عبد الوهاب بدرخان
لا ينفك المشهد السياسي العراقي يتفتت على نحو مذهل. ويصعب التكهن منذ الآن إذا كانت هذه الظاهرة، يمكن أن تنتج تغييراً جوهرياً في طبيعة النظام الذي لا يزال جديداً وتجريبياً، أي أنه لم يستقر بعد. كانت الانتخابات البلدية قبل نحو أربعة أشهر أسفرت عن مؤشرات لافتة إلى تبدل في مزاج الناخب، إذ إن أحزاباً رئيسية وقوى سياسية مهمة فشلت في إنجاح مرشحيها، فيما تمكنت أحزاب قديمة وغير طائفية أو مذهبية من العودة إلى الصورة ولو بشكل محدود وخجول. وكان المعطى الأساسي الذي سجل بعد تلك الانتخابات أن العراقيين بدأوا التحول عن الاصطفافات السياسية - المذهبية التي فرضت نفسها عليهم بعد الغزو والاحتلال وسقوط النظام البعثي السابق. بل ذهب بعض التحليلات إلى القول إن "العلمانية" التي كانت سابقاً من سمات النظام والمجتمع عادت للظهور.
لا شيء مؤكداً، ولا شك في أن الجميع يترقب الانتخابات التشريعية المقبلة، المفترض إجراؤها في يناير المقبل، للتثبت من النقلة النوعية ماضية قدماً فعلاً. وفي نظرة أولى إلى طريقة تركيب التحالفات، والمفاهيم التي تحاول القوى السياسية تحميلها للتكتلات الناشئة، يمكن أن نلاحظ حرصاً على تفادي اللون الواحد. وقد نجح البعض في ذلك بنسب متفاوتة، وبتوازنات غير متكافئة دائماً.
وتبرز هنا محاولتان يخوضهما رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي ورئيس الوزراء السابق إياد علاوي، اللذان حرصا على بناء تحالفين انتخابيين لا يغلب عليهما اللون الطائفي الواحد.
ولعل أي تغيير مرتقب سيأتي حتماً عبر هذين التحالفين اللذين يعوّل عليهما لخلط الأوراق، وربما أيضاً لتلبية الاستحقاقات المجمدة كتعديل الدستور وإنجاز مصالحة وطنية، فضلاً عن حسم التوجه نحو الصيغة الفيدرالية.
طبعاً هناك تكتلات أخرى أهمها الائتلاف الشيعي الذي سيمر في هذه الانتخابات باختبار دقيق، أولاً لإثبات قوته واستمراره جهة حاسمة في تحديد هوية النظام الجديد، وثانياً لبلورة أهليتها لقيادة البلد. والأرجح أن هذا الائتلاف لم يكن مرتاحاً إلى دعوة المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني لاعتماد "القائمة المفتوحة"؛ لأن من شأنها أن تفقده أصواتاً وتقلص حظوظ بعض مرشحيه.
والواقع أن هذه الدعوة هزّت الحسابات المسبقة للقوى السياسية، وبدت كافية وحدها لتأخير الاتفاق على قانون الانتخاب، لكن الخلاف المحوري على وضع منطقة كركوك -وهو جدي وشائك في كل الأحوال- شكل الذريعة المعترف بها لتأخير الاتفاق. وقد تستخدم هذه الذريعة عقبة ومبرراً لتأجيل الانتخابات؛ لأن القوى الحالية التي تتقاسم مقاعد البرلمان تخشى مفاجآت الاقتراع المقبل، وربما تفضل إدامة الغموض وإدارته لعل ذلك يغطي تمديداً ولو محدداً للمجلس الحالي إعمالاً للظروف والأمر الواقع.
مبدئياً، لا يبدو هذا الاحتمال وارداً، لكن استمرار أزمة استعصاء الاتفاق على قانون الانتخاب قد يطرحه، خصوصاً أن الوضع الأمني يواصل الضغط على التحضير للانتخابات. فالتفجيرات الكبرى في "الأربعاء الدامي" ثم "الأحد الدامي" كانت مؤشراً لتدخل خارجي، إلا أنها كانت أيضاً تعبيراً عن ثغرتين، سياسية، وأمنية، لتذكير الجميع بأن تقصيراً حصل في استحقاق المصالحة، وأن هناك حواراً فتح مع "البعثيين" وحلفائهم الموضوعيين ثم أغلق من دون نتيجة. يضاف إلى ذلك أن للأكراد مصلحة في الضغط الآن لحسم قضية كركوك، رغم أن الحل غير جاهز بعد، ولن يجهز على الأرجح قبل الانتخابات.