GMT 16:40:13 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

معرفة

الناقد جاسم الياس يناقش تداخل أدب القصة مع قصيدة النثر
إيلاف

GMT 13:15:00 2009 الإثنين 26 أكتوبر


  
  
 
حواره عمر عناز: بينما تنشغل البعض من الطروحات النقدية بمغازلة النصوص والاجتراحات الادبية توخيا لأغراض تقع خارج دائرة العلمية، تبدو جدّية الناقد الأكاديمي جاسم خلف إلياس واضحة المعالم من خلال مايضخه من دراسات واشتغالات نقدية تنبش بوعي في ذاكرة المُنتَج وصولا إلى الكشف الحقيقي للنص وماوراء النص وبتقانة مميزة قد لاتروق للكثيرين بيد أنها تؤسس لمشهد نقدي مختلف يمنح النّاص ثقة بجدية متابعه، زرناه في بيته وولجنا الى صومعته المكتظة بشتى عناوين الدراسات والبحوث والمجاميع وتجاذبنا معه أطراف الحديث وكان هذا البوح:   
 
- كيف تنظر إلى القصة القصيرة جدا من حيث قدرتها على تأدية دور فاعل في المشهد الثقافي؟ 
 
تجتهد القصة القصيرة جدا على إزاحة المنمط في الكتابة القصصية التقليدية، وتتكفل بالتعبير عن ذاتها المغايرة بشكل يتطابق مع الوعي المؤثّث بالمتغيرات الحادة التي عصفت بالإنسان العربي منذ ستينيات القرن المنصرم ، وما ولدته من قيم ومفاهيم جديدة تحت وطأة اليأس والاغتراب، وانحراف نسقية الواقع، لذا فهي لا تتأطر سرديا بمعايير تعزلها عن جمالية المغامرة في وجود تشكله اشتراطاتها الفنية، من حكائية وتكثيف لغوي ومفارقة وتناص وإيماض ودهشة واختزال في المضمون وخيبة انتظار أفق القارئ...وغيرها . وقد تجلّت كل هذه الاشتراطات في بنائها المتكئ على درامية القصة القصيرة وغنائية قصيدة النثر وخياراتها المدهشة في الإيقاع والمجاز.
على هذا الأساس  أرى – وعلى حد علمي المتواضع – أنها ستؤدي دورا فاعلا في المشهد الثقافي بوصفه توصيلا تتجاذبه لذة التلقي من جهة، وقدرة الإقناع من جهة أخرى، في الوقت الذي لا ينكر احدٌ أن ما يتواجد الآن في ساحة الاشتغال القصصي القصير جدا من قصص تكتب بشكل اعتباطي وغير مسؤول، يسيء إلي هذا النوع الجديد،  وأقول بمرارة: ان بعض دور النشر الأهلية والمواقع الانترنيتية قد أسهمت كثيرا في إيذائها من خلال نشر النماذج السيئة منها، ومن ثم شكّل هذا التوجه علامة سلبية ختمتها بقصورها عن أداء دورها في خضم الأنواع الأدبية الأخر، لذا فمن منطلق الحرص والغيرة عليها أدعو كثيرا من كتابها وتحديدا كاتباتها في الانترنيت إلى تركها وشانها ، فربما فرم البصل في المطبخ أفضل بكثير من الكتابة الرديئة ومن ثم الإساءة إلى الأدب .

- ما مدى الاعتناء الذي لاقته ق.ق.ج من قبل المؤسسة الثقافية في الوطن العربي؟ 
 
على الرغم من احتضان بعض المؤسسات الحكومية أو الأهلية في كل من حلب ودمشق ورعايتهم لها وبذل ما بوسعهم من اجل انجاز أي تقدم في خطواتها التي  نراها اليوم  تتزايد وتتسارع  باتجاه فرض متغيراتها الجمالية وخصائصها النوعية كي تترافق مع هيمنة الوسائل التقنية والمعلوماتية الحديثة على مجمل التعامل الإنساني ، فإننا ما زلنا نتوق إلى دعم متواصل أكثر ، يتجاوز الوطن الواحد ويساعد على ذلك انتشارها السريع في مجمل أقطار الوطن العربي . وفي هذا الصدد لا يسعنا إلا أن نقدم امتناننا وعرفاننا  بجميل الجهات التي احتضنتها ، وأسهمت في محاولة كشف مواهب جديدة ترفد مسيرتها بخطوات متماسكة. 
 
