذا، ويستغلون إمكاناتهم «الفكرية» ومناصبهم، منضمين إلى غلاة الإسلاميين، بدءا من الإخوان والوهابيين وانتهاء بغيرهم (..)، في اعتبار الهدف الأسمى الذي يجب السعي لتحقيقه بأي ثمن هو أن «تسود شريعة الله الأرض ومن عليها» ويتحول العالم كله إلى «فسطاط إسلامي موحد تحت سلطان الشريعة».

***
ختاما، وفي مفارقة لافتة للنظر، نلاحظ أن حكومتنا أعلنت مؤخرا «رفضها القاطع» لما يقال عن «يهودية الدولة في إسرائيل». وإن كنا نرفض من حيث المبدأ أن تتصف دولة ما بصفات عرقية أو دينية أيا كانت الأسباب، فإننا لا نملك إلا أن نتساءل: كيف تُـحرّمون على غيركم ما تفعلون ـ بإصرار وتصميم ـ ما هو أكثر منه بمراحل؟ ألم يصبح اسم مصر (ذات السبعة آلاف سنة) جمهورية مصر «العربية»، أي اصطبغت بصبغة عرقية، وينص دستورها على دين للدولة وعلى مصدر ديني لتشريعها، بينما لا تعني «يهودية» الدولة في اسرائيل سوى التأكيد على هويتها بصفة عامة «كوطن قومي لليهود» بدون أثر على طبيعة الدولة والقوانين؟؟
إلى متى يستمر هذا الحول الفكري والسياسي ؟؟

adel.guindy@gmail.com

| المزيد | | | | | | | | |
pic إطبع