|
في الحلقة الثانية من ملف الامراض النفسية في مصر يتم التطرق الى المرضى الهائمين في الشوارع من خلال تسليط الضوء على أحوالهم المعيشية والنفسية.
د. سمير محمود: لم يعد مشهدًا غريبًا ان تصادف أحدهم فوق جسر أو كوم من القمامة، أو أسفل نفق أو حتى في عرض الشارع، يتمتم بكلمات غير مفهومة او يردد عبارات واضحة وحوارات مطولة او حتى يكيل السباب والشتائم للجميع.
وجوه غطتها كل صنوف مساحيق القذارة التي تجود بها أكوام القمامة وعوادم السيارات والاتربة والغبار على من يصفون بمجانين الشوارع ناهيك عن الشعر الأشعث المهمل منذ سنوات والملابس القذرة التي لا تستر العورة، وأجساد نحيلة، لا تنتج في النهاية الا أصوات أنين او صرخات او ضحكات هيستيرية بعدها يتكوم صاحبها فوق التراب والقمامة يعتصره الجوع، وتمزق احشاءه بقايا طعام عفن سد به رمقه قبل ان يشرف على الموت.
اقتربت من بعض حالات هؤلاء وحاولت أن ادير معهم حوارات مطولة بعد أن طمأنني الدكتور ناصر لوزة أمين عام الصحة النفسية في وزارة الصحة إلى عدم خطورة اغلب هؤلاء المرضى ولكن حصادي لم يكن كبيرًا لعدم تجاوب البعض منهم وعدم فهمي انا لما يقولون وتلك محصلة مشاهداتي ومحاولاتي.
منطقة الساحل في شبرا الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، أسمع سلسلة متصلة من افظع الشتائم وبصوت مسموع وواحد من هؤلاء الذين يطلق عليهم مجانين الشوارع.
يطلقون عليه في الحي الخفيف واحيانًا سيد مجانينو لايهم الاسم بل لديهم اي شيء إذا اعترف لي الدكتور لوزة بصعوبة حصر أو احصاء هذه الفئة من المرضى، التي لا تملك أي جهة رسمية او خاصة في مصر احصاء لهم لذا اسقطوا من حسابات الجميع لتجدهم حينا ضمن الرقم الذي يشير إلى 6 ملايين مريض نفسي وعقلي في مصر، او ضمن فئة الـ1٪ المصابة بالفصام النفسي اي 800 ألف من اجمالي 80 مليون نسمة وضمن الـ1٪ من إجمالي المصابين بالاكتئاب العقلي اي ضمن 800 الف أخرى وبعضهم ضمن المرضى العقليين بأمراض مثل الزهايمر وخرف الشيخوخة ومرضى الصرع ويمثلون 1٪ اى 800 ألف اخرى خلافا لأرقام كان قد اطلقها رئيس اتحاد اطباء نفس العالم الدكتور احمد عكاشة وترجح اصابة 40٪ من الشعب المصري بالاكتئاب وإذا كانت منظمة الصحة العالمية قد قدرت عدد مرضى الاكتئاب بحوالى 150 مليون شخص على مستوى العالم ليصبح المرض هو الرابع عالميًا، فإنه يصيب في العالم الثالث 20٪ من السكان وفي الدول المتقدمة 10٪ وفي مصر، بحسب الاحصائية ذاتها نحو 16 مليونًا ربما كان مجانينو واحدا منهم سيد مجانينو يسعد كثيرا بقطعة خبز او سندويتش او زجاجة مياه تدفع بها إليه لكنه لا يأبه لكنوز الدنيا مهما اعطيته أي قيمة من النقود اما سر غضبه وشتائمه التي لا تنقطع ربما بالساعات فيظل امرا غامضا ربما هو الذي اوصله لهذه الحالة.
القماش
قرب مدخل بنها القبلي وعلى رصيف احد المنازل، جلس رجل في عقده السادس الا قليلا يحوط وسطه بكمية ضخمة من قطع القماش من مختلف الأشكال والاحجام والألوان وكلها بقايا قذرة جمعها بحرص بالغ.
صرة من القماش البالي وزجاجة مياه فارغة وكسرة خبز هي كل ثروة محمد القماش لا يذكر شيئا عن اي شيء ردد لفظ الجلالة مرات ومرات مصحوبا بتصفيق ضعيف ثم قفز في حركة فجائية إلى رصيف مجاور حين ابصر قطعة قماش بحجم كف اليد الواحدة التقطها بلهفة العاثرين على الكنوز.
سكان المنطقة ومنهم فرغلي فتحي صاحب مقهى يؤكدون انهم يرون القماش منذ سنوات لم يتغير حالة يظل يتنقل من شارع لآخر يجمع القماش ويستقر على أحد الأرصفة يأكل ما يجود به الناس ويبيت ليلته ولا يترك مكانه الا تحت مطاردات السكان له وضربه وإلقاء المياه عليه!
اما ماجدة فمن المنطقة ذاتها تبقى صيفا وشتاء قرب السكة الحديدية بمدخل بنها القبلى ترتدي عدة جلاليب تطلب منك وتدعو لك حسب حالتك، فلو كنت تحمل كتابا بشرتك بالنجاح اما الحوامل فتبشرهن بإنجاب أطفال حلوين بشرط الا ينسى الجميع الاكرامية.
