جلال عارف
أعتقد أن التحرك المصري الأخير نحو لبنان يعكس قلقاً حقيقياً نحو الأوضاع في لبنان وفي المنطقة خلال الفترة الحرجة والخطيرة التي تمر بها المنطقة والعالم كله، والتي تقتضي من العرب الكثير من اليقظة والوعي والحسابات الدقيقة لأوضاع بالغة التعقيد وقابلة للانفجار في أي لحظة.
التحرك المصري يأتي بعد فترة من التردد كانت فيها سياسة القاهرة تحت تأثير الخلافات العربية - العربية، والمخاوف من تمدد إيراني يدخل المنطقة العربية في تحديات وصراعات يدفع العرب وحدهم ثمنها. ولم تكن هذه السياسة تستوعب أن مصر هي القوة الأقدر على لعب الدور الجامع لكل القوى في لبنان تحت راية واحدة هي راية العروبة، وأن مصر القادرة على تجاوز الصغائر ومد جسور التفاهم والتعاون المشترك مع كل القوى في لبنان ومساعدتهم على تجاوز الأزمة.
وليس هذا مجال الإفاضة في تحليل الفترة الماضية، ولكننا فقط نشير إليها لندرك أن زخم التحرك المصري الأخير نحو لبنان يمثل انعطافة أساسية في السياسة العربية لمصر، كما يمثل قلقاً على ما يجري في لبنان، وتقديراً بأن المخاطر الداخلية والخارجية لا يمكن تجاهلها.
إن زيارة وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط لبيروت قبل أيام لم تقتصر على لقاء الرؤساء الثلاثة (سليمان والسنيورة وبري) وإنما امتدت لأطياف عديدة في الخريطة السياسية اللبنانية كان أبرزها بلا شك اللقاء مع «حزب الله» ممثلاً في الوزير محمد فنيش.
وهو لقاء ينهي أزمة بدأت مع حرب يوليو 2006 ويفتح صفحة جديدة كان ينبغي أن تفتح على هذا المستوي منذ وقت طويل. وقد كان لافتاً في تصريحات الوزير المصري أثناء زيارته السريعة للبنان تركيزه على الوضع في طرابلس ومطالبته الجميع بالحذر حتى لا تنطلق من هناك الشرارة التي تفجر الأوضاع في لبنان.
وقبل التحذير وقبل الزيارة كانت القاهرة تستقبل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق عمر كرامي في خطوة أخرى للتعامل مع الوضع في لبنان من منظور متسع، فكرامي ليس فقط احد العناوين الرئيسية في طرابلس ولكنه أيضاً صاحب رؤية تتجاوز الطائفية وترفض جر طرابلس ولبنان ومن ثم المنطقة إلى صراع بين السنة والشيعة ستكون نتيجته ازدهار قوى التطرف.
وقد كان لافتاً أيضا أن كرامي في القاهرة لم يتردد في الإشارة إلى خطأ حصر تمثيل السنة بلبنان في عائلة الحريري، مؤكداً على دور عائلة كرامي وغيرها من العائلات السنية العريقة في الحياة السياسية اللبنانية.
لكن الأهم في زيارة الوزير المصري هو تأكيده (ومن بيروت) على أن مصر أبلغت وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك أثناء زيارته الأخيرة لها ضرورة وقف التهديدات الإسرائيلية للبنان. وهو ما يعني أن القاهرة تأخذ هذه التهديدات مأخذ الجد، خاصة في هذه الفترة التي تمر بها الإدارة الأميركية بحالة شلل وهي تحاول إنجاز شيء في العراق، فتفاجئها التطورات في باكستان وتداهمها التحركات الروسية في القوقاز.
حالة الشلل في الإدارة الأميركية، والتي ترافقها حالة الاضطراب السياسي في إسرائيل مع استعداد رئيس الوزراء اولمرت للرحيل وصراع الورثة على كرسيه، كانت حافزاً للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية لاستغلال الموقف والتحرك لضرب إيران.
لكن واشنطن عارضت ذلك بشدة وكان باراك نفسه هو الذي شكا من أن «أميركا غير مستعدة للسماح لنا بمهاجمة إيران »! وهو احتمال ازداد تراجعاً مع الضربة التي تلقتها إسرائيل بالعمليات العسكرية الروسية ضد جورجيا والتي كانت إسرائيل تعد لاتخاذها قاعدة لانطلاق عملياتها ضد إيران.
ومع تراجع احتمال الضربة الإسرائيلية لإيران، فإن التحريض الصهيوني للإدارة الأميركية لا يتوقف، ومعه تتصاعد التهديدات الإسرائيلية بعدوان جديد على لبنان تريد من خلاله المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحقيق عدة أغراض منها استعادة الهيبة التي سقطت مع الفشل في حرب يوليو 2006.
وضرب ترسانة الأسلحة التي يملكها حزب الله والتي تم تحديثها بعد الحرب وأصبحت قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، والاستعداد لمواجهة تراها قادمة مع إيران خاصة إذا فاز المرشح الجمهوري ماكين في انتخابات الرئاسة الأميركية.
وفي مواجهة ذلك فإن جبهة وطنية داخلية موحدة في لبنان هي أمر لا بديل عنه، والدعم العربي هنا فريضة واجبة على الجميع. ومن هنا فإن تحقيق المصالحة بين الأطراف العربية المتصارعة على الساحة اللبنانية هو أمر لم يعد ممكناً تأجيله، واستعادة محور القاهرة - الرياض - دمشق هو ضمانة لمواجهة التحديات.
و لعلي هنا لا اتفق مع ما قاله الوزير المصري من ان المصالحة الداخلية بين الأطراف اللبنانية هي التي ستؤدي إلى المصالحة العربية وخاصة بين دمشق والرياض، فلعل العكس هو الصحيح.. المصالحة العربية هي التي تعزز فرص الاستقرار في لبنان، وهي التي تعيد للدور العربي فعاليته في هذه الظروف الدقيقة. ومسؤولية مصر في تحقيق هذه المصالحة هي الأكبر مهما كانت الصعاب.