الاعتراف بالخطأ فضيلة.. ولكن!
الإسبوعية العراقية
GMT 1:15:00 2008 الثلائاء 11 نوفمبر
محمد عبد الجبار الشبوط
بعد خمس سنوات من انطلاقة العملية السياسية في العراق، يعترف احد اهم رموزها، وهو رئيس الوزراء والامين العام لحزب الدعوة الاسلامية، نوري المالكي، بالثغرات الكبيرة التي رافقتها.
اولى هذه الثغرات ان الدستور كتب على عجل.. وثاني هذه الثغرات ان المحاصصة بلغت ذروتها، خاصة اثناء كتابة الدستور، رغم انها »تعطل حركة الدولة وتجمد الطاقات« وثالث هذه الثغرات عدم وجود توافق على شكل الدولة، رغم كتابة الدستور، ورابع هذه الثغرات ان الدستور يحتوي على العديد من النصوص »الغائمة وغير الواضحة«.
ليست هذه ثغرات في كتاب او مقال، انما هي ثغرات في دستور وعملية سياسية وبناء دولة وتشكيل حكومة، ولذلك كان ثمنها باهظا، لم يدفعه الذين ارتكبوها، انما دفعه الفقراء والمساكين من العراقيين، بل دفعه العراق الذي جرته المحاصصة الى حرب اهلية راح ضحيتها عشرات الالاف من القتلى وملايين النازحين والمهاجرين.
وثمرة هذا الاعتراف برأي المالكي هي مراجعة الدستور، وهو مطلب قديم للعراقيين السنة الذين شاركوا في الاستفتاء عليه مقابل صفقة او مادة اضيفت على عجل تدعو الى تعديله خلال جدول زمني فات اوانه منذ زمن طويل. ونعرف ان المالكي كان مشاركا في لجنة كتابة الدستور، اسوة بغيره من اعضاء الكتل السياسية الحاكمة الان في العراق.
لا جديد في هذا الاعتراف، ولا في تشخيص هذه الثغرات. فقد تنادى اصحاب الفكر الحصيف والرأي المستقل في العراق الى التحذير من المحاصصة والتوافقات منذ تشكيل مجلس الحكم على يد الحاكم الامريكي بريمر، لكن الاحزاب التي كانت مندفعة بقوة الى السلطة، لم تكن تسمع التحذيرات، ولم تكن تنظر الى المستقبل، حيث شغلتها عن ذلك اللحظة الراهنة آنذاك بمكاسبها العاجلة، التي تمثلت بمناصب تم ملؤها بغير حساب، وثروات تم الاستيلاء عليها بلا رقيب. كما تنادوا الى الكشف عن ثغرات الدستور، وعيبوبه، ودعوا الى معالجتها قبل ان تصبح هي المشكلة بدل ان تكون هي الحل. وها نحن بعد مرور اقل من خمس سنوات على المصادقة على الدستور، نتحدث عن مراجعته، وكأن الذين كتبوه لم يكونوا يملكون المؤهلات المعرفية الدستورية والقانونية والسياسية التي تؤهلهم لاكتشاف ثغراته اثناء كتابته، وقبل عرضه على الاستفتاء، وكأنهم كانوا بحاجة الى ثلاث سنوات لكي يكتشفوا ذلك.
ليست الدساتير نصوصا مقدسة، لكنها تمثل المرجعية العليا للدولة والمجتمع، وليس من الصائب ان تضع دستورا تحتاج الى مراجعته بعد ثلاث سنوات، حيث ان ذلك يحوله الى مجرد قانون لا يملك علوية النص الدستوري المفترضة بالدستور.
مع ذلك، يمكن التمسك بالقول بان الاعتراف بالخطأ فضيلة. لكنها فضيلة نرجو ان تكون مستندة الى رؤية معرفية عميقة، اكتسبت من خلال التجربة والاطلاع، وان تكون منطلقة من رؤية اسلم الى المستقبل، وليست انعكاسا لخلاف سياسي راهن بين هذا الطرف او ذاك.
- رئيس تحرير مجلة " الاسبوعية " العراقية