يعيش مرضى داء الهيموفيليا في الجزائر وضعا صعبًا، ويتجرّع الآلاف منهم ،غالبيتهم من الأطفال، مرارة المرض والظروف المحيطة به.
كامل الشيرازي من الجزائر : يعيش مرضى داء الهيموفيليا في الجزائر وضعا صعبًا، ويتجرّع الآلاف منهم ،غالبيتهم من الأطفال، مرارة المرض والظروف المحيطة به، حيث لا تزال عوامل كضعف التغطية الطبية وندرة الدواء، إلى جانب التهميش الذي يطال المرضى ، تلقي بظلالها على راهن المصابين بهذا المرض الوراثي الخطير الذي يُعرف محليا بمرض (الناعور).
تقدّر مراجع رسمية أعداد مرضى داء الهيموفيليا في الجزائر بـ1500 شخص، بينما ترجّح جهات غير رسمية ضعف هذا العدد، وتقول بوجود ثلاثة آلاف مُصاب، ويلفت مختصون إلى أنّ كثيرا من المصابين غير مقيّدين على اللوائح الرسمية لمرضى الهيموفيليا، علما أنّ الأخيرة عبارة عن خلل وراثي في الخلايا يمنع الدم من التخثر، وقد يؤدي إلى إعاقة شاملة ما لم يتم معالجة الإصابة على مستوى المفاصل والعظام.
وتقول "لطيفة لمهان" رئيسة الجمعية الجزائرية لمرضى الهيموفيليا، إنّ مرضى داء الهيموفيليا الوراثي والمزمن في آن واحد، يعانون من مشاكل عدة أخطرها ندرة الأدوية التي تسهم في تخثر الدم وإيقاف النزيف (العاملان 08 و09)، ولا تقتصر متاعب المرضى على ندرة الدواء، بل تمتد إلى معاناة المرضى من عقد نفسية جرّاء مضايقات المحيط ونظرته الدونية لهم، كما ينبّه متابعون إلى خطر سقوط الأطفال أثناء اللعب وما يترتب عن ذلك من مضاعفات.
بدوره، يدعو المختص "سيدي السعيد" إلى توخي علاج وقائي والتركيز على التربية الصحية لمرضى الهيموفيليا، من خلال تعريف هؤلاء بمسببات المرض وسبل علاجه، وكذا تلقينهم طريقة العلاج الأولي في المنزل في حال حدوث نزيف وكيفية التكفل به.
ويشتكي أطفال مرضى في أحاديث لإيلاف من عدم التكفل الجيد بهم على مستوى المستشفيات المحلية، بهذا الصدد، يحكي الطفل إسماعيل رحّال (12 عاما) أنّه رغم قطعه مسافة 220 كيلومترا من مسقط رأسه في محافظة الشلف إلى العاصمة، إلاّ أنّه يصطدم بالتهميش والمماطلة وقلة الاهتمام بحالته، موجّها صرخة استغاثة مناديا بتمكينه من العامل (08) ليستوفي علاجه، مشددا أنّ حالته الصحية لا تسمح له بالانتظار طويلا.
وأبدى يوسف (12 ربيعا) ومحمد (11 سنة) استياءهما من محدودية التكفل به وبأقرانهما، ما اضطرّ غالبيتهم للتخلي عن دراساتهم ولا زالوا يعانون في صمت، ويبكي رمزي (13 سنة) وسعيد (10 سنوات) بحرقة حينما يكشفان أنّ زملائهما في الدراسة يرفضون مشاركتهما ألعابهم بسبب أنّهما "شخصان مريضان" و"ضعيفان صحيًا".
