إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | جوال إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3108 الثلائاء 24 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 1:18:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>معرفة   
    


هشام بن الشاوي "يفتح بيتا لا نوافذ له"

GMT 9:07:00 2009 الثلائاء 3 نوفمبر

إيلاف


*يكسر قناع الذات ويحرض القصة أكثر على البوح

كتب إبراهيم الحجري:

      1- العتبة:

يصعب على كاتب يشيد خطوته الأولى في مشهد ثقافي شديد الحساسية أن يكون في كتابته أبيض القلب كصفحة بيضاء، دهشا مثل طفل، مندفعا مثل موجة الخريف الأولى، مقتحما مثل الرغبة، نهما مثل نار أكول. لكن هشام بن الشاوي فعل ذلك، وهو يفتح بيتا لا نوافذ له سردا قاسيا لا يرحم من يقرأ ولا من يكتب. لقد فعل ذلك لأنه تجرد من قناع الكتاب ودبلوماسيته التي غالبا ما تحول النص إلى حكمة وقار في برج عاجي. هكذا يجب أن نحتفل بطقس الكتابة: العتبة العصية، والتمدد القوي في بلاغة العناصر المؤسسة لإشراقة القبض على المعنى. إذ غالبا ما يخيل إليك، وأنت تقرأ هذه النصوص، أنك موجود بطريقة ما هنا وهناك من هذه المحكيات الإنسانية. فمن منا لا يلتذ بتكسير الزجاج، ومراقبة انتظار لن يجيء إلا على وقع انفتاح الذي لا ينفتح، ولو كان النص المستحيل نفسه. إن البيت الذي تغلق نوافذه هنا بإحكام، ليس هو منزل تلك المرأة الممتلئة شهوة التي يسجنها زوجها المتزمت بين جدران بيوته، بل هو النص المحلوم به الذي يتغياه ابن الشاوي أن يكون الصيد الثمين في ليل مدينة لا تنام فيها الرغبات والاشتهاءات المجازية التي لن تكون اللذة الجنسية، حتما، سوى واحدة منها.

لقد عبر القاص العتبة، وهشم الزجاج، وعرك الورطة بفظاظة من لا يخاف عاقبة القبض على الضوء. ومهما كان هذا الضوء مخاتلا، فقد تأتى للقاص، المشدوه أمام العوالم التي يرتادها عبر الواقعي والمتخيل، أن يرتجل الوصل إليه مسلحا بالصدق الفني، ومستندا إلى تجربة الذات في الحياة. تلك الحياة البسيطة، في قاع متخثر بالخيبة والفشل والحرمان، التي منحته مادة شهية للسرد قلما تتاح لكاتب برجوازي من الطبقة الارستقراطية التي تعيش في الرغد بعيدا عن نار الواقع التي يصطلي بها أبطال فيكتور هيجو في "البؤساء".

لقد حققت هذه العتبة المقتحمة للكاتب الفعلي عدة مكاسب:

- أولا: إعلان الذات بوصفها موضوعا للكتابة. وههنا يتاح للسيرذاتي أن يمتزج بالقصصي، وللمتخيل أن يعانق الواقعي في سلاسة مدهشة، بما يجعل النصوص في الغالب تلفظ نوع الصراع القائم بين الذات وذاتها من جهة، وبين الذات والعوائق البرانية من جهة ثانية. أو لنقل إن فعل الكتابة هنا هو إعادة الاعتبار لذات منبوذة تعذب صاحبها، وتشل من أحلامه الملتهبة في قلب لا يهادن. إنها عتبة تجعل من مكون البوح الذاتي أسلوبا للنقد اللاذع ليس للآخر فحسب، بل للذات الموبوءة التي تطارد صاحبها مثل لعنة لا ترحم "اسودت الدنيا في عيني، تملكني حزن غامض لا تصفه غير الدموع… لعنت والدي، وهما في قبريهما، لأنهما أخرجاني إلى هذه الحياة التي لم أختر المجيء إليها، ولعنت اللحظة التي كان فيها إيروس ثالثهما…" ص 7. الكتابة إذن، هي منطلق التصالح مع الذات المشروخة، وهي الوصل الذي يرفدها بملكوت أحلامها، وعالمها المقبور عنوة.

- ثانيا: تأسيس الصوت: إن العتبة الكتابية في المنجز تسعى، قبل كل شيء، إلى ترويض التلاحم باللحظة، ووضعها رهن الملأ طرية، مخاتلة، مثل زئبق عصي. ومعروف أن الحيرة تكون ديدن هذه التجربة لأنها تروم وضع الرجْل على الأرضية الصلبة، فضلا عن ابتغاء طرق موضوعات جديدة بأساليب متجددة ومغايرة. لقد وضع المنجز التجربة على المحك، لأنه ينقل المكتوب سردا من حال النص المشرد بين أوراق جريدة أو حيز موقع افتراضي إلى حال النص المضموم، في شلة نصوص تؤازره، بين دفتي كتاب. وهذا طبعا يورط التجربة، ويضعها في صلب المشهد دون حواجز أو أقنعة.

