توج استقبال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند&عاهل المغرب محمد السادس، في باريس، عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية بين البلدين بعد خلاف دام عامًا كاملاً بين البلدين. اتفق خلالها رئيسا البلدين على إطلاق "ديناميكية تعاون جديدة واثقة وطموحة بين فرنسا والمغرب.


إيلاف - متابعة: أصدرت الرئاسة الفرنسية، الاثنين، بلاغاً صحافيًا، أعلنت فيه تأكيد ملك المغرب محمد السادس والرئيس فرانسوا هولاند "عزم بلديهما على مكافحة الإرهاب سويًا، وعلى التعاون التام في مجال الأمن"، كما عبّرا عن "رغبتهما في إطلاق ديناميكية تعاون جديدة واثقة وطموحة بين فرنسا والمغرب. وأكد هولاند والعاهل المغربي، بحسب البلاغ، على قوة الشراكة الاستثنائية التي تربط بين المغرب وفرنسا، وأعلنا برنامجًا مكثفًا لزيارات وزارية بين البلدين للتحضير لاجتماع قريب رفيع المستوى بين الحكومتين.
&
ربيع جديد
وكان المغرب جمد التعاون القضائي والأمني مع فرنسا في 20 شباط/ فبراير الماضي، حين أقدمت الشرطة الفرنسية على استدعاء مدير المخابرات المغربية الداخلية عبد اللطيف الحموشي من مقر إقامة السفير المغربي في باريس، خلال زيارة رسمية، وذلك ليمثل أمام القضاء إثر تقديم شكوى ضده تتهمه بالتعذيب.
&
وعدّ أستاذ التعليم العالي في جامعة محمد الأول خالد شيات، أن الاستقبال الرسمي لملك المغرب من طرف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وطيّ صفحة الخلاف بين البلدين، هو الحالة الطبيعية في العلاقة بينهما، وأي شيء آخر يعدّ انقلابًا.
&
ورأى شيات، في تصريح لموقع عربي21، أن "الصداقة المغربية الفرنسية لا تخفى على أحد، غير أن هذه الصداقة يعتريها في مراحل معينة بعض الخلافات، سواء كانت ذات طبيعة سياسية أو ذات طبيعة اقتصادية، أو تكون ذات طابع ثقافي أحيانا".
&
وسجل الباحث في العلاقات الدولية، أن تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، عرف منذ استقلال المغرب محطات من الخلاف بين البلدين، مرتبطة أساسًا بطبيعة التوجهات السياسية التي تحكم فرنسا، وعند اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وكلما تعلق الأمر بالأزمات الاقتصادية التي تمر منها فرنسا وأوروبا بصفة عامة، وقد يكون مرتبطًا بدرجة قرب فرنسا من المغرب أو الجزائر في بعض الملفات.
&
حكم المصالح
وشدد شيات، لـ"عربي 21" على أن المغرب عرف تحولاً في تدبير ملف علاقاته الخارجية على نحو جديد، مشيرًا إلى أن ذلك ثبت من خلال موقف المغرب من مصر. وتابع قائلاً: "فالأمور التي كان المغرب يقبل بها سابقًا في علاقته مع فرنسا بدون مقابل، أصبح المغرب اليوم يبحث عن مصلحته، وأراد من فرنسا أن تفهم تطلعاته، فإن فرنسا التي أوقفت التعاون القضائي مع المغرب قبل عام، كانت عرضة لأحداث إرهابية عجلت بإعادة التعاون القضائي مع المغرب، والخلاصة أن العلاقات الدولية هي علاقات المخفي فيها أكبر بكثير من الظاهر".
&
خطوات المصالحة المغربية الفرنسية التي توجت بلقاء قمة، جمع الرئيس فرانسوا هولاند بالملك محمد السادس في قصر الإليزيه، مساء الاثنين، كانت قد سبقتها خطوة كبيرة، تمثلت في توقيع وزيرة العدل الفرنسية كريستيان توبيرا ونظيرها المغربي مصطفى الرميد في نهاية كانون الثاني/ يناير على اتفاق يسمح باستئناف التعاون القضائي بين البلدين، والذي قررت الرباط تعليقه بعد زيارة قامت بها الشرطة الفرنسية يوم 20 شباط/فبراير 2014 إلى مقر إقامة سفير المغرب في باريس لتسليم استدعاء من القضاء الفرنسي إلى رئيس جهاز مكافحة التجسس عبد اللطيف حموشي، المتهم بتعذيب معارضين مغاربة في قضية رفعتها منظمة "التحرك المسيحي لإلغاء التعذيب".
&
هذا الحادث الدبلوماسي الأول، اعتبرته الرباط، وكذا الخارجية الفرنسية، انتهاكاً لاتفاقيات فينا، وقد تخللت القضية سلسلة حوادث دبلوماسية أخرى مثل تفتيش وزير الخارجية المغربي في المطار، إضافة إلى تصريحات أخرى من مسؤولين فرنسيين عدّها المغرب مُهينة.
&
هذا، ورغم التوترات بين باريس والرباط، فإن التواصل بشأن القضايا الأمنية لم يتوقف تمامًا، خاصة أن من بين 38 ألف مقاتل أجنبي في العراق هناك حوالى 1400 فرنسي و1200 مغربي، علمًا بأن التحدّي الأول الآن في منطقة الساحل والصحراء هو أمني في مواجهة الجهاديين ومروّجي المخدرات.

إلى ذلك أعربت مصادر رسمية فرنسية عن «ارتياحها العميق» للتطورات الإيجابية التي شهدتها العلاقات الفرنسية - المغربية في الأيام الأخيرة، والتي كانت ذروتها اللقاء الذي ضم مساء أول أمس الرئيس فرنسوا هولاند والملك محمد السادس في قصر الإليزيه.

احتياج مشترك
وقالت هذه المصادر لصحيفة «الشرق الأوسط»: إن «ما يربط البلدين قوي ومتجذر، ولا خوف على علاقاتهما التي يحرص الطرفان على أن تكون صلبة». وتعتبر مصادر سياسية فرنسية، أن باريس والرباط «تحتاجان حقيقة بعضهما البعض، خصوصًا في هذه المرحلة»، المتميزة من جهة بتصاعد التهديدات الإرهابية على الأراضي الفرنسية، أو ضد المصالح الفرنسية في الخارج من جهة أخرى. وقد برز هذا الجانب الأساسي في البيان الذي صدر من قصر الإليزيه.

وكان المسؤولون الأمنيون في فرنسا قد دأبوا منذ أشهر على التحذير من وصول الإرهاب إلى داخل الأراضي الفرنسية، وبعد العملية الإرهابية التي قام بها الأخوان كواشي ضد مقر مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة، وتلك التي نفذها أحمدي كوليبالي ضد متجر يهودي على المدخل الشرقي لباريس، جعلت فرنسا محاربة «التحدي الإرهابي» على رأس أولوياتها الوطنية. وبالطبع، فإن باريس تعتمد بالدرجة الأولى على أجهزتها الأمنية التي تقوم بعمليات أمنية استباقية ضد ما تعتبره «خلايا» ضالعة بشكل أو بآخر في تنظيمات جهادية مسلحة في سوريا والعراق.

تعاون استخباري
لكن باريس تريد أيضًا التركيز مع الدول الشريكة، ومنها المغرب، على الحصول على المعلومات الاستخبارية التي تمكنها من «تحييد» أي مجموعة جهادية. وبموازاة ذلك، تريد من الدول الشريكة والصديقة ومنها المغرب، أن تساعدها على بث روح الإسلام السمح والبعيد عن أي تعصب، والقابل بقيم الجمهورية الفرنسية.

وبعد جفاء دام نحو العام، تريد باريس والرباط أن تعود المياه بينهما إلى مجاريها، وهو الأمر الذي برز من خلال بيان الإليزيه الذي جاء فيه أن الرئيس الفرنسي وملك المغرب أعربا عن رغبتهما في «إطلاق دينامية تعاون جديدة تتميز بالثقة والطموح». وبالطبع فإن هذا التعاون لن ينحصر فقط في المجال القضائي، الذي أوقفه المغرب نحو العام احتجاجًا على ما اعتبره بادرات «غير ودية» من الجانب الفرنسي خلال العام الماضي، بل سيكون أشمل من ذلك، إذ سيتناول كل الميادين السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية.

الجدير بالذكر، أن الطرفين أعادا العمل بالتعاون القضائي في الأول من الشهر الحالي، وذلك بعد يومين من المناقشات المكثفة بين وزيري العدل في البلدين، وهو الأمر الذي ترجم بإعادة قاضيي الاتصال المغربي والفرنسي إلى عملهما السابق. ورأى البيان أن الاتفاق الجديد الذي وقع بين الطرفين في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي من شأنه أن يجعل التعاون الأمني الجديد «أكثر فعالية».

تفعيل صداقة
وبعد تسوية المشكلات العالقة بينهما، كان من الطبيعي أن يعود الطرفان إلى الحديث مجددًا عن «الشراكة الاستثنائية» التي تربطهما، ولإعطائها مضمونًا رسميًا ملموسًا، فقد كشف عن برنامج لزيارات رسمية متبادلة. وبحسب مصادر الإليزيه، فإن الغرض من تكثيف الزيارات هو التحضير لاجتماع حكومي مشترك، بحضور رئيسي حكومتي البلدين مانويل فالس وعبد الإله بنكيران، ويفترض أن يلتئم في الصيف المقبل.

ونقل موقع «أطلس أنفو» الإخباري الفرنسي، أن الرئيس هولاند والملك محمد السادس عقدا لقاء مغلقًا دام ساعة كاملة، وأن «جو اللقاء تميز بالحرارة والصداقة». وبحسب بالموقع، فإن عودة الحرارة إلى علاقات البلدين جاءت نتيجة رغبة قائدي الدولتين في قلب صفحة الخلافات، التي أرجعتها مصادر فرنسية إلى «سوء فهم» أو «سوء تقدير». الجدير بالذكر، أن باريس عملت على أكثر من مستوى لإعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين، وأرسلت جملة إشارات إلى الرباط عبر مسؤولين فرنسيين، ولكن أيضا عبر وسطاء لإعادة المياه إلى مجاريها. لكن اصطدمت هذه المبادرات برغبة المغرب في أن يطمئن إلى عدم تكرار ما حصل في العام الماضي، والذي كان سبب الفرقة بين الطرفين. ويريد الجانبان العمل معًا لتعميق التفاهم، واستعادة ما كان بين البلدين من تعاون سياسي واقتصادي.

وقالت مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط»، إنه «ليس صحيحًا» أن باريس سعت أو تسعى إلى أن تحل العلاقات الفرنسية - الجزائرية مكان العلاقات الفرنسية - المغربية. والصحيح أن باريس تريد علاقات جيدة مع كل شركائها في المنطقة المغاربية والعربية والمتوسطية لأنها المنطقة «الأقرب» الى فرنسا جغرافيًا، وتربطها بها علاقات تاريخية ضاربة في القدم.