|
في الحلقة الاولى من ملف الامراض النفسية في مصر يتم التطرق الى عدم وجود جهة تملك ملفات عن المرضى الذين يبقون منسيين من قبل اهلهم.
د. سمير محمود: صور مختلطة زاحمت رأسي خلال زيارتي لمستشفى الصحة النفسية بالخانكة.
تختلط الحقائق بالأكاذيب والمبالغات عن سوء معاملة المرضى وتعذيبهم وضربهم حتى الموت على يد الممرضين، وصور مأسوية عن حالات انتحار بعض المرضى، وهروب آخرين.
مرجعي في هذا كله ما تبثه أجهزة الاعلام وما أتابعه في الدراسات النفسية والحقوقية، وتقارير الجهاز المركزي للمحاسبات وآخرها في يوليو الماضي والذي انتقد بشدة أوضاع المستشفيات النفسية وعدم كفاية الأسرة لاستقبال المرضى حيث عدد الأسرة 10 آلاف بواقع سرير لكل 14 مريضًا نفسيًا وطبيبًا نفسيًا لكل 50 الف نسمة من سكان مصر بحسب التقرير.
خلافا للصور السلبية الهزلية التي روجت لها الدراما المصرية عبر عقود واستقرت في الأذهان عن الطبيب والمريض النفسي على السواء رغم ما بها من مغالطات كثيرة.
ورغم تشاؤم بعض صور الذاكرة إلا أنني حملت في رأسي وأنا أعد لملف المرضى النفسيين بمصر آمالا عريضة، مرجعها إقرار قانون جديد لرعاية المرضى النفسيين في مايو من العام الجاري وبعد ستة أشهر من المناقشات والجدل الحاد في مجلس الشعب، ليأتي القانون الجديد بديلا من قانون بائد يحمل الرقم 141 لسنة 1944 بشأن حجز المصابين بأمراض عقلية..
لم أكن أتصور ان يظل مرضى هذه الفئة تحت وطأة قانون عقيم من العهد الملكي ولأكثر من 65 عاما!!
سقط القانون وحلّ محلّه القانون الجديد بأبوابه السبعة ومواده الـ 56 حول المجلس القومي للصحة النفسية والمجالس المحلية في المحافظات، والقواعد المنظمة لإدخال المرضى للمستشفيات اراديا ولا اراديا أو عن طريق الايداع بقرارات وأحكام قضائية، إضافة إلى الأبواب الخاصة بعلاج المرضى النفسيين وحقوقهم والعقوبات الصارمة ضد المقصرين في حق المرضى ومنتهكي القانون، وصندوق الصحة النفسية القانون أقر ولم يختبر بعد، إلا ان أحاديث المرضى معي.. وحتى قبل ان أنصت للصوت الرسمي للمسؤولين عن رعاية المرضى النفسيين في مصر ـ ومشاهداتي في الشوارع والميادين وداخل الخانكة، صححت في داخلي بعض التصورات، رغم قناعتي بأن زيارة واحدة لا تكفي!!
أبرز الخلاصات التي توصلت اليها أنه لا توجد جهة في مصر تملك ملفات ببيانات واحصاءات كاملة عن حركة المرضى النفسيين والعقليين في المجتمع المصري، بخاصة بعد خروجهم من المستشفيات ومراكز العلاج.
فلا يوجد مستشفى على أرض مصر، ولا حتى أمانة الصحة النفسية ولا وزارة الصحة تستطيع أن تخبرك لا أقول بعد خمس سنوات من خروج المريض، بل بعد أقل من عام، أين ذهب ومع من يعيش وهل يعمل وفي أي مهنة ولدى من يعمل وهل تزوج وأنشأ أسرة، أما أنه كتب عليه الموت منذ اللحظة الأولى لدخوله المستشفى على الأقل في نظر أهله والمجتمع .. دعونا نرى.
معظم المرضى النفسيين الذين قابلتهم سواء في دائرة المودعين بأوامر قضائية، أو أولئك المرضى العاديين الذين دخلوا للعلاج اراديًا أو عن طريق الشرطة أرواحهم معلقة بين كوب الشاي والسيجارة ان جاز التعبير ـ ومع ذلك بعض المرضى لا يدخنون بالأساس وتلك أولى مشاهداتي.
بوابة المستشفى من الخارج ليست مفتوحة على البحري كما يشاع، فهناك أمن وحركة دخول وخروج، وهناك حركة دائبة داخل المستشفى رأيت كثيرين يتحركون هنا وهناك وبعضهم يرتدي ملابس احدى شركات النظافة وظننتهم عمالا في الشركة إلا ان الدكتور عبدالحكيم دياب أكد أنهم مرضى يخضعون لبرنامج العلاج بالعمل وهناك غيرهم يعمل في مخبز المستشفى وآخرون في مزرعتها.
