GMT 13:00 2014 الإثنين 17 مارس GMT 22:01 2014 الإثنين 17 مارس  :آخر تحديث
المشهداني.. من عميد علماني إلى قائد وحدة إسلامية

طائفية المالكي ترغم ضباطًا على الارتماء في أحضان القاعدة

عبد الاله مجيد

حذر مراقبون من أن نهج المالكي الطائفي يدفع العرب السنة إلى خارج العملية السياسية، وهذا ما نحا بالعميد السابق في الجيش العراقي مصطفى المشهداني إلى الالتحاق بالقاعدة وقيادة مقاتلين فيها مجبرًا لانتفاء البدائل الوطنية الأخرى.


شهد العام الماضي تصاعد الاحتقان الطائفي في العراق، وارتفاع ضحايا العنف إلى مستويات قياسية كتلك التي بلغتها أيام الاحتلال الأميركي خلال الفترة الواقعة بين 2006 و2008. وتبيّن أرقام الأمم المتحدة أن 7818 مدنيًا على الأقل قُتلوا في العراق في العام الماضي، ويعتبر هذا أعلى رقم منذ مقتل 17956 عراقيًا في عام 2007.

يحذر خبراء من أن تفاقم الأزمة يهدد بإعادة العراق إلى تلك الفترة السوداء عندما كاد العنف الطائفي يمزّق وحدته. وتتبدى الأزمة بأسطع أشكالها في مدينة الفلوجة، التي تركت مقاومتها ذكريات مريرة لدى الجنود الأميركيين ممن كانوا يتمركزون فيها. 

واشنطن تدعم المالكي
حاول رئيس الوزراء نوري المالكي أن يصوّر انتفاضة الفلوجة ضد سياساته اليوم على أنها تمرد يقوده تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" بدعم من الخارج. ولاقت إدعاءاته استجابة من المسؤولين الأميركيين، فأرسلت واشنطن في كانون الأول/ديسمبر 75 صاروخًا من طراز هيل فاير، وهي أول شحنة من نوعها منذ رحيل جنودها عن العراق. وفي كانون الثاني/يناير طالبت إدارة أوباما الكونغرس بإرسال المزيد من السلاح إلى حكومة المالكي.

في الفلوجة نفسها يحمِّل العديد من السياسيين المالكي وسياساته الطائفية مسؤولية ما يجري. وعلى النقيض من الرواية الرسمية فإن العديد من سكان الفلوجة أكدوا في مقابلات معهم أن القوة الرئيسة، التي تسيطر على المدينة، ليست داعش، بل هم مقاتلو العشائر، الذين نفد صبرهم مع المالكي، فانفجرت انتفاضة مسلحة.

حذر مراقبون من أن الاحتقان الطائفي يمكن أن يؤدي إلى انقسام سياسي دائم، ويدفع العرب السنة إلى خارج العملية السياسية بكاملها، إذا استمر المالكي على نهجه الطائفي تجاههم. 

ونقلت صحيفة "وول ستريت" عن رافع العيساوي وزير  المالية السابق في حكومة المالكي، قبل أن يُعتقل أفراد حمايته بتهمة الإرهاب، قوله "إن الوضع ينذر ببداية حرب أهلية في العراق، إذا لم تتمكن الحكومة من إقناع المواطنين بالوقوف ضد تنظيم القاعدة". أضاف العيساوي أنه يعمل على تشجيع شيوخ عشائر الفلوجة على رفض القاعدة.

تشريد أهالي الأنبار
ومنذ فضّ الاعتصام السلمي في مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار بالقوة، وامتداد المواجهات المسلحة إلى الفلوجة ومناطق أخرى من المحافظة في أواخر العام الماضي، شُرّد نحو 400 ألف مواطن من أهالي الأنبار، بحسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

يصعب في الوقت الحاضر تقدير قوة داعش في مدينة الفلوجة، لكن المقابلات التي أُجريت مع مسؤولين محليين وشيوخ عشائر ومقاتلين مناوئين لحكومة المالكي تشير إلى عبء رئيس ناتج من القتال، ينهض به أبناء عشائر مستاؤون وموالون لنظام صدام حسين، غيّروا ولاءهم، مثل العميد مصطفى المشهداني، وإسلاميون محليون، لا يخرج جهادهم عن حدود العراق، بعكس تنظيم القاعدة. 

