|
بريد موسيقى: لحن لفيروز مع الأخوين رحباني بعضا من أجمل و أهم ما غنت طوال مسيرتها الفنية, و حتى بعد رحيله و رحيلهما لا يزال الناس يذكرون أبداعاته ... "فايق يا هوى" "يا دارة دوري" "أنا خوفي" و "صيف يا صيف" و غيرها كثير, موهبة خام لا غبار عليها, كانت أغنياته بين ألحان الأخوين تمثل جوهرة التاج الرحباني الذي زين جبين فيروز لسنين طويلة و صنع أسطورتها, سألت عنه ذات مرة فقالت: "فيلمون شيخ الغنيّة الشعبية" و قيل أنه كان يجلس في كواليس مسرحها باكيا: "يا فيروز, الأخوين ما عم يخلوني لحن لك!" و برأيي, فأنه لم يأخذ حقه, لا مع الأخوين و لا بدونهما
ما حدث أن الأخوين رحباني طوال مشوارهما مع فيروز كرسوا لمدرسة جديدة في فن الغناء العربي شهد لها و بتفردها معاصريهم, و على رأسهم أم كلثوم و عبد الوهاب, لم يكونوا مقلدين لأحد و لا تقليديين بأي حال من الأحوال في ألحانهم و ألحان سواهم التي قاموا بتوزيعها و "رحبنتها" ... في الشرقي و الكلاسيك, في الغناء الشعبي, في القصائد و الأناشيد الوطنية, كانوا روادا على مستوى الكلمة و اللحن و التوزيع و الأخراج, سمع الناس ألحان فيلمون من خلالهم و شغفوا بها, أحبوا بساطتها و نقاءها الذي لامس قلوبهم, فلما أنفرط العقد, أحس عشاق فيروز بأن ألحان فيلمون لم تعد بذات الزخم, صار للأغاني كاتبا و ملحنا و موزعا, لم تعد تحمل توقيعا واحدا, و خصوصا التوزيع, الذي كان للرحابنة فيه بصمة لا مثيل لها, فلما غابت البصمة و أختفى "الفلتر" أختلف بالتالي الشكل و المذاق
قليل من الناس يعرفون أن فيلمون وهبة كان أميّا في الموسيقى, لا يجيد قراءة أو كتابة النوتة, كان يلحن "سماعيا" على عوده, فكانت الحاجة الى من يقوم بتوزيع ألحانه لفيروز بعد أنفصالها عن الرحابنة, فعهد بتوزيع أغاني "دهب أيلول" الى سليم سحاب, الذي حاول أن "يمصّر" غناء فيروز للون الطربي بمقدمة موسيقية مطولة و تركيز على مساحات التطريب و السلطنة في صوتها بشكل مبالغ فيه, كما في "ورقو الأصفر" و "يا قونة شعبية" و "طلعلي البكي" يضاف الى ذلك ضعف جودة التسجيل في الأستوديو, فكانت النتيجة برأيي و رأي الكثير من جمهور فيروز مجحفة بحق الكلام و اللحن و الملحن ... فرق شاسع بين أغاني تلك المجموعة و "معرفتي فيك" لزياد الرحباني, و التي تم تنفيذها في زمن مقارب ل"دهب أيلول" تقنيا على الأقل!
و في عام 1983, جاءت "سوارة العروس" و برغم أستمرار الضغط على النوتات العالية, فأن النتيجة هذه المرة, برأيي أيضا, كانت أفضل من سابقتها بسبب حجم الشجن الكبير الذي تضمنه اللحن الأصلي, حتى جاء "بليل و شتي" و "يا رايح و البواب" بتوزيع رفيق حبيقة, و مع ضعف ظاهر في الكلمات, كي يكون الحكم موضوعيا, كانت النتيجة مخيبة للامال مرة أخرى, فلا وجه للمقارنة بين هذه الأغاني و أعمال فيلمون السابقة مع الرحابنة
و في النهاية, فأن فيروز في تلك المرحلة, قبل أن تستقر على التعامل مع زياد الرحباني, و الذي أتمنى عليه أن يعيد توزيع بعض هذه الألحان, قد أضطرت الى التعاون مع موسيقيين و موزعين كان جلّ همهم أن يستغلوا فرصة تعاملهم معها و يجيروها لصالحهم, فكانت المبالغة و الأستسهال, و ربما يكون ذلك هو السبب في أحتفاظها بالقصائد التي لحنها لها السنباطي قبل وفاته, والتي لم تر النور حتى الآن, حتى قيل أن توزيعات وليد غلمية, ثم توفيق الباشا لها لم ترض فيروز, و لم تكن بالمستوى المتوقع لألحان تجمع صوتها بأبداعات ملحن بقيمة و تأريخ رياض السنباطي, فهل يقدم زياد الرحباني يوما على الأضطلاع بهذه المهمة الصعبة, و يطلق الألحان من سجنها؟
بالتأكيد لو كان زياد قد تولى مهام توزيع أغاني فيروز في الفترة الممتدة بين 1980 و1994 لكانت ألحان فيلمون وهبة قد ظهرت للجمهور بجودة أعلى و مذاق أحلى, و هي على أي حال, لها عشاقها و متذوقيها حتى اليوم بالرغم من كل الهفوات التي رافقت تنفيذها, و صارت جزءا من أرشيف فيروز و ذاكرة الغناء العربي
عمر ذوابة - الأردن
|