يحدثني وائل عن شفائه ورغبته فى الخروج والعمل، شاكرًا المستشفى وجهود الممرضين وتحديدا ياسر لطفى بعنبر (رقم 7) الذي يذكر له حسن معاملته للمرضى وانفاقه احياًنا من جيبه الخاص ـ على حد قوله ـ على افطار المرضى مرة اسبوعيا وجلب سجائر لهم وعمل مكالمات هاتفية لأهالينا من محموله الخاص.
زوروني كل سنة مرة
بعض المرضى خرجوا من دائرة المودعين وتحولوا إلى عنابر القسم العادية.
ـ مرضى غير مرتكبين لجرائم ـ وبعضهم ومنهم من أمضى 25 عامًا في المستشفى ولا يجد من يسأل عنه، مثل حسنين عبدالقادر حسنين عيسوى 53 عاما من صفط الجمار ـ الشيخ عيسى المنيا، والذي تم نقله من المودعين للعادة في أول نوفمبر الماضي للأسف لم يزرني أحد منذ أربع سنوات، كان أخي عامر يزوروني بانتظام لا أعرف لماذا انقطع عني .
وائل عبد العزيز من مركز ابشواى بالفيوم حظه أفضل حيث تزوره والدته وشقيقه حاتم بانتظام وقد نقل من دائرة المودعين للمرضى العادة في 30 /2008/8.
يعاني عبد الحميد محمد على 52 سنة من ميت خاقان شبين الكوم منوفية من عدم انتظام زيارة شقيقه احمد وأولاد أخيه المتوفى منذ تحويله للقسم العادة في 2008/12/20.
بمرارة شكيا الشاب خالد مصطفى عرفة 31 عاما ـ شبين الكوم منوفية من أن أحدًا لم يعد يزوره منذ 4 سنوات مؤكدا أنه شفى تمامًا منذ تحويله للقسم العادي فى 2008/8/30.يشاركه مرارة الشعور بالعزلة وتجاهل الأهل عطاالله عياد سالم 28 سنة من شمال سيناء حيث لم يزره أحد منذ 5 سنوات وقد تم تحويله للقسم الخاص بالمرضى العادة في 2008/7/30.
والزيارات المتقطعة كانت محل شكوى محمد على سعيد ابراهيم 40 عاما،ابن منفلوط بنى شقير ـ أسيوط والذي أمضى في دائرة المودعين 8 سنوات الى ان تم نقله من جديد للمرضى العادة في تاريخ 2008/11/6ولايعرف ولانعرف معه لماذا انقطع عنه أبناء عمومته؟!
حقوق المرضى
يتفق بعض المرضى الذين شفيوا سواء بدائرة المودعين أو الذين دخلوا في قسم المرضى النفسيين العادة في الشكوى من تهرب ذويهم منهم مؤكدين في الوقت نفسه رفض الأهل تسلمهم المرضى أكدوا وبكل حسم أن الأوضاع تحسم واعترفوا أن المستشفى أفضل من ذي قبل واعترفوا أن طلبات المرضى واحتياجاتهم لاتنتهي وان عدد الممرضين قليل، ما يجعلهم لايستطيعون دائما تلبية كل الاحتياجات والطلبات والشيء الايجابي أن أكثرهم يعرف حقوقه الآن ويتحدث عن لجان حقوق المرضى التي يلجأون اليها عند تعرضهم لأي تجاوز أو سوء معاملة مؤكدين أن الفترة الأخيرة شهدت تحقيقات جادة مع بعض الممرضين وتمت مجازاة البعض منهم وهو ما يعتبرونه قمة انتصار للحقوق عند وقوع أي مخالفة افتح أقواسا واذكر المرضى وذويهم وكذلك المسؤولين بجملة الحقوق التي أقرّتها مواد الباب الخامس الخاص بحقوق المرضى وهي مواد 45.43.42.41.40.
مادة (40): يتمتع المريض النفسي الذي يعالج في إحدى المؤسسات المنصوص عليها في المادة (1)
بالحقوق الآتية :
تلقى العناية الواجبة في بيئة آمنة ونظيفة.
حظر تقييد حريته على خلاف أحكام القانون
الإحاطة علما باسم ووظيفة كل أفراد الفريق العلاجي الذي يرعاه في المستشفى
رفض مناظرته أو علاجه بمعرفة أي من أفراد الفريق العلاجي.
تلقى المعلومات الكاملة عن التشخيص الذي أعطى لحالته وعن الخطة العلاجية المقترحة وعن احتمال تطورات حالته.
أن يكون العلاج المقدم له طبقا للمعايير الطبية المرعية والمعترف بها في الاوساط العلمية.
رفض الخضوع للبحوث العلمية على أن يحظى في حالة الموافقة بشرح كامل لهدف التجربة وذلك بمراعاة حظر إجراء البحوث على المرضى الخاضعين لقرارات الإدخال والعلاج اللا إرادي.
حماية سرية المعلومات التي تتعلق به وبملفه الطبي وكذلك خصوصياته ومتعلقاته الشخصية ومكان إقامته في المستشفى.
