|
عدنان حسين
بالقطع والتأكيد لم يُقتل كامل شياع، المسؤول في وزارة الثقافة العراقية، بناء على هويته الدينية أو الطائفية، فالذين قتلوه والذين حرضّوهم واستأجروهم لقتله وسط بغداد السبت الماضي لا بدّ أنهم حديثو المعرفة به ولا بدّ أنهم لا يعرفون شيئا عن دينه أو مذهبه. فنحن، معارفه وأصدقاؤه، لم نعرف ما هو دينه أو مذهبه.
بدأت أقرأ له منذ نحو عشرين سنة.. كان ملفتا في كتاباته الرصينة العميقة بلغتها الجميلة، ومنذ اكثر من عشر سنوات تعرّفت اليه شخصيا في لندن، والتقيته بعد ذلك مرات عدة في لندن وبغداد.. بعض اللقاءات التي جمعت اصدقاء مشتركين أكلنا خلالها وشربنا وانطلقنا في الأحاديث الجادة والمرحة، ولم يحصل في أي من تلك اللقاءات أن أعطاني أيما انطباع بأنه من ديانة محددة أو مذهب معيّن. اسمه عراقي صميم، تجده بين المسلمين، الشيعة والسنة على السواء، وبين المسيحيين والصابئة المندائية واليهود كذلك.
كتاباته لم تخف نمط تفكيره الماركسي، لكنني لم أعرف أنه كان عضوا في الحزب الشيوعي العراقي إلا عندما نعاه الحزب بعد مقتله. فهو لم يكن من النوع الذي يتبجح بانتمائه او يتعصب لرأيه وموقفه. وعلاوة على هذا كان بالغ التهذيب.. هادئ الطبع.. مثقفا موسوعيا مبدعا.. مفكرا مهموما بقضايا الفلسفة والثقافة.. ووطنيا من أرفع طراز.
الذين قتلوه ربما أقدموا على فعلتهم لهذه الأسباب بالذات.. فأن يكون المرء مثقفا مرموقا ومسؤولا كبيرا في وزارة للثقافة وهو غير طائفي في زمن الطائفيات والمذهبيات. هذه جريمة لا تُغتفر في نظر الطائفيين.
وكامل شياع ايضا، كما يعرفه معارفه، شخص نزيه وأمين ومخلص، وأجزم أن يده لم تمتد الى فلس واحد حرام، وهذا بالطبع سبب كاف، هو الآخر، لقتله في زمن تمتلئ الوزارات العراقية بالمسؤولين الفاسدين والمفسدين، بمن فيهم وزراء.
لم يحمل كامل شياع ضغينة لأحد، وفي آخر لقاء معه سألته كيف يضمن أمنه الشخصي في بغداد؟ فأكد أنه لم يعمل أي ترتيبات خاصة، وأنه لا يحب ان يحاط بالحراس لأنه -كما قال- لا يظن أنه مستهدف من أحد.
كان يمكن لكامل شياع أن يعيش عشرين أو ثلاثين سنة أخرى، ولو حصل هذا لأغنى كامل الثقافة العراقية بمؤلفات وأعمال ونشاطات ذات قيمة فائقة. لكنهم -البعثيون او القاعديون او الطائفيون الشيعة والسنة- اغتالوه ليغتالوا جزءا من الثقافة الوطنية العراقية الرصينة التي يعادونها.
|