ثالثا: تأسيس الوعي بالكتابة: نلفي مؤشرات عبر المتن القصصي تدافع عن وعي الكاتب بما يكتب، وتفضح سعيه الدؤوب بحثا عن كتابة سردية مغايرة، تكسر أفق انتظار القارئ الذي غالبا ما يدخل معه في حوار حول التجربة الكتابية "القارئ المفترض". وهذا يعني أن الكاتب يبذل جهده لخلق إضافة نوعية على الفن القصصي. وقد تأتى له ذلك عن طريق طرق موضوع جديد يتعلق بالذاتي في علاقته بإكراهات الحياة: الكتابة عن الذات وهي تتشكل في آفاق صعبة، الكتابة عن الفكرة وهي تنقشع، عن النزوة وهي تتمايل بحثا عن ضحية، عن الرغبة وهي تشتت الجسد وتذوبه، وتحرضه على الاشتعال. إنها الكتابة عن الإحساسات وهي تصطدم بالزجاج الواقي لحظتها. وهذه مواضيع صعبة قلما يتاح الحديث عنها لأنها تعري القناع وتسقطه، وتتيح للذات أن تفضح ذاتها وهي تحيى بما تمتلك دون مجاملات ولا تزويق.

التجربة:

من العتبة إلى التجربة، هنا المعبر الصعب الذي يتشيد من الحقائق التي تتحول أحيانا إلى أوهام يشي بها المكتوب نفسه. توهم الذات نفسها، عبر تجربة الكتابة، أنها تتحقق وترتقي في السلالم المعنوية على الأقل، تذرع الأحلام وتحصيها، لتنكشف، في الأخير، أمامها اللعبة الحقيرة التي انخرطت فيها بمحض إرادتها "كنت أتوهم، وأنا مراهق حالم، غارق في رومانسيتي، أني حين أصبح شاعرا… ستطاردني البنات في كل مكان، وسأختار دائما من هي أجمل" ص 7. بعد الدهشة الطفلية يستفيق الطفل/ السارد/ الكاتب من حلمه على واقع مفزع: ما تلك اللوثة الجميلة التي عاشها في حلم يقظة صوفي سوى وهم تبدد عند أول رمش: أزمة القراءة، أزمة نقد، أزمة توزيع، أزمة حب، أزمة رغبات، أزمة حرمان، أزمة جيب، أزمة مهنة…. كل هذه العناصر أفحمت السرد، وأعطته مسحة من التشاؤم والتشظي والخيبات. ولنلقي نظرة خاطفة على طبيعة التجربة القلقة هنا في هذا المنجز، لا بد من حصر تجليات القلق المعبر عنها نصيا:

- قلق الذات:  يظهر في المجموعة بشكل جلي أن العامل-الذات يعاني من قلق وجودي، وإحباطات نفسية كبرى تولدت من تراكم سياقات سوسيوثقافية سلبية عاشها الراوي- البطل بشكل من الأشكال. الشيء الذي يذهب بنا أحيانا إلى أن المجموعة في حد ذاتها عبارة عن محاكمة لواقع قائم، مأزوم، ينبثق في شكل الذات الراوية ليشمل الوجود كله، من خلال عين الشخصية الراوي الذي يصادر أزمته الداخلية على الأشياء كلها إلى حد السواد. يقول الراوي "ليتني مت قبل أن تصلني رسالتك، يا قاسم!" ص 10. تحس الذات خصاما مع العالم: الوالدين، الأصدقاء، الجسد، الفكر، السلطة، الحظ… مشكلة بذلك بطلا إشكاليا لوكاتشيا يعيش في واقع بقيم مغايرة دون أن يستطيع تصريفها، أو على الأصح، ليست لديه الوسائل الكفيلة بترسيخها. فتبقى الكتابة هي الظل الذي يمكن أن يحتوي القلق الفائض عن الحد للذات.

