|
القرضاوي والاختلاط.. وفتن النواصب والروافض
عبدالله السعدون
حسنا فعل الشيخ د.يوسف القرضاوي باتخاذه موقفا مؤيدا لمسألة الاختلاط في جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للعلوم والتقنية (كاوست). إن موقفه هذا يسجل صراحة في سجل ذهبي، خصوصا في مثل هذه الظروف التي يمر بها عالمنا العربي والإسلامي، حيث الصراع القيمي الضمني بين تيارين إسلاميين: الأول نقلي، تقليدي، كهفوي، ظلامي، يرفض ثورة الحداثة والتحديث وتطور المجتمعات الإسلامية عبرها، ويصر بالتالي على جرجرة المسلمين الى عصور انحطاط أين منها عصور الانحطاط التي مرت بها شعوب أخرى في تاريخ هذا العالم؟!
والثاني تيار منفتح على العصر، وثورة العلم والتكنولوجيا، ويريد للمسلمين الانخراط فيها، وتمثّل قيمها، والإسهام في تطور إبداعاتها وتأثيراتها غير المتعارضة مع تعاليم الدين الحنيف، والآيلة إلى الدفع بالمسلمين نحو مستويات حضارية منشودة دوما، وذلك على غرار ما فعلته وتفعله شعوب أخرى ليست بعيدة عنا، مقيمة في حاضرها ومستقبلها، لا في ماضيها الغابر، تجتره على نحو اغترابي رث، وبائس، كما نفعل نحن اليوم.
لقد نهض أجدادنا وحققوا ما حققوه في السياسة والمعرفة والعلم والعمران والحضارة، لأن المعنيّين بشؤون الإسلام في تلك الحقب الغابرة، لم يكونوا (كما غالبية رجال الدين) متخلفين عن عصورهم، وأسئلة الإبداع الحر فيها. كما لم يقفوا حجر عثرة أمام الانفتاح على علوم الآخرين وفلسفاتهم وهضمها، وتمثل المتقدم منها، ولاسيما في المرحلة الإغريقية، ويعززوا بالتالي من نقلها الى لغتهم، ويتفاعلوا معها، ويؤسسوا لفكر إنساني جديد، كان أساساً في نهضة الحضارة الغربية العالمية اليوم.
ونستدرك فنقول، إن موقف التأييد الذي حسمه الشيخ د.يوسف القرضاوي تجاه مشروع «كاوست» التعليمي العظيم في السعودية، ومسألة اختلاط التعليم فيه، يدخل هنا في إطار عملية الإصلاح الديني المنشودة، وشدّ المسلمين في اتجاه أسئلة الراهن والمستقبل والحداثة والتحديث، وقطع الطريق على كل العقول المتكلسة التي تدعي النطق باسم الدين الحنيف، وتفتي من خلاله، وتجزم وتقطع. وهو يجيء بعد الزوبعة التي أثارها د.سعد ناصر الشثري، أحد أعضاء كبار هيئة العلماء في السعودية، باعتراضه على ظاهرة الاختلاط التعليمي في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، وطلبه أيضاً بالاطلاع المسبق على المنهج الدراسي للجامعة، وطبيعة المواد التي تدرسها، وكلها مقدمات استفزازية أصلا، للرفض السلفي والمسبق لفكرة قيام صرح تعليمي حداثوي مستقبلي كهذا، يجمع تحت رايته الإنسان السعودي الجديد بوجهيه: المرأة والرجل.
وهذا الرفض السلفي والمسبق، وضع حدا له خادم الحرمين الشريفين، بفصل، أو عزل الشيخ الشثري من عضوية هيئة كبار العلماء، وكان قراره صائبا جدا، وحكيما جدا، وهو إنما يقطع الطريق أيضا على كل العابثين باسم مستقبل الأجيال السعودية، وخروجها إلى شمس العلم والتكنولوجيا والحداثة، وتجديد النظرة الى الدين، بالحفاظ على ثوابته، وتغيير القراءة التقليدية الغبارية والنقلية له. يقول الشيخ القرضاوي في مشروع «جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا»: «تعدّ الجامعة بمثابة صرح علمي ومنارة للبحث، وتسعى للإسهام في نهضة الأمة وتقدمها، وما أحوج أمتنا لهذه الجهود الطيبة التي تخدم الأمة.. وهدف الجامعة نبيل، ولا بد أن نقف موقف الوسط، فلا إفراط ولا تفريط. فمشكلتنا كما ذكرت، وأذكر دائما، أننا في أكثر القضايا الاجتماعية والفكرية، نقف بين طرفي الإفراط والتفريط، وقلما نهتدي الى «التوسط» الذي يمثل إحدى الخصائص العامة والبارزة لمنهج الإسلام ولأمة الإسلام».
