عدنان حسين
خلال زيارته الأخيرة إلى طهران، تلقى رئيس البرلمان العراقي محمود الهاشمي «نصيحة» من نظيره الإيراني علي لاريجاني، والرئيس محمود أحمدي نجاد بعدم التوقيع على الاتفاقية العسكرية- الأمنية المقترحة بين بغداد وواشنطن. وهذه النصيحة كان قد استمع إليها من قبل في طهران أيضا، رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في أثناء مقابلته المرشد الإيراني علي خامنئي وسائر أعضاء القيادة في النظام الإيراني.
الناصحون الإيرانيون لا يريدون للعراق أن يوقع الاتفاقية التي بلغت المفاوضات بشأنها وصياغة نصوصها المرحلة النهائية، لكنهم لا يقترحون بديلا للاتفاقية، وهذا البديل لا مفرّ منه، فمن دونه، أو من دون الاتفاقية المعنية، سيواجه العراق فوضى عارمة وحربا، بل مجموعة حروب، أهلية طائفية- قومية- قبلية- مناطقية- حزبية.
يقول الناصحون الإيرانيون إنه ستكون للاتفاقية العراقية- الأميركية، إذا ما وُقّعت ودخلت حيز العمل، «تبعات سلبية على سيادة العراق وسائر دول المنطقة»، وهذا كلام سليم في ظاهره، لكن تبعات عدم التوقيع على الاتفاقية ستكون أكثر سلبية على سيادة العراق ودول المنطقة الأخرى. فمع وجود أكثر من 100 ألف جندي أجنبي مدججين بأفتك أنواع الأسلحة لم يزل العراقيون يعانون من أعمال الإرهاب التي تفتك بأرواح العشرات منهم يوميا، وتُلحق الأضرار الفادحة في الممتلكات الخاصة والعامة، ولم يزل العراق يعاني من التدخلات الخارجية، وبالذات الإيرانية، في شؤونه الداخلية، وهي تدخلات غير حميدة، فالكميات الكبيرة من الأموال والأسلحة التي تُهرّب من دول الجوار، وبخاصة إيران، إلى الميليشات والجماعات والعصابات المسلحة، تؤثر تأثيرا سلبيا كبيرا في الحياة السياسية والاجتماعية وتحول دون استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية، ودون انطلاق عملية إعادة الإعمار.
العراقيون ليسوا راغبين في أي وجود عسكري أجنبي في بلادهم، لكن وجود القوات الأميركية والحليفة لم يكن بدعوة، أو رغبة منهم.. كان نظام صدام حسين هو المسؤول عن كل ما قاد إلى هذا الوجود. ولاحقا كانت دول الجوار، وأولاها إيران، هي السبب الرئيس في بقاء العراق في حاجة ماسة إلى القوات الأجنبية لحفظ أرواح مواطنيه وممتلكاتهم، ولدرء تعديات الجيران على سيادته. ولو كانت دول الجوار، وبالذات إيران، ومعها حليفتها سورية، قد ساعدت النظام العراقي الجديد على فرض الأمن وإحلال سلطة القانون بدلا من مساعدتهما أعداء هذا النظام من بعثيين وقاعديين، ما كان للعراق أن يحتاج إلى وجود قوات أجنبية على أرضه، وإلى عقد اتفاقية لتنظيم هذا الوجود وتقنينه.
النصيحة الإيرانية المقدمة إلى كبار المسؤولين في النظام العراقي هي نصيحة سوداء في الواقع، فأصحابها لا يشغلهم كيف ستكون أوضاع العراق من دون الاتفاقية المقترحة.. إنهم مشغولون فقط بخروج القوات الأجنبية من أجل أن تعمّ الفوضى العراق فيستغلونها لاجتياحه بداعي تأثيرات هذه الفوضى وتبعاتها السلبية على أمنهم وسيادتهم.