ويؤكد فلوجيون أن هدف الغالبية العظمى من المقاتلين محلي، لا يمت بصلة إلى أجندة القاعدة العالمية. ويرتبط هذا الهدف بمطالب المعتصمين، الذين بقي احتجاجهم سلميًا، سواء في الأنبار أو محافظات أخرى ذات غالبية سنية طوال العام الماضي.

يأتي في مقدمة هذه المطالب إنهاء التنفيذ الانتقائي لقانون مكافحة الإرهاب، الذي يستهدف الشباب السنة أساسًا، والإفراج عن المعتقلين من دون تهمة أو محاكمة، وتطبيق مبدأ المواطنة بلا تمييز، والكفّ عن استخدام قانون المساءلة والعدالة أو اجتثاث البعث لملاحقة خصوم المالكي السياسيين.
 
سياسات خاطئة
قال المحلل المتخصص في دراسة المخاطر السياسية كيرك سويل لصحيفة وول ستريت "إن ما فعله المالكي، وأسلوب عمل الأجهزة الأمنية، أوجد تأييدًا لتنظيم القاعدة". ويقدر سويل أن مقاتلي داعش يشكلون زهاء 20 في المئة من مجموع المقاتلين في الفلوجة. 

بينما يقول المالكي ومؤيدوه إن قانون مكافحة الإرهاب وقانون الاجتثاث ضروريان لمكافحة التطرف الإسلامي العالمي ومنع عودة البعثيين. وذهب علي الموسوي مستشار المالكي الإعلامي إلى "أن قانون اجتثاث البعث شمل أشخاصًا من الجانبين، ولعله يشمل الشيعة أكثر من السنة". واتهم الموسوي سياسيين في المناطق السنية بأنهم يقولون للمواطنين في هذه المناطق إن الحكومة تعاملهم معاملة ظالمة "كذريعة لإثارة المتاعب في العراق"، على حد تعبيره. 

واعترف الموسوي بتعاون ضباط في جيش صدام مع تنظيم القاعدة. كما ينتظم بعثيون سابقون في صفوف جيش رجال الطريقة النقشبندية الذي ينسق مع تنظيم القاعدة.

في الوقت الذي يقرّ سياسيون مؤيدون للمالكي بالمطالب المشروعة للمحتجين السنة، فإنهم يقولون إن جماعات، مثل داعش، استغلت الانقسامات الطائفية لتنفيذ أجندة إقليمية. وبحسب خالد الأسدي، عضو حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون، بزعامة المالكي، فإن محافظة الأنبار كانت ستُعلن إمارة إسلامية تحت سيطرة القاعدة، لولا قيام الحكومة بفضّ مخيمات الاحتجاج.

ورغم الاختلافات السياسية والعقائدية بين المقاتلين في الفلوجة، فإن غالبيتهم تتفق على منع جيش المالكي من دخول المدينة. وتركزت أسابيع من المفاوضات بين شيوخ عشائر تدعم المقاتلين وسياسيين من الأنبار تربطهم علاقات بحكومة المالكي على تحديد القوى الأمنية التي ستتولى في النهاية مسؤولية المدينة بدلًا من جيش المالكي.
 
يرى محللون أن الفلوجة قد تكون الفرصة الأخيرة المتاحة للمالكي، الذي يطمح إلى ولاية ثالثة، كي يؤكد قدرته على حماية شيعة العراق من تنظيم القاعدة. وقال الخبير المتخصص في شؤون العراق في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى مايكل نايتس "إن المالكي يحتاج أن يثبت أنه طهّر الفلوجة من تنظيم القاعدة بطريقة أو أخرى. ويتعيّن أن ينتهي هذا الوضع نهاية يمكن الركون إليها وإلا فإنه سيهدد بالمهانة مرة تلو أخرى".

