|
سلام خياط
تاج العروس أم عصا موسى؟
استلت قريبتي– التي اختارت دراسة الأدب الإنجليزي لرسالتها الجامعية– القاموس من رف الكتب، وأعادته بعد دقائق من تصفّح أوراقه، ابتسمت بإشفاق من يكتشف علة في رأس سليم.
-- إنه طبعة قديمة يا عمتي.
-- ولو..
-- لن أجد فيه ضالتي، عمره سبع سنوات.
-- هييه؟
--هناك أكثر من خمس طبعات جديدة، وربما أكثر.
-- ثم ماذا ؟
-- طبعات مزيدة ومنقحة، أضافت إليه الكثير، وشذبت منه القليل الذي لم يعد شائعا، أو شحب تداوله.
تراودني المحاورة الطويلة مع الطالبة، أن أحث الذاكرة لتستعيد نبوءات أطلقها بعض المفكرين والباحثين العرب، توقعوا فيها موات اللغة العربية بعد حفنات قليلة من السنين، إذا لم يتدارك القيّمون على إرث اللغة، هذا المآل الحزين، ويدعوا لتنحي الذين يطالبون بإغلاق النوافذ والأبواب بوجه الجديد والمتداول من الألفاظ والمصطلحات الأجنبية الوافدة من مختلف لغات العالم، بحجة المحافظة على قدسية العربية وبراءتها من الطارئ والدخيل. النبوءة سوداوية بحق وحقيق، حيث سيضمحل استعمال العربية، وتتوارى لغة الضاد استحياء، أو تخلد للسبات العميق، كما حدث للسنسكريتية واللاتينية من قبل.
لطالما توسمنا خيرا بمجامع اللغة العربية التي انبثقت في الحواضر العريقة: القاهرة وبغداد ودمشق، وتوقعنا منها أن تفعل المعجزات، لكن نشاطها المحدود وعدم اضطلاعها بمسؤولياتها كما ينبغي، خذل عشاق العربية، ولعل تعريبها لكلمة (ساندويتش) بأنه (الشاطر والمشطور وبينهما الكامخ)، ظل مثار تندر وسخرية لعقود من السنين– علما بأن المجمع العلمي في القاهرة أسس في زمن الملك فاروق العام 1934، وتتابع على رئاسته لطفي السيد وطه حسين ومحمد مدكور وشوقي ضيف.
ظلت اجتماعات المجامع العربية العقيمة تنعقد وتنفضّ دون تأثير يذكر، حتى توقفت نشاطاتها تماما منذ أعوام.
إن خلو المعاجم والفهارس القديمة ك.. تاج العروس ولسان العرب والقاموس المحيط، من المصطلحات الطارئة لا يخلّ بقيمتها، ولا يهون من مقدرة مؤلفيها، لكن الخلل الفاضح خلو الكثير من القواميس الحديثة مما استجد في الساحة من اشتقاق واستنباط وتأثيل وترسيس الكلمات التي يعتبرها البعض دخيلة ويتحرز من إلحاقها بالعربية، لم تحلّ بيننا بطرا أو مصادفة، لقد غدت بعض الألفاظ جزءا من نسيج اللغة ولحمة في سداها بعد شيوع استعمالها في الصحافة والطب والبحوث العلمية.
إن اللغات الحية تقتبس من بعضها، تؤثر وتتأثر، واللغة ككائن حي، تولد وتنمو وتشبّ وتشيخ، ولا من عزاء ولا هي فجيعة أن تموت أيضا، وما من عاصم يعصم اللغة العربية من ذاك المآل القاتل إلا مناعتها الذاتية، وطاقتها على التكيف والتطور واحتواء الجديد والقدرة على الإبداع.
منذ أوائل عصر الترجمة في العصر العباسي، والعرب يحتالون على المفردات والمصطلحات التي لا سبيل لترجمتها بالتعريب، الذي يعتبره البعض شرا لا بد منه. استقبلته اللغة على مضض حينا وبالأحضان حينا آخر، فلقد شاعت في أواخر القرن الماضي كلمات كالرأسمالية والبرجوازية والإمبريالية، ويشيع في العصر الراهن كلمات ك.. الديماغوجية التي غدت كالبهارات في كتابات ومحاضرات علماء الاجتماع والسياسة، كذلك احتل مركز الصدارة مصطلح الكولونالية، الذي جاء بدلاً من مصطلح الاستعمار الذي غدا رثا ومفضوحا وعلكة في أفواه العامة. ولا ننسى مصطلح الديمقراطية، وهي أعرف من أن تعرّف، كلمة شاع استعمالها أخيرا، واتخذت شكل جبة أحيانا وعمامة وقفطانا حينا، ونقابا وكشيدة وسدارة وربطة عنق، وورقة اقتراع وعقالا ويشماغا وسدرة المنتهى في معظم الأحيان. أما الذي احترز من الانصياع لمفهوم الكلمة بمعناها السابق، فقد اعتمدها ك.. عصا موسى: يتوكأ عليها، ويهش بها على الغنم، وله فيها مآرب أخرى... والله أعلم.
|