- قلق الجسد: للجسد رغباته التي لا تقاوم، الرغبات المشلولة غير التامة التي إن تحققت كانت تحت القناع. التحقق هنا مرهون بالإذلال. الجسد في التحقق يصير مقبرة للرغبات، وكبتا لها من جديد. حيث ما يزداد إلا اشتعالا. الرغبة التي يريدها جسد الراوي الشخصية مرتبطة بالروح، بالحب، بالإحساس بالأنا، وليست الرغبة/ الشهوة التي تروم تضاريس الجسد الفيزيولوجي، حتى وهو يرى أن مؤخرات البنات أحسن بكثير من وجوههن، حتى وهو يستعيض عن الفشل في الحب والظفر بمحبوبة يفشي إليها فشله، ويحكي لها أحزانه، بممارسة الجنس الرخيص، باقتناء الجسد المتعة، بانتقاده، بالسخرية منه  "احتقرت ذلك الحيوان القابع في داخلي، الذي يحاول مرارا أن يتمرد على سلطة الأنا الأعلى… ناولتها ورقة مالية كانت كل ما أملكه، بعد ما بعت بعض كتبي لأحد الطلبة صباحا… لأثبت رجولتي أما فاتنتي الصغيرة… تمددت على سريري، لأنام، وقلت لها: يمكن أن تذهبي… وقد انشطر قلبي إلى قطعتين تبكيان امرأتين.." ص 8.

- قلق الذاكرة: يتم استدعاء الذاكرة هنا عن طريق تقنية الفلاش باك، ليشكل جزء من المادة التي تقدمها للرواة أساسا لقيام النص، وتحفيزها سرديا. فغالبا ما تنهض قصة ما على أساس تذكر حادث من الذاكرة التي تحتفظ بأوشام وجروح بليغة مرت بحياة الطفل- الراوي: الكورنيش- الأصدقاء- الأستاذ فيصل- التلاميذ- البيت الأبيض- الخمارة القاتمة… إن حضور الذاكرة هو حضور هوسي قلق تجاه ما يعتمرها من بقع سود تشوش على نفسية البطل- الراوي الذي بقدر ما يتمنى أن يستعيد أجزاء من هذه الذاكرة، لقدر ما يسعى جاهدا لينقيها من بعض العكر الماثل فيها مثل العلق الناتئ. وإعادة كتابة هذه الذكريات السوداء التي تتعلق بفترة المراهقة والطفولة هو في حد ذاته نوع من الاستشفاء والتطهير للذات. إن فعل الكتابة وتدوين أحداث وقعت في الماضي عملية يوازيها فعل المحو من سجلات الذاكرة. وكأنما يقول الراوي لنفسه: "اكتب لتشفى".

- قلق الكتابة: إن قلق العناصر المذكورة سلفا لا بد أن يؤثر على العملية الإبداعية بصفة شاملة. حيث إن الطقس الكتابي لا يقبل التجزيء أبدا. إنه مثل لعبة الشطرنج، كل حركة تطول عنصرا من البنية لا بد أن تؤثر على الكل. لذلك فقد كانت الكتابة في مجموعة ابن الشاوي قلقة جدا، سواء من خلال تعددها، أو من خلال اللغة المنتقاة، أو من خلال المضامين المطروقة، أو من خلال تفكيرها في طريقة تشكلها عبر النصوص. ومن سمات هذا القلق أذكر:

- التعدد اللغوي، حيث عبر الرواة بالفصحى، العامية، الفرنسية. وهذا عنصر بنائي لأن ثقافة الرواة تتعدد، ومعارفهم تختلف. ولا بد من مراعاة هذه الفروق أثناء الكتابة.

- تداخل الخطابات: حيث يتضمن المنجز أغاني، ومقولات شعبية، ورسائل تدعم المسارات السردية بما يضمن تنوعها.

- انفتاح النص القصصي: اتسع النص كما هو ملحوظ لاحتضان أشكال جديدة: الرسالة، المذكرات، الإشارات الركحية، قصيدة النثر، اللقطة السينمائية… وهي أشكال تغني النص القصصي ولا تفقده هويته السردية. إذ تشكل الحكاية ماء كل نص، والإسمنت الذي يلحم معطياته.

وما تجب الإشارة إليه هو اعتماد الكاتب كثيرا على تقطيع النص القصصي إلى فقرات مركزة، لكنها غير مستقلة، حيث تجمع بينها وحدة الموضوع، ووحدة الشخصيات. ومعروف أن هاته التقنية تفيد تجديد دماء السرد، وتعطي للرواة فرصة لإعادة النظر في الأوراق والمعطيات والمواد المتوفرة لديهم. وهاته الوقفات هي بمثابة استراحة لتجميع الوقائع، والتقاط الأنفاس، وتركيز اللقطة.

عموما تزخر نصوص "بيت لا تفتح نوافذه" بالكثير من عناصر السردية بمفهومها الجديد الذي يحفظ للقصة بهاءها، دون أن ينجرف خلف التجريب المدمر للنص، ودون أن ينسى أن للمعنى وجاهته المؤسسة. 
 

 

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2009 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By