استقالة المشهداني او اقالته
الوطن الكويتية
GMT 2:45:00 2008 الأربعاء 24 ديسمبر
محمد عبد الجبار الشبوط
يكشف الجدل الدائر في العراق الان بصدد اقالة محمود المشهداني، رئيس مجلس النواب فيه، عن طبيعة الديمقراطية العراقية. ففي هذه الديمقراطية يسهل الوصول الى المناصب العليا، لكن يصعب الخروج منها.
يسهل الوصول الى المناصب العليا بالمعنى النسبي للكلمة طبعا. فمع ان المسؤولين العراقيين الكبار "منتخبون"، لكنهم وصلوا في الحقيقة بموجب نظام المحاصصة، وليس بموجب عملية انتخاب صحيحة خالية من الشوائب. فلم يجتمع مجلس النواب، لينتخب في جلسة واحدة اعضاء الرئاسات الثلاث، الجمهورية والحكومة والبرلمان، الا بعد ان تم التوصل الى تسويات توافقية على اساس المحاصصة العرقية والمذهبية والحزبية خارج قاعة البرلمان. ولم يكن على النواب سوى المصادقة على ما توافق عليه امراء المحاصصة.
بهذا المعنى النسبي، يصعب بعد ذلك اقالة هؤلاء المسؤولين "المنتخبين". لدينا تجربتان حتى الان في هذا المجال. الاولى، حدثت يوم رشحت كتلة الاتئلاف العراقي الشيعية، بوصفها الكتلة الاكبر في البرلمان، وصاحبة حق الترشيح لمنصب رئيس الحكومة، رئيس الوزراء انذاك ابراهيم الجعفري لولاية ثانية. لم تكن الكتل الاخرى (خاصة الكردية والسنية) راضية عن هذا الترشيح، بسبب تجاربها المرة مع الجعفري اثناء فترة تولية الوزارة. وعبثا حاولت هذه الكتل اقناع الجعفري بعدم قبول الترشيح، كما حاولت عبثا اقناع الاتئلاف بسحب ترشيحه الامر الذي اوصل البلاد الى انسداد في الافق السياسي، لم يفتحه سوى تدخل المرجع الديني على السيستاني، الذي اوصل رسالته الى رجال الائتلاف بضرورة سحب ترشيح الجعفري، وترشيح رجل اخر، على ان يكون من نفس الانتماء السياسي للجعفري، فتم ترشيح نوري المالكي. وبهذا فقط عادت عجلة العملية السياسية الى الدوران مرة اخرى.
التجربة الثانية حصلت يوم قرر البرلمان، بطريقة التصويت العددي، اقالة رئيسه المشهداني. لكن سرعان ما تراجع البرلمان عن هذا القرار، لأن الديمقراطية العراقية لا تعمل بالتصويت العددي، انما بتوافق المكونات، وعاد المشهداني الى منصة الرئاسة مرة اخرى.
يعيش العراق هذه الايام اجواء تجربة اقالة جديدة، بطلها ايضا محمود المشهداني، الذي كثرت سيئاته، وضاق زملاؤه ذرعا به، وقررت غالبية منهم انه حان وقت رحيله. واسهل طريق للرحيل هو الاستقالة، لكن المشهداني يرفض ذلك، واذن لا بد من اللجوء الى الطريق الثاني وهو الاقالة، الذي قد يكون علاجا مكلفا ومؤلما في نفس الوقت.
قد لا يدري الكثير من السياسيين العراقيين ان جوهر الديمقراطية لا يكمن فقط في انتخاب المسؤولين، وانما في القدرة على اقالتهم و التخلص منهم ايضا، بدون اراقة دماء او انقلابات عسكرية، او جروح اضافية. وقد يكون من المفيد لهم ان يتأملوا بقول كارل بوبر (1902-1994):"اهم شيء في كل اشكال الحكومة، هو قدرتنا على اقالة الحكومة دون اراقة دماء، قبل ان تتولى حكومة اخرى زمام الحكم"، وان يقوموا بتطبيقه على كل المواقع التي احتلها مسؤولون "منتخبون" على الطريقة العراقية. فان تولي المنصب عن طريق الانتخاب، حتى لو كان عراقيا، لا يعطي صاحبه حصانة ضد الاقالة، ولا يمنحه حقا ابديا بالبقاء فيه.