-  إلى من تشير بتميز من المشتغلين في حقل القصة القصيرة جدا ؟
من المؤكد في أي عمل إبداعي لابد من متفردين في اشتغالاتهم سواء أكان في القصة أو الشعر أو المسرح أو الفن أو غيرهم من أعمال أبدعية، وعندما نريد أن نحدد مثل هؤلاء المبدعين في الكتابة القصصية القصيرة جدا، لابد من اتخاذ الموضوعية معيارا لنا مهما كانت سلطة الذاتية فاعلة في تلقيها أولا، والاحتكام إلى اشتراطاتها الفنية بالنسبة للمشتغلين فيها ثانيا، وهنا أقدم اعتذاري مسبقا للأسماء التي لن اذكرها، لان التفرّد حالة تؤشرها الفاعلية الامتاعية والاقناعية، ومن المؤكد أنها تختلف من ناقد لآخر، وعلى هذا الأساس أرى _ وبكل تواضع ودون تسلسل للتميز _ أن هيثم بهنام بردى ، زيد الشهيد ، محمود شقير ، عبد الله متقي ، مصطفى لغتيري، جمال نوري، حنون مجيد، إبراهيم سبتي، محمد طحان، احمد زياد محبك، ضياء قصبجي، احمد جاسم الحسين، وليد معماري، محمود علي السعيد، ناصر الجاسم، جبير المليحان، محمد مستجاب، منتصر القفاش، ناصر الحلواني، وغيرهم من القصاصين الذين أحسنوا في كتاباتهم ، وربما استطاعوا أن يتخذوا لقصصهم ملامح أسلوبية متفردة . 
  
 - هل انتهى زمن التجنيس وسط هذا التداخل في الأشكال؟
تبقى مسألة التجنيس مسألة شائكة في  الاجتهادات النقدية الحديثة ،وضرورية في أي عمل أدبي أو فني في الآن ذاته، فضلا عن إن التداخل  يعد مسارا جماليا في مستويات العمل الأدبي والفني،  فهل تقصد التجنيس بشكل عام ، أم تداخل القصة القصيرة جدا مع غيرها من الأشكال ؟
-  لاشك أعني تداخل القصة القصيرة مع غيرها من الأجناس، على سبيل المثال لا الحصر تداخلها مع قصيدة النثر؟
نعم تناولت هذا الجانب المهم في الفصل الأول من رسالتي للماجستير تحت عنوان فرعي هو (( إشكالية تجنيس القصة القصيرة جدا))  وقد توصلت إلى أنها  انبنت على درامية القصة القصيرة بتقاليدها الكلاسيكية مثل لحظة الاكتشاف والخاتمة المفاجئة وعلى  غنائية قصيدة النثر بابتعادها عن الحدث والدراما وركونها إلى أدوات الشعر من إيقاع ومجاز إلا أن التكثيف في الرؤية والحدث والشحنة العاطفية قد توقع القصة القصيرة في دائرة المتاهة بسبب اقترابها من القصيدة أكثر، عندها يجب الاحتراز من خطورة هذا التقارب لأنها ستقع على هامش السرد بحسب تعبير جون جيرلاش ، وعلى الرغم من معرفتنا الاشتراطات الفنية لكل منهما، إلا أننا لانعدم الفوارق أحيانا بسبب التداخلات النوعية والكتابة عبرها، لذا فهي تشتغل بشاعرية السرد، وأتذكر مفارقة حصلت عندما كنت اعمل محررا ثقافيا في صحيفة ((مستقبل العراق)) إذ وصلت إلينا نصوص أدبية قصيرة جدا  من د. احمد جارالله لم يضع لها موجها قرائيا ويبدو انه كان يتقصّد في ذلك، ولأننا كنا نهتم بان  يكون لكل مادة موجها قرائيا كإجراء صحفي دأبت عليه التقليدية المقيتة ، ولان تلك النصوص كانت ثرية في اشتراطاتها واشتغالاتها أصبحت مثار جدل بيننا حول وضعها ضمن شكل  معين من الأشكال الأدبية فاتفقنا أنا والزميل الشاعر عبد المنعم الأمير على وضعها ضمن شكل القصة القصيرة جدا وقرأها كثيرون على أنها قصائد نثر، وذلك لان ما يزيد العلاقة اشتباكا بين القصة والقصيدة هو استمرار اللعب اللغوي بوصفه عنصرا مهما في كتابة القصة القصيرة جدا، بفتنة اللغة المجازية التي تجمع بين شاعرية القص والقيمة الجمالية إلى الحد الذي سماها بعضهم (الاقصودة) لما لها من تماس يكاد يقترب من المطابقة مع قصيدة الومضة، ولاسيما قصيدة الهايكو . 
 
