|
عبدالله الجسمي
الأزمة السياسية التي تشهدها الكويت منذ فترة، متشعبة وتشترك فيها جميع الأطراف الداخلة في اللعبة السياسية، بدءاً من الحكومة والتجمعات السياسية والمجاميع السياسية الأخرى ذات الطابع الاجتماعي، وكذلك نفر من الذين يطرحون أنفسهم كأفراد مستقلين. ولا شك بأن القوى السياسية المحلية تشكل، وفي الدرجة الأولى، عصب العمل السياسي المحلي، وتتحمل بشكل أساس ما يجري في الساحة المحلية، لأنها الأكثر تنظيماً وعدداً من غيرها، ولها أفكارها المنتشرة بين قطاعات وشرائح مختلفة من المواطنين. لكن في السنوات الأخيرة حدثت تغيرات عديدة في المجتمع الكويتي، لم تقم القوى السياسية بتطوير نفسها وأفكارها وأساليبها كي تواكبها، وبالتالي تكون فاعلة ومؤثرة فيها على غرار الفترة السابقة. فلاتزال تتعامل مع الواقع والمشكلات بالعقلية القديمة إياها التي تتجاهل العديد من المستجدات في المجتمع.
فلو عدنا إلى الفترة التي سبقت الغزو الصدامي للكويت، سنجد مثلا بأن طبيعة المشكلات وقتها تختلف، ولا شك، عن طبيعتها في الواقع الراهن، وكذلك الأوضاع الاقتصادية كانت أفضل مما هي عليه اليوم. فقد كان من الممكن سابقاً تجاهل بعض المشكلات، أو الاكتفاء بتسجيل موقف منها، خصوصاً من القوى السياسية المتحالفة مع الحكومة، وضخ بعض الأموال التي كانت تستخدم في التهدئة أو التنفيع لإسكات بعض المطالبات. لكن طبيعة المشكلات اختلفت حالياً وتحولت إلى مشكلات فعلية يواجهها قطاع كبير من المواطنين وبشكل يومي، علاوة على التفاوت في المستوى المعيشي الكبير، الذي لم يكن حاداً، كما هو الحال راهنا، والذي خلق قيما ومطالبات تختلف عن سابقاتها، بمعنى أصبحنا أمام واقع جديد وقضايا ومشكلات مستجدة أيضاً.
لا يقتصر الأمر على المشكلات هنا، بل بات المجتمع أمام جيل جديد تختلف قيمه وأسئلته بشكل كبير عن الأجيال السابقة. فقد شهدت الفترة بعد تحرير الكويت تغييرات اجتماعية كبيرة أثرت وبشكل ملموس، على قيم الجيل الجديد، فبتنا بالتالي أمام اختلاف ثقافوي أو قيمي كبير.. بين جيلين. فنتيجة للتطورات المعروفة في وسائل الاتصالات ونقل المعلومة والانفتاح التي نتج عنها، وقع الجيل الحالي تحت مؤثرات ثقافية كثيرة، وأثرت في طريقة تفكيره ومطالبه واهتماماته.
ونظراً لكون المجتمع الكويتي شبابي في الإجمال، حيث تشكل نسبة من هم أقل من 25 عاماً ما يقارب 65 % من السكان. فهذه النسبة تعني بأننا أمام مجتمع جديد تقريباً، يحمل الكثير من القيم التي تتعارض مع القيم التقليدية التي كانت سائدة في مجتمعنا سابقاً، والتي نشأ عليها معظم جيل القيادات السياسية المختلفة الحالية. يضاف إلى ذلك طبيعة الثقافة السائدة حالياً في العالم، وهي ثقافة استهلاكية في الغالب لا تحمل قيماً أخلاقية أو فكرية رصينة، بل تشيىء الإنسان وتدفع بنزعات سلبية مثل الأنانية والجشع والربح السريع لتتحكم به، وتملك عليه عقله ووجدانه.. وهذا بحد ذاته يسهم في إضافة مشكلات جديدة تتراكم على ما هو سائد من مشكلات.كما شهدت المنطقة خلال العقد الأخير متغيرات كثيرة على الصعيد السياسي والاقتصادي. فقد سقط نظام طالبان في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، وأخذ العالم يحارب الظاهرة الأصولية وممثليها.. ومثّل سقوط نظام صدام تحولاً مهماً في منطقة الشرق الأوسط، التي دخلت مرحلة من التحديث الاقتصادي، وإلى حد ما الثقافي، كما هو جار في بعض دول الخليج العربي.. علاوة على المشاريع الاقتصادية والسياسية التي تطرحها دول العالم المتقدم للمنطقة. كل هذه الأحداث للأسف لم تجد لها صدى مؤثرا على مجتمعنا، فقد لعبت للأسف بعض القوى السياسية المحلية دوراً معرقلاً للانفتاح الاقتصادي والتحديث الثقافي، فأصبحنا في مؤخرة دول مجلس التعاون التي قطعت أشواطاً كبيرة في التنفيذ والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط. وهذا الأمر ليس بغائب عن الكثير من الكويتيين الذين يتنقلون بين دول المنطقة ليشاهدوا عن كثب ما يجري هناك، ويقارنوه مع حيثيات واقعهم.أحدثت عناوين الموضوعات التي تم ذكرها فجوة كبيرة ما بين القوى السياسية التقليدية والمواطنين وتطلعاتهم، فلم تقم تلك بعمل مراجعة شاملة لأفكارها وأطروحاتها السياسية في ظل التحولات الجارية في المجتمع الكويتي والمنطقة والعالم. وينسحب الأمر أيضاً على مواقفها تجاه العديد من القضايا، علاوة على عدم قيام الكثير منها بتجديد دماء قياداتها، والدفع بعناصر شابة تتماشى عقليتها وفهمها لأبناء جيلها أكثر من قياداتها التقليدية.
وعلى الرغم من التفاوت الفكري والسياسي بين القوى السياسية المحلية التي تمثل التيارات الدينية من جهة.. والتيارات الوطنية والديمقراطية من جهة أخرى، إلا أن كليهما يعاني من المشكلات عينها.. ولابد أن يقف الجميع وقفة تأمل ومراجعة لإصلاح أوضاعهم الداخلية وطرائق تفكيرهم وبرامجهم، وإلا فسيصبح الكل مجرد قوى هامشية وغير فاعلة في المجتمع، علماً بأن الساحة المحلية باتت مؤهلة، وأكثر من أي وقت مضى، لتقبل أية قوى أو تجمعات سياسية بديلة.
|