الشاعر!
وراء كل واحد من هؤلاء حكاية بعضهم تعثر دراسيًا او عاطفيًا، وبعضهم تعرض لضائقة ما مالية او غيرها.
ودخل في دور اكتئاب وأطوار مرضية مختلفة، وبعضهم الحق بدور للرعاية والعلاج وخرج ولم يرحب به أهله وقذفوا به إلى الشارع قبل أن تقذف به المستشفى وبعضهم هارب بالفعل من جرائم ارتكبها بوعي او بغير وعي لكن الثابت في ذهنية المصريين عبر التاريخ ان المخابيل المجاذيب دراويش الشوارع ناس بركة ، قريين جدا والناس تتبارك بهم على حد قول توفيق ياسين صاحب بازار سياحي في خان الخليلي قرب مسجد الحسين.
اتذكر مدرسا للغة العربية كان قد احب فتاة ولم يتزوج بها فجن جنونه فساءت حالته وخرج يهيم على وجهه في شوارع بنها مسقط رأسه.
سيد يرتدي على عكس كل من قابلتهم ملابس نظيفة علمت منه انه ترك المدرسة التي كان يعمل بها وأخذ يبيع الطماطم وطوال الوقت يردد أبياتا من الشعر يذكرنا بقيس بن الملوح في عشق ليلى كان يقول:
آه منك يا قلبي ياللي قلت عل الرخيص غالي اختفى الرجل عن الانظار منذ اسابيع كما اختفى آخر من قرب امبابة والسيدة زينب والسيدة عائشة ما يثير مخاوف، فجرها تقرير حقوقي حذر منه انتهاكات جسدية يتعرض لها هؤلاء خاصة الاناث ممن يتعرض للانتهاك وسوء الاستغلال والاغتصاب وربما تصل إلى حد سرقة الاعضاء والاتجار بها دون رقيب او حسيب.
اتذكر الشعارات الرنانة التي يرددها المسؤولون ونشطاء حقوق الإنسان واتساءل من يرعى حقوق هذه الفئة، بخاصة ان دراسة مهمة للدكتورة فادية ابو شهبة الخبيرة واستاذة القانون الجنائي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية كانت قد رصدت في عام 2007, و14 ألف قضية لعديمي النسب و52 الف حالة اغتصاب لنعرف حجم المأساة التي تتعرض لها هذه الفئة الأولى بالرعاية وحماية الحقوق.
السلام عليكم!
كثيرا ما يصادفك في الشارع شخص غير طبيعي يمد لك يده ويحرص على مصافحتك وتحاول ان تبعد عنه من فرط قذارته ومن خوفك على نفسك من فعل او سلوك غير متوقع يصدر عن هذا او ذاك هذا ما حدث معي فور خروجي من إحدى جامعات 6 أكتوبر وقرب الحي المتميز حين حاول شعرة هكذا يطلقون عليه السلام على بالعافية ولما منحته بعض النقود لم يعترض بل طلب مني جنيها عايز جنيه قالها بإصرار رغم انني منحته اكثر من جنيه وعلمت من صاحب محل زهور قرب المكان ان هذا المريض له أصول طيبة وله أولاد كبار،, وكثيرًا ما يحاولون التقاطه من الشارع إلا أنه يفضل أن يعود ويتسول من الناس طعامه وشرابه وان سوء حالته مرجع خلاف عائلي قديم على الميراث.
بعض المرضى تضج بهم المستشفيات ولا تكفي الأسرة لهذه الأعداد الضخمة وليس من المعقول ان يبقى إنسان عولج وشفى حبيسا في المستشفى مدى الحياة، لهذا يخرج البعض ممن يقبلهم ذووهم ويبقى آخرون، ويهرب قطاع آخر, من هؤلاء إبراهيم في العقد السادس تجده بجوار احدى كبائن التليفونات بميدان الدقى ينام داخل الكابينة ويأكل ويشرب ويقضي حاجته في هذا المكان الذي اعتاد الناس على رؤيته فيه، فإن نهره صاحب متجر او مقهى ينام على سلالم احدى العمارات المجاورة على حد قول محمد مصطفى 23 عاما بائع زهور والذي أكد لنا انه يراه في المكان نفسه منذ أكثر من ثلاث سنوات ولا يعرف هو وكذلك أهل الحي أصل هذا الرجل ولا حكايته وقد أخذته الشرطة أكثر من مرة بناء على شكاوى من السكان إلا أنه يختفي ثم يعود .. المرضى بالشوارع يفتحون الأبواب على مصاريعها لملف حقوق الإنسان التي تنتهك دون رادع كما يطرح السؤال حول مسؤولية الحكومة ووزارة الصحة وأمانة الصحة النفسية والأهل والمجتمع عن هؤلاء.
وإذا كنا قد سمعنا عن رجل أعمال يتبرع لبناء مدرسة أو مسجد فلماذا يحجم رجال الأعمال عن التبرع لبناء مراكز للعلاج النفسي ولماذا لا تنتشر بالمجتمع المصري مبادرات زيارة المرضى النفسيين على غرار زيارة مرضى الأورام ؟
|