- ألا تعتقد أن التكثيف الذي توجبه تقانة ق ق ج يشاكس الذائقة العربية التي تعودت على الاستعراض البلاغي؟
يا عزيزي عمر البلاغة هي الإيجاز عند العرب، والإيجاز هو إثبات المعاني المتكثرة باللفظ القليل حسب تعريف الزملكاني، وعلى هذا الأساس كلما كان الكلام مكثفا احتوى على طاقة إيحائية أكثر، لذا لا اعتقد أنها في فقص الاتهام. 
 
- أنت أكاديمي فضلا عن كونك من الفاعلين في  الوسط اللااكاديمي _ اعني الاحترافي _  من باعتقادك أثرى المشهد الإبداعي باشتغالاته ولماذا؟
الإبداع في مجال القصة والشعر والمسرح  ووو...لا علاقة له بالأكاديمية لا من قريب ولا من بعيد، وهي لاتستطيع خلق مبدع واحد ما لم يكن هو مبدعا في الأصل ، لان الأكاديمي موظف يمارس مهنته التعليمية، وإذا ما برز مبدع أكاديمي فان الفضل لا يعود إلى أكاديميته بقدر ما يعود إلى موهبته أولا . والدليل أن  كثيرا من الأكاديميين  لا يستطيعون كتابة قصيدة أو قصة قصيرة، وان استطاعوا فلابد أن تخضع لصرامة التعليم، ولا أريد أن ادخل في تفاصيل هذه الثنائية المعروفة جدا . 
 
- المؤسسة الأكاديمية ، إلى مدى أسهمت في تصدير كفاءات علمية تستطيع أن تستوعب تطورات المشهد الثقافي، أم ترى أن الحال لا يبشر بخير ولا سيما في الوقت الراهن؟

المشهد الثقافي فضاء واسع والأكاديمية جزء منه، إن المناهج الأكاديمية هي ليست سوي أدوات تعمل على ضبط الكتابة وتخليصها من الترهلاتالتي تثقلها بوساطة طرح الفرضيات والبرهنة عليها أو التنظير لمسألة معينة والتدليلعلى صحة هذا التنظير بالإجراءات المتبعة كل وفق مقدرته وخزينه المعرفي، وبالعكس أرى أن لللأكاديمية دور فاعل في استيعاب تطورات المشهد الإبداعي خصوصا ، وما الرسائل والاطاريح الجامعية التي تتناول هذا المبدع أو ذاك الا دليل على فاعليتها . وإذا ما حدثت بعض السلبيات في يومنا هذا في الوسط الأكاديمي ، فهذه السلبيات ليست بعيدة عن السلبيات التي نخرت الواقع العراقي  بأسره. 
 
- ما تفسيرك للاعتناء النقدي بالنصوص والاشتغالات الإيروتيكية الذي أصبح شائعا بصورة تستدعي الإنتباه؟

يقينا أن النقد هو إبداع تال لإبداع أول هو النص، ومن هنا انطلق النقد الايروتيكي الذي انتشر هذه الأيام بكثرة في الساحة النقدية، ولا أرى سبب انتشاره على شكل موضة أو دعايات بقدر ماهو متابعة للنصوص الايروتيكية من جهة، وضرورة فنية وإنسانية نتعامل معها بعيدا عن الحساسية الأخلاقية .