الإطلاع على صورة ملفه الطبي وأن يحصل على نسخة كاملة منه طبقا لما تحدده اللائحة التنفيذية لهذا القانون ما لم يكن خاضعا لنظام الإدخال أو العلاج اللاإرادي وفي هذه الحالة يجوز للمريض طلب ذلك من المجلس المحلي للصحة النفسية.
التظلم من أي إجراء وفقا للقواعد والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية.
مقابلة زائرية أو رفض مقابلتهم ما لم تتعارض المقابلة مع الخطة العلاجية. وأن يمكن من مقابلة محاميه.
الحصول على إجازات علاجية طبقا للخطة العلاجية الموضوعة له
طلب الخروج من المستشفى دون مصاحبة أحد من ذويه متى انتهت فترة إدخاله لا إراديا
الحماية من الاستغلال الاقتصادي والجنسي ومن الإيذاء الجسدي وغير الجسدي والمعاملة المهينة حرية الحصول على خدمات البريد والهاتف والإنترنت حال توافرها في المستشفى
مادة 41: مع عدم الإخلال بقرارات العلاج اللاإرادي والأوامر العلاجية وبمراعاة ما تقرره اللائحة التنفيذية في هذا الصدد يتمتع المريض النفسي بالحق في ما يلي:ـ
تلقى المعلومات اللازمة لإعطاء موافقة صريحة حرة مستنيرة لكل علاج مقترح من الفريق العلاجي.
رافض العلاج المقدم له وأن يحاط علما بتأثير هذا الرفض على صحته
أخذ رأيه في كل القرارات المتعلقة بعلاجه وخروجه من المستشفى والحصول كتابة من إدارة المستشفى على خطة علاجه وخروجه.
مادة (42) تلتزم كل مؤسسة خاضعة لهذا القانون بتسليم المريض وذويه صورة من حقوق المريض المنصوص عليها في المادتين السابقتين عند الدخول وذلك مع إيداع نسخة من هذه الحقوق بملفه الطبي وأخرى بالسجلات الطبية بعد التوقيع عليهما من المريض كما تلتزم بوضع نسخة من تلك الحقوق في أماكن ظاهرة ليطلع عليها المرضى والزائرون.
مادة (43) : تشكل بكل مؤسسة لجنة لرعاية حقوق المرضى بقرار من مدير المؤسسة وتختص هذه اللجنة برعاية الحقوق المنصوص عليها في هذا القانون, وذلك من خلال تلقي الشكاوى المقدمة من المرضى أو ذويهم والفصل فيها، والقيام بعمل حملات توعية بهذه الحقوق بين المرضى والعاملين.
مادة (44): لايجوز لغير أفراد الفريق العلاجي أو القائمين على السجلات الطبية الإطلاع على المستندات الخاصة بالمريض كما لايجوز استخراج صورة منها إلا بإذن من المجلس المحلي للصحة النفسية.
مادة (45): لايجوز تقييد حرية المريض جسديا بأي وسيلة أو وضعه في غرفة عزل دون إتباع الإجراءات الفنية التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.
ورغم هذه المواد فإن لخبراء القانون ومؤسسات المجتمع المدني مطالب أخرى.
مطالب ملحة
مسؤولة ملف الصحة والتمييز بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية الدكتورة راجية الجرزاوي ناشدت المسؤولين في وزارة الصحة أن يعملوا على أن تتضمن اللائحة التنفيذية للقانون الجديد عددا من الضمانات والإجراءات المتعلقة بإجراءات فرض العلاج الإلزامي, ومنع تطبيق أي علاج يسبب آثارا لايمكن الرجوع عنها من دون ضمانات حماية كافية، فضلا عن ضرورة النص صراحة على الحظر التام على استخدام التعقيم كعلاج لأي اضطراب نفسي، ومراعاة مبدأ عدم جواز تضارب المصالح لدى أعضاء مجالس الصحة النفسية التي ستقوم على تطبيق القانون, وكفالة الحماية لبعض الفئات الخاصة من المرضى وخاصة الأطفال والقاصرين كما يتوجب النص على الضمانات الإجرائية المتاحة للمريض أو ممثليه عند التظلم من قرارات الاحتجاز أو العلاج، بما في ذلك حقه في اختيار محاميه أو أن يوفر له محاميا عند الحاجة, وحقه في الحصول على نسخ من التقارير والوثائق المتعلقة بحالته، وتقديم تقارير وشهادات مستقلة واستدعاء الشهود، وتمكينه من حضور جلسات نظر التظلم.
وأضافت أن القانون لن يتسنى له النجاح دون التزام الدولة بكفالة تقديم خدمات الصحة النفسية ضمن شبكة الرعاية الصحية الأولية، وتوفير خدمات المعالجة المجتمعية مثل العيادات النفسية الخارجية للمرضى والرعاية المنزلية الإشرافية وخدمات التأهيل للأشخاص بعد خروجهم من المرافق النفسية وغيرها, فضلا عن العمل على إعادة إدماج ذوي الإعاقات النفسية في المجتمع بتوفير فرص العمل والإقامة والضمان الاجتماعي.
|