علماني مع القاعدة!
ومع استمرار المواجهات، يجد علمانيون أنفسهم منقادين إلى العمل مع تنظيم القاعدة، ومن هؤلاء العميد مصطفى المشهداني، الذي قاتل في الحرب الإيرانية العراقية وحرب تحرير الكويت وضد قوات الاحتلال الأميركي. وما زال العميد المشهداني يفتخر بالجروح التي أُصيب بها في الحرب ضد إيران، التي يسميها "دولة الشر الفارسية". 

وبعد حل الجيش العراقي، بقرار من الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، عاد العميد المشهداني إلى أهله في مدينة الفلوجة. وجرب المشهداني حظه في وظائف مدنية. يقول العميد المشهداني إنه طلب إعادته إلى الخدمة بعد أربع سنوات على الغزو، ولكن طلبه وضباطا سنة آخرين رُفض بموجب قانون اجتثاث البعث.
 
يشير المشهداني إلى أن الحملات المتزايدة ضد السنة كانت القوة التي دفعته في النهاية إلى تغيير ولائه القومي. وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، وإثر إعلان المالكي أن ساحة الاعتصام تحوّلت مقرًا لتنظيم القاعدة، قُتل 12 محتجًا على الأقل برصاص قوات الأمن. 

بعد فترة وجيزة على ذلك، توجه العميد المشهداني مع ابنه إلى أحد مساجد الفلوجة، حيث كان متطرفون إسلاميون ينظمون صفوفهم ويوزّعون السلاح. وسرعان ما أصبح المشهداني قائد مجموعة تضم 60 رجلًا، غالبيتهم غير مدرّبين. وفي يوم تعيينه نفسه، وجد نفسه وجهًا لوجه مع الفرقة الأولى للجيش العراقي الذي خدم فيه. يقول المشهداني إنه أمر وحدته بالانسحاب، قائلًا لصحيفة وول ستريت "إن بعض زملائي القدامى يخدمون في هذه الفرقة".
 
ويرى العميد المشهداني أن وجود ما لا يقلّ عن 100 ضابط سابق في صفوف الإسلاميين صنع منهم قوة قتالية محترفة. وهو يؤكد أنه أقنع قادة القاعدة بالكفّ عن إطلاق الصواريخ من أحياء سكنية. يتذكر الضابط السابق في الجيش العراقي أنه وزملاءه من الضباط السابقين دخلوا في جدال مع قادة القاعدة لمنعهم من إعدام 14 جنديًا عراقيًا وقعوا في قبضة القاعدة، وأنه عمل للتأكد من تسليمهم بعهدة شيخ من شيوخ الفلوجة.

فصام شخصية
وقال العميد مصطفى المشهداني "أنا لا أُبالغ حين أقول إني أعيش حالة فصام في الشخصية. فأنا من جهة أرفض فكر القاعدة، ولكنني من الجهة الأخرى افتقد حياة الجيش، وأكره الحكومة التي تقود هذا الجيش". يعترف المشهداني بأن "الحظ العاثر" هو الذي ساقه إلى الالتحاق بصفوف القاعدة، لكنه وللمرة الأولى يتقاضى راتبًا قدره 1000 دولار في الشهر. وأعلن "اليوم سأثبت للمالكي ولكل من يرفض عودتي إلى الجيش، بأنني أستحق أن أكون قائدًا عسكريًا. أنا اليوم مع القاعدة بشكل مطلق". 
 
يقول خالد الدليمي القيادي في المجلس العسكري لعشائر الفلوجة، الذي تنضوي فيه الجماعات الرئيسة المناوئة لحكومة المالكي، إن العميد مصطفى المشهداني يتمتع الآن بشعبية واسعة بين المقاتلين الشباب، وهو يقود وحدة من 103 مقاتلين، جميعهم من أصول عشائرية مختلفة في إحدى الضواحي الجنوبية لمدينة الفلوجة.


في أخبار