وإذا كنا نثمّن موقف الشيخ د.يوسف القرضاوي تجاه هذا الصرح العلمي، وتركيزه على حاجة الأمة له، فإننا في المقابل نطلب من شيخنا الجليل، أن يركز على قضيتين مركزيتين خطيرتين تهمان المسلمين جوهريا اليوم، هما: مسألة التدمير المنهجي للمسجد الأقصى وتهويد القدس، هذا أولا.. وثانيا التركيز على وحدة المسلمين، التي تتعرض ومنذ سنوات، لأكبر عملية تهديد متماد يستهدف بنيتها، وضرب أهلها، بحروب فتنوية مفتوحة تمتد إلى ما شاء الله..
صحيح أن الشيخ القرضاوي كان دعا، وباستمرار، إلى التصدي للعدوان الصهيوني على المسجد الأقصى، ولمسألة تهويد القدس، وإنه كان دائما،ً ولايزال، إلى جانب الحق الفلسطيني، ينافح عنه ويدعو الجميع للانتصار له.
وصحيح أن شيخنا أيضاً كان دعا، ولايزال يدعو، إلى توحّد المسلمين، وإن كنا أخذنا عليه يوماً موقفه الإعلامي الملتبس من مسألة التشيّع، واتهام إيران بأنها تقوم «بغزوة مذهبية» ضد أهل السنة، في عقر دارهم.. «ونحن لا نريد أن يحولنا الإيرانيون إلى شيعة»، كما قال. وقد ناقشناه وقتها في المسألة على صفحات «أوان» بالذات، وقلنا إنه إذا كان هناك من خلاف سياسي، أو صراع بين مشروعين سياسيين في المنطقة، فلا يعني ذلك أن هناك حرباً مذهبية بين سنة وشيعة.. بل هناك من يريد أن يأخذ المسلمين إلى اقتتال مذهبي لا نهاية له، يدمرون من خلاله بلادهم وشعوبهم.. وإسرائىل غير مبرأة من الأمر.
ونعود الآن للقول إن شيخنا الجليل القرضاوي صاحب مواقف إيجابية في مثل هذه الأمور المحورية.. لكن هذا شيء، وما ندعو إلى ترجمته اليوم، وبوتيرة أعلى، وبتحدٍ أكثر جذرية وجدية، شيء آخر.
نعم مسألة الأقصى، ومعها وحدة المسلمين، تستلزم التعاطي معها، ليس على سبيل الاستنكار الإعلامي بين الفينة والأخرى، وإنما من خلال الدعوة إلى جعلها قضية طوارئ إسلامية مفتوحة ومتصاعدة، وحفز جماهير الأمة للتنبه إلى ما يحصل لدينها وهويتها ومقدساتها من تدمير هو الأخطر على امتداد تاريخها قاطبة.
نقول هذا الكلام انطلاقاً من أن الشيخ القرضاوي، هو رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وواجبه بالتالي يدعوه هنا إلى استنفار جميع أعضاء هذا الاتحاد، وجعل اجتماعاتهم مفتوحة أمام تطورات هذا الهول الأعظم (تدمير الأقصى) الذي تتعرض له مقدسات المسلمين، ورمزية ذلك المتعلقة بدينهم، وعنوانهم، وكلية وجودهم التاريخي.
نعم، مرجعيات دينية إسلامية أخرى، مدعوة أيضاً إلى هذا الاستنفار الكبير، وعلى مستوى المذاهب الإسلامية كافة.
نعم، من واجب سائر المرجعيات الإسلامية من سنية وشيعية ذات ثقل في التمثيل والتقليد، التنادي على الفور إلى إقامة اجتماعات مفتوحة، سريعة وغير متسرعة، إما في أزهر القاهرة، أو في نجف العراق.. أو في كليهما معاً، والبحث في أمرين جوهريين هما: إنهاء هذه الهجمة الإسرائيلية البربرية على المسجد الأقصى، وإلزام العالم كله بذلك وقطعياً.. والأمر الثاني، وضع حد لهذه المسخرة السياسية المستجدة، والتي اسمها الحركي: الصراع السني- الشيعي، أو الصراع بين «النواصب» و«الروافض».
وغير مسموح لعلماء السنّة، ولا لعلماء الشيعة هنا، أن يتصرفوا وكأن كل جهة منهم مسـؤولة عن جماعتها ومذهبها فقط. لا.. أبداً، فأمام هذين الخطرين (الأقصى والتفكك) وغيرهما من أخطار أخرى مباشرة، هما إسلام واحد، ودين واحد، وعقيدة واحدة، مهددة باستئصال شأفتها، وربما على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ... اخرجوا، إذن يا سادة، من ثقافة الفتنة، قبل أن يخرجوكم من التاريخ.
عليكم نبذ هذا التواكل والاستسلام لتطورات الأمور كما هي، ومن ثم شجبها بالكلام الذي لا ينتج شيئاً في المحصلة العملية.. وإذا لم تتحركوا كعلماء كبار، وأصحاب كلمة مسموعة ومتبوعة، فمن ذا الذي سيتحرك للإسلام، وللقدس إذن؟! مع يقيننا في النتيجة أن الله «لا يكلف نفساً إلا وسعها، لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت» - صدق الله العظيم.
|