ثلاثة مجالس لإدارة العراق في مرحلة انتقالية ثانية
محمد عبد الجبار الشبوط
قد يكون من الصعب على الطبقة السياسية العراقية الانتقال الفوري من المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية (او الديموقرطية التوافقية) إلى الديموقراطية العددية او التعددية. ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة منها تعوّد قادة هذه الطبقة على أسلوب المحاصصة منذ كان اغلبهم قادة المعارضة في الخارج التي وضعت أساس المحاصصة في مؤتمر صلاح الدين عام 1992، وعدم تشرب هؤلاء بمبادئ الديموقراطية، او ربما عدم ايمان البعض منهم بها، اضافة إلى هشاشة الثقة بين المكونات العرقية والمذهبية الكبرى في العراق (عرب، كرد، شيعة، سنة)، ثم في الترسخ المؤسساتي لهذا النظام منذ تشكيل مجلس الحكم في عام 2003 والوزارات العراقية منذ ذلك الحين.
قد تنفع الدعوات المتتالية إلى نبذ المحاصصة في تشكيل وعي سياسي مضاد وأجواء اجتماعية رافضة لها، لكنها لا تكفي بطبيعة الحال لانجاز التحول اذا لم تقترن بارادة سياسية لدى الفاعلين الأساسيين من جهة، واذا لم يتم رسم خارطة طريق للخروج منها، من جهة ثانية.
كما ان استقالات الوزراء من الحكومة كطريقة لاطلاق يد رئيس الوزراء باختيار بدلاء من خارج نظام المحاصصة، كما حصل في استقالة وزراء الكتلة الصدرية، لم تنفع، حيث تقدمت كتلة الائتلاف لتفرض نفسها وريثة للكتلة الصدرية، وتولت حقائبها الشاغرة على نفس الطريقة.
ويتطلب الانتقال التدريجي حصول توافق وطني على ذلك اصلا، مشفوعا بتوافق وطني آخر على ضرورة بناء الدولة الحديثة على أساس المواطنة والتعايش والديموقراطية، اضافة إلى إلغاء مبدأ الاستحقاق الانتخابي الذي ابتدعته الطبقة السياسية، والذي اعطى كل حزب سياسي الحق في تولي مناصب في الدولة تتناسب مع عدد المقاعد التي حصل عليها في البرلمان، ما يعني ان كل الكتل البرلمانية كانت تشارك في الحكم، من جهة، وان هذه الكتل لم تكن تقبل البقاء خارج الحكومة، كقوى معارضة لها، حسب الثنائية التي تقوم عليها الانظمة الديموقراطية، اي ثنائية حكومة/معارضة، من جهة ثانية.
هذا اضافة إلى اجراء تعديلات دستورية ذات علاقة مباشرة بالانتقال، مثل النص على وجوب ان يكون لرئيس الجمهورية نائبان، بحيث يشكل الثلاثة »مجلس الرئاسة«، (المادة 138)، وان يكون لرئيس الوزراء نائبان ايضا (المادة 139). وقد سار البرلمان على هذا المنوال، فتم تعيين نائبين للرئيس. وفي كل من هذه الحالات الثلاث، جرى تقسيم المواقع بموجب ترويكا تتألف من »كردي-شيعي-سني«
ومن الممكن، مراعاة لهذه الظروف، افتراض مرحلة انتقالية ثانية، تبدأ بعد الانتخابات التشريعية المقبلة نهاية عام 2009، يتم خلالها تطبيق الديموقراطية التعددية في مجلس النواب، والديموقراطية التوافقية في مجلس التوافق، والفصل بين السياسة والإدارة في تشكيل الحكومة واختيار القيادات الادارية للبلد، وذلك وفق المنظور التالي:
أولا: مجلس النواب:
مجلس النواب هو مكان تطبيق الديموقراطية التعددية، وساحة المنافسة السياسية بين الأحزاب والشخصيات العامة المستقلة.
يُشكَّل هذا المجلس على أساس الديموقراطية التعددية، ويتم انتخابه على أساس الدوائر، كل محافظة تشكل دائرة انتخابية، (بنفس نسبة التمثيل التي يحددها الدستورالحالي) الترشيح الفردي.
تقول المادة (49) اولا: »يتكون مجلس النواب من عدد من الاعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة الف نسمة من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي باكمله، يتم انتخابهم بطريق الاقتراع العام السري المباشر، ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه«.
في هذه الخطة الانتقالية، يقوم مجلس النواب على أساس الديموقراطية العددية فقط، اي تمثيل المواطنين، بموجب النسبة المقررة في المادة اعلاه.
