GMT 12:11:19 2012 السبت 11 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

الطموح المحدود
الشرق القطرية

GMT 2:05:00 2009 الجمعة 6 نوفمبر

الطموح المحدود سبب الركود والجمود!

سليمان صالح


إن شئت أن تعرف أسباب تخلفنا فما عليك إلا أن تحلل مضمون تصريحات حكامنا ووزرائنا ورؤساء أحزابنا ومثقفينا.
وسوف تكتشف أن هناك سمة مشتركة توحد الجميع على اختلاف مشاربهم وهي محدودية الطموح، فلن تجد أحداً يحدثك عن مشروع حضاري، أو نهضة أو استقلال شامل.
حكوماتنا لا تريد من الدنيا سوى أن يستمر الحال على ما هو عليه، وأن يتحقق الاستقرار مهما كانت بشاعة الواقع وأن يخلف الابن أباه في حكم البلاد ليحافظ على المكتسبات، ويحمي بالقهر أمن البلاد وليشكل السياسات بهدف إرضاء السادة في أمريكا.
والأحزاب الحاكمة في وطننا تجمد فكرها وتعطل عقلها وأصابتها بلادة الحس، فلا تكف عن الحديث عن إنجازات الحاكم وعبقريته، وكيف أنه أنقذ البلاد والعباد من الفوضى، وكيف أن صحف العالم لا تكف عن الحديث عن حكمته، والإشادة بجهوده الجبارة لتحقيق السلام.
أما الوزراء فإن تصريحاتهم تؤكد أنهم قد توقفوا منذ زمن بعيد عن التفكير، فأصبحوا مجرد منفذين لتوجيهات الحاكم، وأنهم يقومون فقط بدور السكرتارية فلا شأن لهم بما تحقق من إنجازات... ولكن كل ما تحقق هو نتيجة لحكمة الحاكم وعبقريته... وهم فقط يتحملون مسؤولية الفشل فلا يرحلون عن مقاعد الوزراء إلا إذا تعرضت البلاد لكارثة، فأراد الحاكم أن يستخدم أحد وزرائه ككبش فداء، وعندئذ يرحل الوزير، وهو يلهج بآيات الشكر والثناء على الحاكم الرشيد الذي استخدمه ثم أقاله لتهدئة خواطر الناس وتهدئة غضب الجماهير.
وحال مثقفي الوطن لا يقل سوءاً حيث قال أحد الوزراء يوماً إنه يستطيع أن يشتري مثقفاً بدعوة على العشاء، وأن يشتري مثقفاً آخر بمبلغ من المال أو بمنصب.
ينظرون تحت أقدامهم
وللأسف الشديد كان الوزير صادقاً، فالكثير من المثقفين باعوا قضايا الحرية والديمقراطية والاستقلال وحب الوطن، وأصبحوا يقومون بدور التبرير والتهليل والتمجيد للحاكم ولمن عينهم من الوزراء وعندما يريد أحدهم أن يثبت أنه يتميز بالشجاعة في التعبير عن الرأي فإنه يوجه الشتائم للإسلام باعتباره المسؤول عن إنتاج المتطرفين والإرهابيين الذين يكفرون المبدعين، وباعتباره المسؤول عن التخلف.
وهو يكتب هذا الكلام بعد دراسة متعمقة لاتجاهات الحكام وأسيادهم الأمريكيين، ويعرف أن الهراء الذي يكتبه في الهجوم على الإسلام يرضي أمريكا عنه ويدخله جنة الحكام فينال العطايا، والمنح وعضوية اللجان والجوائز والسفريات.. وربما ينال منصباً أو رئاسة تحرير مجلة لا يقرأها أحد.
هكذا أصبح إبداع المثقفين يتجلى في النفاق للحكام والهجوم على الإسلام واحتقار الأمة والوطن والهوية والانبهار بالغرب الذي تخلى حسب زعمهم عن الدين فتقدم ونال الدنيا وبنى ناطحات السحاب واخترع الصاروخ الذي وصل إلى القمر.
تأمل حال مثقفينا تجد أنهم قد فقدوا الطموح فأصبحوا ينظرون تحت أقدامهم، ومن أجل عشوة حسب تعبير الوزير يبيعون الوطن والحرية.
أما المثقف الحقيقي الذي مازال يعتز بالانتماء لأمته ويدافع عن حقوق وطنه وشعبه فإنه يعاني الحرمان من النشر ويقاسي آلام الفقر وربما يموت كمداً وهو يرى مدعي الثقافة يتطاولون ويتعالون وبالباطل ينتفشون وبجهلهم يجاهرون وبتبعيتهم وعمالتهم يتفاخرون وبنفاقهم للحكام يحتلون المناصب ويسودون، وعلى جوائز الدولة يحصلون.
لم ننضج بعد
حكوماتنا تبرر عدم وجود ديمقراطية في بلادنا بأن شعوبنا لم تنضج بعد ولا تستحق الديمقراطية التي سبقتنا لها شعوب الغرب المتعلمه المستنيرة.
ويبدو أن تلك الشعوب الغربية قد ولدت ديمقراطية فهي قادرة على عدم إساءة استخدام الحرية، وهي تستطيع أن تنتخب الحكام الذين يصلحون للحكم... أما نحن فإن علينا أن نأخذ دواء الديمقراطية تدريجياً وبجرعات محدودة طبقاً لوصف الطبيب الذي هو الحاكم الذي يمكن أن يتكرم علينا بانتخابات نصف مزورة حتى لا نختار نواباً لا يصلحون للتعبير عن أمانينا، وحتى لا نختار حاكماً لا يتمتع بالحكمة والعبقرية التي يتمتع بها سيادته.
