بيروت: انتهى وجود تنظيم داعش في الرقة بعد معارك ضارية، ليترك خلفه مدينة من الركام مزروعة بالألغام من دون بنى تحتية أو ماء أو كهرباء.

وتتوقع الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية أن يتطلب تنظيف الرقة وإعادة إعمارها جهوداً ضخمة، وشهوراً عدة قبل أن تعود الحياة إليها.

وتسيطر مشاهد الدمار على أحياء المدينة كافة: أبنية مدمرة بالكامل أو أخرى انهار سقفها او خلعت أبوابها، فيما تحولت حارات عدة بأكملها الى أنقاض، فلم يعد من الممكن التفريق بين منزل ومتجر. وانتشرت جبال من الركام في كل مكان: حجارة وأنابيب وأسلاك.

وقدرت الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي أن 80 في المئة من مساحة الرقة باتت غير قابلة للسكن، وتعاني المدينة حالياً من غياب كامل للبنية التحتية الأساسية.

وتقول المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ليندا طوم لوكالة فرانس برس "خلال الأشهر الماضية، تحدثت مصادر محلية (...) عن نقص في الغذاء والدواء والكهرباء والمياه النظيفة والحاجات الأساسية".

واشارت طوم إلى "أمراض تنقلها المياه او الجثث غير المدفونة، ما يشكل خطراً كبيراً على الصحة العامة".

وتغيب المياه عن الرقة منذ أشهر عدة، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الآبار للاستخدام قبل بدء الهجوم الأخير على المدينة في الاسبوع الذي سبق اعلان قوات سوريا الديموقراطية (تحالف فصائل كردية وعربية مدعوم من واشنطن) السيطرة الكاملة عليها في 17 اكتوبر.

ولا يوجد تيار كهربائي في المدينة نتيجة الأضرار التي طالت شبكة الإمدادات، ولا وقود لتغذية المولدات التي كانت في مرحلة ما بديلاً عن الكهرباء وإن لساعتين فقط يومياً.

يضاف إلى ذلك كله انعدام وجود مرافق صحية، عدا عن المدراس المغلقة منذ فترة طويلة، وفق المنظمات الإنسانية.

وقالت منظمة "سايف ذي شيلدرن" في بيان أخيرًا "ستكون هناك حاجة لاستثمارات كبيرة لإعادة إعمار منازل المدينة المدمرة والمنشآت الصحية والمدارس، ولإزالة الألغام قبل أن يتمكن السكان من العودة بأمان إلى منازلهم".

أكبر من أي وقت مضى

وقالت مديرة المنظمة في سوريا سونيا خوش في البيان إن الأزمة الإنسانية في الرقة "أكبر من أي وقت مضى".

وكان عدد سكان الرقة قبل بدء النزاع في سوريا في مارس العام 2011 نحو 220 ألف نسمة، وزاد العدد لاحقاً نتيجة حركة النزوح الكبيرة بسبب المعارك في البلاد. وبلغ عدد السكان في إحدى المراحل حوالى 300 ألف، بينهم نحو 80 ألفاً من النازحين وآلاف الجهاديين مع عائلاتهم.

ولكن المدينة خلت تدريجياً من السكان، وبينهم من فرّ من حكم تنظيم داعش وعشرات الآلاف ممن فروا من المعارك مع اقتراب قوات سوريا الديموقراطية منها ثم دخولها إليها في السادس من يونيو.

ولا يستطيع سكان الرقة العودة إلى منازلهم حتى إزالة الالغام الكثيفة التي زرعها تنظيم داعش.

وحذرت قوات سوريا الديموقراطية السكان من العودة إلى المدينة قبل انتهاء عمليات التمشيط وإزالة الالغام منها.

ومن المفترض أن يتولى مجلس الرقة المدني الذي يضم وجهاء من أبرز عشائر الرقة وأنشىء في أبريل الماضي لإدارة المدينة وريفها، ملف تحويل الرقة مجدداً الى مدينة قابلة للسكن. وقد قسّم المجلس المدينة إلى أجزاء على أن يبدأ بالعمل من أطراف المدينة إلى داخلها.

ويقول رئيس لجنة إعادة الإعمار في المجلس إبراهيم الحسن لفرانس برس "إزالة الألغام تحد كبير بالنسبة لنا. لا نستطيع القيام بأي عمل قبل نزعها من المنطقة".

ويضيف "إزالة الألغام أولاً، ثم رفع الأنقاض والنفايات، فإعادة تأهيل شبكات المياة والكهرباء والصحة والمدارس. هذه هي الأولويات الأساسية".

وستكون تكلفة إعادة الإعمار عالية جداً.

سريعة الأثر

وتعهد الاتحاد الاوروبي، وفق مجلس الرقة المدني، بتقديم 3,5 ملايين دولار لعمليات إزالة الألغام. كما تعهد التحالف الدولي بقيادة واشنطن "بمشاريع قصيرة المدى وسريعة الأثر".

ويقول عاملون في المجال الإنساني إن الاجتماعات بين الممولين والمسؤولين المحليين والمنظمات غير الحكومية متواصلة، لكن لم يتم حتى الآن تحديد الكلفة النهائية لإعادة الإعمار. وليس واضحاً حتى الآن من هي الجهة التي ستتولى تأمين الجزء الأكبر.

خلال الايام الماضية، اعلن مسؤولون أكراد ان وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان زار الرقة برفقة ممثل التحالف الدولي بريت ماكغورك والتقى شخصيات كردية، في مؤشر واضح على الاهتمام السعودي بعملية إعادة الاعمار.

لكن المدير المسؤول بالوكالة عن الملف السوري في منظمة "ميرسي كور" آرنولد كومان يعبر عن "الخشية من أن يحيد اهتمام المجتمع الدولي (عن الرقة) فور انتهاء العمليات العسكرية".

ويضيف "يعد انتهاء المعركة اللحظة الاكثر سوءاً في الأزمة، وهناك حاجة لبعض الوقت قبل أن نشهد أي تحسينات".