الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن بالاساس يحتل في هذه الايام المساحات الكبرى من اهتمامات المحللين السياسيين على أعلى المستويات، سواء في الغرب أو في العالم الاسلامي والعربي، خاصة فيما& يتعلق بانعكاسات الاتفاق على مجرى المشهد السياسي في العالم العربي، بسبب ان الكثير من المحللين والمراقبين يجزمون بان الصراع بين واشنطن وطهران يكمن وراء الكثير من مفردات هذا المشهد المثير للغاية، فما يجري في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتى فلسطين في بعض مفرداته هو بسبب الصراع بين هاتين الدولتين، حيث يشكل الملف النووي جوهر هذا الصراع وأسُّه البعيد، وهو كلام ليس بعيدا عن الموضوعية اطلاقا، حتى ان كثيرا من التصورات تذهب الى ان المنطقة ستشهد انفراجا كبيرا بعد ابرام هذا الاتفاق، ولعل هذا هو السبب الذي دفع وزير خارجية الجمهورية الاسلامية ظريف الى رفض كل لون من الوان الربط بين الاتفاق النووي بين البلدين من جهة ومجرى الخلافات بين البلدين على صعيد القضايا السياسية محل التباين& بينهما من جهة اخؤى، ولكن هناك من يرى ان النظر إلى هذا الاتفاق من جهة انعكاساته الخارجية يجب ان لا يحجب النظر عن انعكاساته في اوساط الشعب الايراني بالذات، وقد تحفز كثيرون لقراءة هذه الانعكاسات على اثر مشاهد الفرح المثيرة التي اجتاحت المجتمع الايراني فور الاعلان عن التوصل الى الاتفاق، ومن الملاحظ هنا الطابع الشبابي لهذا الفرح المستطير، لقد كانت ظاهرة ملفتة بشكل واضح، البِشرُ والمرحُ والتهليلُ والتصفيقُ والابتسامات العريضة والملابس الزاهية... هكذا كانت مظاهرات وتجمعات الشباب الايراني فور العلم بنجاح المفاوضات.
والسؤال لماذا هذا الابتهاج الشبابي المنقطع النظير؟
يوعز كثيرون السبب الى الجانب الاقتصادي، فايران تعاني مصاعب اقتصادية مضنية، وقد انعكس ذلك على طموحات الشباب المعاشية والترفيهية والتطلعية، وهذا صحيح بطبيعة الحال، لان المعاش هو الهم الاكبر للناس، وايران عانت الامرين من الحصار، بل ان هذا الحصار هو الذي اجبرها ان تعطي مثل هذه التنازلات الكبيرة، والتي كانت محل نقد الخط المتشدد في الجمهورية الاسلامية، ولكن من التسطيح حقا ان نقف عند هذا السبب ونجعله المفتاح السحري لتعليل الظاهرة المذكورة، خاصة لم تكن الطبقات المرفهة والمتمكنة في المجتمع الايراني بعيدة عن هذا الابتهاج، بل كان شباب هذه الطبقات هم السباقون الى الاحتفاء والاحتفال والابتهاج.
ان السبب الاعمق يتعلق بطبيعة الشبيبة الايرانية، فهذه الشبيبة متطلعة لقيم الغرب، تتشوف بلهفة الى قيم الغرب الحضارية، ليس ذلك اليوم، بل هو توجه تاريخي، والثورة الاسلامية في ايران قد تكون حدت قليلا من هذا التوجه، ولكن سرعان ما عاد الحنين الى تلكم القيم، القيم الغربية، وهو الامر الذي افزع الجهات المسؤولة، حتى علت الاصوات الاسلامية الثورية في ايران تحذر بشكل رسمي من العودة،& عودة الشباب الايراني الى هذه القيم ( الشيطانية!)، وتحولت الى قضية نقاش وحوار في المجتمع الايراني صراحة وعلنا.
الحديث عن تضاؤل التواجد الشبابي في المساجد في إيران، وانغماس الجيل الطالع& بحياة الفرح والبهجة والحبور، والتصويت لروحاني قبل هذا وذاك، واستذكار الاحتجاجات الطلابية باسم الثورة الخضراء، وانتشار الاغنية الايرانية الناعمة من جديد في الجامعات، كل هذه المؤشرات تعزز من الاستنتاج ان افراح الشباب الايراني بالوصول الى اتفاق بين واشنطن وطهران في قضية النووي له جذوره الحضارية والفكرية والثقافية، تلك الجذور التي تؤكد انبهار الطبقة الشبابية الايرانية بالقيم القريبة من النكهة الغربية بدرجة واخرى.
الشبيبة الايرانية تتطلع الى مزيد من التقارب الايراني / الامريكي، ليس على مستوى الاتفاق النووي، بل تتطلع ان يكون هذا الاتفاق بداية تاريخ جديد للعلاقة الايرانية / الامريكية، مفعم بتبادل الثقة، ومشبّع بمباديء المصالح المشتركة، وقبل كل شيء، يستمد قوته من لهفة هذه الشبيبة الى القيم الغربية وإن بنكهة اسلامية محسٍّنة.
&