وطبقاً لتحليل خطابات حكامنا ووزرائنا فإن علينا أن نتعلم الديمقراطية لسنوات طويلة في فصول محو الأمية، فهذه الديمقراطية تشكل خطراً على من لا تتحملها صحتهم، وتكون ثقيلة على معدتهم مثل اللحم الذي أصبح لا يأكله سوى علية القوم وأصحاب الثروات من الجالسين في الأحزاب الحاكمة ولجان السياسات.
طبقاً لرأي حكامنا علينا أن نتواضع ولا نتطلع الى ما يتمتع به الغربيون من حرية وديمقراطية وانتخابات حرة، فنحن لم ننضج بعد والديمقراطية تحتاج إلى سنوات طويلة لكي نتعلمها ونكون مؤهلين لممارستها، وحتى نتعلم الديمقراطية يجب علينا أن نتحمل في صبر مرارة القهر والظلم والفقر، وأن نرضى بما يمن به علينا حكامنا الذين تتفجر الحكمة من أفواههم.
وحكامنا ينظرون لنا باحتقار، وبالتأكيد نحن نستحقه، فالديمقراطية لا تمنح والحرية لا توهب، ولن يفكر حاكم يوماً في أن يترك مكانه إلا لابنه أو عندما يأتي ملك الموت فجأة فيجده متشبثاً بالكرسي فينزع روحه ولكن بعد خروج روحنا.
ابتعدوا عن السياسة
الأخطر من ذلك أن رؤساء الجامعات العربية ونوابهم وكل المسؤولين فيها يعقدون لقاءات مع الطلاب فيوجهون لهم نصائح أبوية ثمينة بأن يبتعدوا عن السياسة، ويبررون ذلك بأن الجامعات أماكن لتلقي العلم، ومن يريد أن يمارس السياسة فعليه أن يذهب للأحزاب ولم يسأل أحد منهم نفسه قبل أن يوجه نصائحه الثمينة: وأين هي تلك الأحزاب؟!!.
من المؤكد أن المسؤولين عن الجامعات يعرفون جيداً حال الأحزاب وأنها مجرد أسماء بلا مسميات ولافتات بلا مضمون، ورؤساء بلا أعضاء، ومقرات بلا اجتماعات.
أما الطلاب ففقدوا الأمل في كل شيء، وفقدوا الثقة في الجميع، ويعرفون تماماً أنهم سيتخرجون من الجامعة ليواجهوا البطالة وليجلسوا على أرصفة الشوارع.
والطلاب يعرفون تماماً أن طريقهم مسدود، وهم يعانون مرارة التزوير في الانتخابات داخل الجامعات، فيتم فرض اتحادات طلابية لا يريدونها، ويتم منعهم من الترشيح، فكيف يمكن أن يمارسوا انتخابات حرة عندما يخرجون للمجتمع، وكيف يختارون نوابهم بحرية.
وهم لم يتمكنوا يوماً من اختيار زملاء لهم يديرون الأنشطة الطلابية.
أصبح الكل محدود الطموح، وكل ما يتمناه المواطن في وطننا أن يحصل على لقمة خبز يعرف أنها مستوردة ومخلوطة بالحشرات والحشائش السامة.
والحكومات التي تريد الاستقرار تعرف جيداً أن هناك مشكلات صعبة الحل، ولكنها تريد أن تحلها عن طريق تخفيض أعداد السكان سواء عن طريق تنظيم الأسرة وامتناع الناس عن الإنجاب، أو عن طريق تفشي الأمراض المستعصية مثل الكبد الوبائي والسرطان وانفلونزا الخنازير.
هل رأيتم أيها السادة حزباً حاكماً في وطننا العربي يقدم مشروعاً حضارياً، ويخطط لمشروعات تنمية طويلة المدى تحقق الاكتفاء الذاتي.
هل رأيتم حاكماً يتحدث عن الاستقلال الشامل أو عن الوحدة العربية أو عن الديمقراطية والانتخابات الحرة؟.
الإجابة بالطبع أنتم تعرفونها.. ولكن لماذا لا يتحدث حكامنا ومثقفونا وعلماؤنا عن ذلك. الحقيقة التي يجب أن نعرفها أن حكامنا قد نجحوا في تدمير ثقتنا بذاتنا، وزرعوا عقدة الدونية في نفوسنا، وهذا بالضبط ما تريده القوى الاستعمارية من الاستعمار القديم إلى الجديد.
كانت النتيجة المرة لانهيار الثقة في الذات هي محدودية الطموح.. فأصبحنا جميعاً ننظر تحت أقدامنا، ونريد أن نعيش بجانب الحائط خوفاً من سياط أجهزة الأمن التي أصبحنا نخافها أكثر مما نخاف الأسلحة النووية الإسرائيلية والأمريكية.
وبمناسبة الأسلحة النووية.. هل فكرت دولة عربية أن تمتلك سلاحاً نووياً بهدف الردع، وتحقق توازن القوى مع إسرائيل، أو حتى استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء وتحلية المياه.
طبعاً لا يمكن أن تفكر حكوماتنا في ذلك، فكل همها أن ترضي أمريكا وإسرائيل حتى لا تعارض في تزوير الانتخابات، وانتهاك حقوق الإنسان.
باختصار فإننا لن نحقق تقدماً إلا إذا رفعنا مستوى الطموح لدى طلابنا وعلمائنا ومثقفينا وحكوماتنا وحكامنا.. ويومئذ سنفكر في مشروع حضاري يحقق لأمتنا الاستقلال الشامل، وفي الديمقراطية وتحرير الوطن والإنسان العربي وتحرير فلسطين.
يومئذ سنتذكر أبا القاسم الشابي وهو يصرخ:
أبارك في الناس أهل الطموح
ومن يستلذ ركوب الخطر
ومن لايحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر