|
حمزة قبلان المزيني
يجيد النظام الإيراني، كأي نظام محاصر، اللجوء إلى الشعارات لصرف الأنظار عن أزماته. ومن ذلك تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين الأخيرة في شأن دعوة الحجاج الإيرانيين للتظاهر و"البراءة من المشركين"، ورفع شعار الثورة المفضل: "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل".
وتتعارض هذه التصريحات الحادة مع بعض الدعوات الإيرانية إلى "وحدة المسلمين" واغتنام الحج لتجسيد هذه الوحدة وردم الفجوة.
ومن آخرها ما ورد في خطبة الجمعة التي ألقاها في جامعة طهران آية الله كاشاني، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام ("الشرق الأوسط" (31/10/2009): "إن الكعبة هي قبلة المسلمين وحج بيت الله الحرام يعتبر أحد المبادئ من أجل وحدة صف الأمة الإسلامية، وعليه يجب عدم إفساح المجال أمام الأعداء لزرع بذور الفرقة بين المسلمين"، و:"إن الأعداء يريدون التغلغل إلى الإسلام والنظام الإسلامي بمختلف السبل والأساليب، ولذا فإن الإمام الخميني كان يوصي المسلمين بالوحدة في موسم الحج". وشدد على "ضرورة الحفاظ على الوحدة"، قائلا: "علينا ألا نسمح لأعداء الأمة الإسلامية بأن يثيروا الفتن والخلافات بين المسلمين"، وتطرق إلى ما وصفه بـ"سياسة الجمهورية الإسلامية الرامية إلى تعزيز الوحدة بين السنة والشيعة"، قائلا: "إن هناك تفهما لدى أهل السنة بوجود مؤامرات من قبل الأعداء لإثارة الخلافات بين الشيعة والسنة ولكن هناك إهمالا في تحليل مدى حجم المؤامرات".
ومن المؤكد أن مثل هذا الدعوات ـ إن لم يقصد بـ"النظام الإسلامي" فيها إيران وحدها ـ ستكون أساسا لجعل الحج مناسبة تغيب عنها الشحناء والتنابذ. لكن هذا لن يتحقق مع التصميم الإيراني على استغلاله للتظاهر وتحدي الدولة الراعية للموسم وتحدي أغلبية الحجاج الذين لا يتفقون، فقهيا، مع النظام الإيراني في ما يسميه بـ"البراءة من المشركين". وربما يصل هذا إلى التشكيك الإيراني في صحة حج الذين لا يتظاهرون، بل تكفيرهم كذلك. يضاف إلى ذلك أن مثل هذه التصرفات تخالف دعاء الخليل إبراهيم بأن يكون البيت آمنا ومهوى للأفئدة.
ثم لو كان ذلك الشعار الثوري مفيدا لأفاد طوال الثلاثين سنة التي دأب النظام الإيراني خلالها على سوق مواطنيه إلى الساحات العامة لترديده.
ومن التناقض الواضح أن النظام الإيراني الذي يحث الحجاج الإيرانيين على التظاهر في المشاعر المقدسة يخشى من مظاهرات المعارضين الإيرانيين داخل إيران ويصفها بأنها "خطر على الأمن القومي"، ويعبِّر عن قلقه" من 4 نوفمبر المقبل وهي المناسبة المخصصة لترديد شعارات الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل"، حيث تخشى السلطة أن تحرَّف الشعارات كما حصل في مسيرات القدس حيث ردد أنصار موسوي "لا غزة ولا لبنان"" ("الوطن" (10/11/1430)، وكذلك تحذير نائب رئيس الشرطة بأن مهمتها حماية النظام العام ومنع أي خطوة تكدِّره (الشرق الأوسط،2/11/2009م).
ألا تخشى الحكومة الإيرانية، لو تظاهر الموالون لها في الحج، أن يستغل المناوئون لها من الحجاج الإيرانيين أنفسهم هذه المظاهرات للإعلان عن معارضتهم للنظام؟
وينبغي أن نتذكر، أمام هذا التصعيد، بعض الفترات الماضية التي أسهمتْ فيها السياسات الإيرانية في تخفيف التأزم في الحج. ومن ذلك فتوى الخميني الشهيرة بصحة صلاة المسلمين الشيعة خلف الأئمة السنة في الحرمين الشريفين. وهو ما أضفى جوا من الوحدة على الحجاج على اختلاف مذاهبهم.