ومن اجل ضمان ذلك، يتعين ان يشرع قانون للأحزاب وآخر للانتخابات، يضمن ان تكون الانتخابات وطنية، عن طريق منع مشاركة »الأحزاب المغلقة« فيها. و»الأحزاب المغلقة« هي التي تتكون عضويتها، وقاعدتها الانتخابية وامتدادها الجغرافي، وتحالفاتها السياسية، محصورة بمكون عرقي او طائفي واحد، في مقابل »الأحزاب الوطنية« التي تكون عضويتها وقاعدتها الانتخابية وانتشارها الجغرافي وتحالفاتها السياسية عابرة للخطوط المذهبية او العرقية.
لكن ينبغي الالتفات إلى حالة الاقليات الصغيرة جدا، والتي يخشى ألا يصل ممثلون عنها إلى البرلمان، ويجب ان يلحظ قانون الانتخابات هذه الحالة، من اجل ضمان تمثيلها. ولا تشمل هذه الفقرة المكونات الثلاثة السنة والشيعة والكرد.
من الممكن ان يفتح هذا التحول الطريق امام قيام كتل برلمانية على أساس سياسي، وليس على أساس عرقي او مذهبي، وقد تكون هذه الكتل مختلطة من الناحية العرقية والمذهبية.
كما هي الحال الآن، ينتخب البرلمان رئيس الجمهورية من بين اعضائه او من خارجه.
ثانيا: »مجلس التوافق«:
هنا تمارس الديموقراطية التوافقية لحين الانتقال الكامل إلى الديموقراطية العددية. هنا يصنع القرار الوطني على أساس التوافق، في المسائل التي سوف تشخص لاحقا على انها بحاجة إلى قرار وطني توافقي، كما لو قيل ان الاتفاقية الامنية مع الولايات المتحدة بحاجة إلى قرار وطني توافقي.
لا يتمتع هذا المجلس بصلاحيات تشريعية تتقاطع مع اختصاصات مجلس النواب، ولا صلاحيات تنفيذية تتقاطع مع اختصاصات مجلس الوزراء.
ثمة ثلاث طرق لتشكيله:
الطريقة الاولى: وهي الطريقة التي طبقت في تشكيل المجلس السياسي للامن الوطني، الذي اصبح مكان اتخاذ القرار الوطني التوافقي.
الطريقة الثانية: ان يتألف من ممثلي المكونات، بعد ان يتم تعريفها، وبعد ان يتم تحديد طريقة اختيارهم.
الطريقة الثالثة: الانتخاب على أساس المحافظات، لكل محافظة عدد مساو من الممثلين. ضمنا سوف يكون ممثلو المحافظات ممثلين لمكوناتها.
ومن اجل ضمان تمثيل المكونات الصغيرة (عدا الكرد والشيعة والسنة) يجب وضع آلية لتمثيل هذه المكونات بعد تعريفها.
ليس هذا المجلس بديلا عن مجلس الاتحاد المذكور في المادة 65 من الدستورالدائم.
ثالثا: مجلس الوزراء: الإدارة التكنوقراطية:
يتم تشكيل مجلس الوزراء على أساس المواطنة والكفاءة لكي يتم تحريره من محددات وقيود التمثيل السياسي او الطائفي اوالعرقي.
يرأسه شخص ترشحه الكتلة البرلمانية الاكبر (الكتلة السياسية وليس الكتلة الطائفية او القومية)، بحسب الآلية التي ينص عليها الدستور الدائم حاليا، ولا يشترط ان يكون من داخل مجلس النواب.
يتم اختيار الوزراء على أساس الخبرة والاختصاص والكفاءة والنزاهة والمقدرة القيادية، من خارج البرلمان من المؤهلين المستقلين.
ملاحظة: يجري العمل بهذه الآلية لدورة انتخابية واحدة، يتم في نهايتها تقييم الوضع، واتخاذ خطوات اخرى باتجاه الإلغاء الكامل للمحاصصة وتطبيق الديموقراطية العددية. بما في ذلك، على سبيل المثال، انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب المباشر.
خلاصة
تقوم خارطة الطريق هذه على المبادئ التالية:
اولا: التمثيل العددي للمواطنين في مجلس النواب، الذي يكون ساحة المنافسة الديموقراطية بين الأحزاب السياسية.
ثانيا: يصنع القرار التوافقي الوطني، بعد تعريفه وتشخيص موضوعاته، في مجلس التوافق.
ثالثا: الفصل بين الجانب السياسي والجانب الاداري في تشكيل الحكومة، التي تتألف من تكنوقراط مستقلين، وليس ممثلي أحزاب او مكونات.
رابعا: إلغاء الاستحقاق الانتخابي، وقبول قيام معارضة رسمية في مجلس النواب. يمكن محاكاة النموذج البريطاني بتشكيل حكومة ظل.
خامسا: هدف الخارطة، في نهاية الطريق، اعتماد الديموقراطية التعددية، وإلغاء المحاصصة التوافقية (الحزبية والعرقية والمذهبية).
- رئيس تحرير مجلة "الاسبوعية" العراقية