كنيس بيروت وصراع يهودها مع سنة الحياة
عبدالاله مجيد
GMT 14:48:00 2009 الخميس 12 نوفمبر

كنيس ماغن ابراهام في بيروت |
كنيس ماغن ابراهام في بيروت، احد اخر رموز الوجود اليهودي في لبنان، يحتوي على قناطر نقشت عليها نجمة داوود وكتابات باللغة العبرية بقيت مطمورة لنحو ثلاثين عاما.
ما فتئ حجم الطائفة اليهودية في بيروت ينكمش باستمرار نتيجة الهجرة والوفيات. ولكن اليهود القلائل المتبقين يأملون بتمتين الأواصر فيما بينهم من خلال تجديد كنيس تاريخي في وسط العاصمة اللبنانية.
غالبية البيوت الكائنة في "شارع اليهود" الذي هجره سكانه ودمرته الحرب، جُرِّفت وحلت محلها أبنية سكنية من الشقق الفاخرة مع ملحقاتها من المقاهي والمتاجر، وأصبح الشارع جزء من "سولدير"، كما يحلو للبيروتيين ان يسموا وسط مدينتهم بعد اعادة بنائها. وهذه التسمية ترمز الى الشركة العقارية التي أسسها رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري بمليارات الدولارات، قبل اغتياله في عام 2005.
بعدما وضعت الحرب الأهلية اللبنانية اوزارها بادر رئيس الوزراء الراحل الى هدم ثلاثة ارباع وسط المدينة، التي دمرتها الحرب واعاد بنائها من جديد. وكانت رؤية الحريري ان يبني "هونغ كونغ على المتوسط"، مكان لا تثقله اعباء التاريخ، يجتذب السياح والمستثمرين على السواء، ولكن منتقدي المشروع ينظرون الى بيروت الجديدة على انها اقرب الى الكابوس. وتنقل "شبيغل اونلاين" عن مهندس معماري قوله ان بيروت باتت مدينة بلا شخصية او هوية متميزة، مدينة لا تمت بأي صلة الى الماضي.

داخل الكنيس |
مدام سرور امرأة في منتصف الستينات وهي اليهودية الوحيدة الباقية في الحي، ويبدو من الغريب بعض الشيء ان مشروع التجديد الحضري وفر العمارة التي تسكنها مدام سرور. وحتى عامل البناء الذي يقف عند مدخل العمارة، لا يعرف متى ستُهدم المباني القديمة المتبقية في الشارع.
مدام سرور تقول انها تعتزم التريث بانتظار ما سيحدث. فما عساها ان تفعل؟ وهي تؤكد انها امضت الشطر الأعظم من حياتها في هذه العمارة التي استأجر والداها شقة فيها. استعرت الحرب الأهلية ورحل والداها عن هذه الدنيا وهاجر اشقاؤها، ولكن مدام سرور رفضت ان تدير ظهرها على موطنها ولا حتى في عام 1982 عندما اجتاح الاسرائيليون لبنان وبدأ رئيس الوزراء مناحيم بيغن يمنح الجنسية الاسرائيلية الى المتبقين من يهود المشرق. تسأل مدام سرور: "لماذا كنتُ سأقبل؟ فأنا لبنانية وسأبقى لبنانية".
يُعتقد ان هناك ما بين 50 و300 يهودي ما زالوا يعيشون في لبنان من بين 18 طائفة معترف بها، بحسب "شبيغل اونلاين"، الا ان اعدادهم آخذة في التناقص بسبب الشيخوخة. لذا بدأ المجلس اليهودي المحلي يدرس كيف يمكن لأفراد الطائفة ان ينتصروا في هذه المعركة مع سنة الحياة وحكم الزمن، هل من شأن احياء كنيس يتعبدون فيه ان يساعدهم في معركتهم؟
لهذا السبب بادرت الجالية الكبيرة من المغتربين اليهود منذ مطلع 2008 الى احياء فكرة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحرير نفسه: تجديد كنيس ماغن ابراهام، اقدم واهم كنيس يهودي، وجعله صالحا لاقامة الشعائر الدينية من جديد. كما ان تجديد الكنيس سيضيف عنصرا ثقافيا الى "سولدير" الذي يبقى مكانا بلا روح، كما يذهب البعض. ومن المؤكد ان المشروع يتوافق مع رؤية الحريري الأصلية، فليس من شأن الكنيس إلا ان يؤكد على انفتاح بيروت وتعزيز صورتها الكوزموبوليتانية بوصفها مدينة تتعايش فيها المآذن وابراج الكنائس جنبا الى جنب. ولكن تمويل احياء الكنيس سيتعين ان يأتي من الطائفة اليهودية نفسها.
على امتداد اكثر من 30 عاما تُرك كنيس ماغن ابراهام يتداعى الى الخراب، ومنذ عام 1976 نقل آخر حاخام في الكنيس نصوص التلمود الى مكان آمن وقفل بابا المعبد ورحل. واليوم يحاط الكنيس بعمارات شاهقة ورافعات تتأرجح في الأفق. في غضون ذلك اقام عمال البناء سياجا عاليا لحماية المبنى من الفضوليين، كما وُضع حراس لحمايته من العابثين.
مدام سرور لم تدخل الكنيس منذ زمن طويل رغم انه لا يبعد سوى بضع دقائق عن منزلها، وهي تقول انها لا تطيق مشهد الخراب. والمفارقة ان الطائرات الاسرائيلية قصفت دار العبادة ظنا بأن الفلسطينيين خبئوا فيه اسلحة.
ومن المتوقع ان يعاد فتح الكنيس بعد تجديده ولكن يبدو من المستبعد ان تحضر مدام سرور حفل الافتتاح، فهي تفضل العيش مع ذكرياتها عن المكان، ذكريات لا تشاطرها اياها إلا قططها.