وكذلك الهدوء النسبي إبان رئاسة الرئيس محمد خاتمي. وهو ما نتجت عنه تلك العلاقة الطيبة التي عمل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس خاتمي على تعزيزها وأثمرت كثيرا من أوجه التعاون بين البلدين.
بل لا يزال أهل المدينة المنورة يذكرون الحجاج الإيرانيين قبل الثورة، إذ كانوا يتسابقون على التعامل معهم لأنهم كانوا من أغنى الحجاج وأقلهم إثارة للمشكلات.
أما الأفكار الكبرى مثل "الوحدة الإسلامية" التي تستخدمها الحكومة الإيرانية بإفراط فليست إلا شعارا لتسويق سياستها التي ربما لا يرضى عنها المواطنون الإيرانيون أنفسهم. وكنتُ أوردتُ فقرة في مقال سابق من مقال كتبه الشيخ الشيعي اللبناني البارز، هاني فحص، عن قوة شعور المسؤولين الإيرانيين بـ"الوطنية الإيرانية" التي لا تسمح حتى لرجل مثله قضى عقودا في تأييد الثورة أن يتدخل في الشأن الإيراني الداخلي.
وقد عاد إلى الموضوع نفسه في مقال ثان ("السفير اللبنانية"، (31/10/2009م) مشيرا إلى تجذر مفهوم "الوطنية" عنده وعند الإيرانيين أنفسهم. فيقول عن أحد أسباب عودته من إيران إن وطنيته اللبنانية استيقظت في وعيه ووجدانه:
"... عندما لمست الوطنية الإيرانية العميقة والجامعة، والتي لم أجد أنها تتنافى مع الإسلام، فلحقتني غيرة من ذلك، وقررت أن أصحح اتجاه أفكاري ومشاعري تجاه لبنان من داخل لبنان، من دون أن أشعر أني تخليت عن فلسطين أو إيران أو العرب، ذلك لأن الكوسموبولتية (اللاوطنية) العابرة للأوطان، تضر بالوطن والمواطن ولا تصب في مصلحة أوطان أخرى.. وعليه فيمكن للبناني أن يحب لبنان ويشتغل عليه من أجل لبنان وفلسطين وغيرها... ويمكن أن يشتغل على فلسطين من أجل لبنان وفلسطين، وليس ضروريا أن نستقيل من وظيفتنا الوطنية اللبنانية من أجل العرب والمسلمين ولا أن نستقيل من انتمائنا العربي من أجل لبنان".
ألا يشكك التناقضُ بين استخدام النظام الإيراني شعار "الوحدة الإسلامية" ورسوخِ الشعور بـ"الوطنية الإيرانية"، التي لا تتسع حتى لأقرب مناصريه، في صدقية هذا الاستخدام؟
أما قول الشيخ كاشاني إن "الفرقة بين الشيعة والسنة نتيجة لمؤامرات خارجية" فدليل آخر على أن المسلمين لا يزالون يلقون التهم جزافا، بدل أن يواجهوا مشكلاتهم بشجاعة. ذلك أن التنافر بين المذهبين عميق في التاريخ، وهو يتزايد الآن ويزداد سوءا، لا بفعل المؤامرات الأجنبية، بل لأن الفريقين كلاهما يبذلان جهودا خارقة لنبش الماضي ونفي أحدهما الآخر.
ومن هنا فالبراءة الواجبة على المسلمين جميعا الآن تتمثل في البراءة من الأحقاد التاريخية، والوقوف صفا واحدا ضد الطائفية، وأن يسعى كل منهم إلى العناية بوطنه أولا ثم إقامة جسور العلاقة الحسنة مع الآخرين.
وأخيرا، فإن اللائق بإيران، والمتوقع منها، أن تبرأ مما يزيد من اتساع الهوة بين المسلمين، وأن تسهم في تسهيل قيام المملكة بواجبها في رعاية وفد الله بدل شَغلِها بتصريحات حادة وتصرفات لا تخدم أحدا
|