وتشير بيانات الجمعية الجزائرية لمرض الهيموفيليا إلى أربعمئة طفل مصاب بمرض الهيموفيليا عبر 22 محافظة يتواجدون في وضع حرج، وينبغي على السلطات مساعدتهم على الاندماج في الحياة اليومية للمجتمع وتسهيل التكفل بهم على مستوى المؤسسات الاستشفائية، وفيما تتحدث تقديرات حديثة في الجزائر عن ثلاثة آلاف مصاب بمرض الهيموفيليا، لا توجد لغاية اليوم إحصائيات حقيقية تتعلق بهذا الداء، علما أنّ المعايير الدولية تشير إلى أن هذا الداء يصيب طفل واحد من 10.000 نسمة خاصة بالنسبة للذكور.
ويقول "بن ميلود نعيم" وهو والد لطفلين مصابين بالهيموفيليا، أنه كثيرًا ما يصعب التكفل بهذا الداء من طرف المرضى لنقص التكفل بهم عكس ما هو حاصل في دول أخرى أين تعيش هذه الفئة من المجتمع حياة طبيعية، في حين يلاحظ الأستاذ محمد دمري أنّ طرق العلاج المعمول بها في بلاده، غير متوافقة، ويضيف أنّ هذا المرض يطال جزائريين من مختلف الأعمار، ويؤدي بصورة إلى انتفاخ العظام بصورة متسارعة، بحيث تبدو أكبر من حجمها، ما يتسبب في معاناة المرضى من آلام فظيعة وأوجاع حادة، وفي حال سيلان الدم من عضو مصاب، فلا يمكن إيقافه إلاّ عبر حقنتين تزيد قيمتهما عن 35 ألف دينار (ما يعادل 350 دولار)، وهي تكلفة لا يستطيع غالبية المرضى توفيرها، ما يفرض تدخلا حازمًا من الدولة لسدّ النقص الحال على مستوى مستشفيات البلاد.
وترى الدكتورة "نعيمة مصلي" أنّ الهيموفيليا في الجزائر باتت تطال الذكور بشكل أكبر، بينها مئات الحالات للالتهاب الكبدي من نوع "س"، وتقرّ الدكتورة أنّ بعض المرضى توفوا بعد عدم إدراك فريق من الأطباء إصابة هؤلاء بالمرض، وتوضح المتحدثة ذاتها أنّه عادة ما يتم اكتشاف الإصابات في عمليات الطهارة أو اقتلاع ضرس مسوس أو لدى الخضوع إلى عملية جراحية، حيث يكون هناك نزيف حاد لا يتوقف، خصوصًا على مستوى المفاصل، وإن لم يتم التعاطي مع المسألة على الفور، فإنّ الجراحة لاحقا لا تنفع بعدما يؤول الطفل إلى السير على كرسي متحرك، وهناك بعض الأطفال – استنادًا إلى دكاترة – يعانون من هيموفيليا حادة تقدّر بـ1 بالمائة، فيما يقع آخرون تحت طائلة هيموفيليا متوسطة بواقع 1 إلى 5 بالمائة، في وقت تبلغ الهيموفيليا الخفيفة 5 بالمائة، ما يجعل آثار المرض تتباين من مريض إلى آخر.
من جانبه، يذهب "عبد القادر بلحاج" وهو رئيس جمعية جهوية لمرضى الهيموفيليا، إلى حتمية إنشاء عيادات مختصة وبشكل مكثف، طالما أنّ الكثير من المرضى يقطعون مسافات طويلة ومرهقة للاستفادة من العلاج، ويطالب بلحاج أيضا بتوفير الدواء على مستوى المنازل لا سيما في المناطق النائية، وبمنظار بلحاج دائما، فإنّ ترسيخ التربية الصحية بين مواطنيه من شأنها الوقاية والتقليل من التكاليف الباهظة التي تتحملها الخزانة العامة.
وسبق لمختبر صيدلاني دولي أن أعلن قبل فترة عن تسويق دواء لمعالجة مرض الهيموفيليا، وقال متحدث باسم المخبر المذكور أنّ هذا الدواء من شأنه ضمان حياة عادية للمريض، خصوصًا فئة الأطفال، من خلال تبسيط وتخفيض عملية وكمية الحقن.