أكد أن أوباما لا يستطيع تغيير جوهر وأهداف السياسة الأمريكية
القاهرة - خالد بيومي
سمير أمين مفكر عربي ماركسي لكنه ناقد للماركسية المستقرة الجامدة، ويعد من أبرز المناهضين لتيار العولمة. ولد أمين بالقاهرة في العام 1931 وتعلم في جامعات فرنسا، ويبرز هناك كواحد من أبرع العقول الاقتصادية، وعمل مستشاراً اقتصادياً في عدد من الدول الإفريقية، ومديراً لمعهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادي كما شارك في تأسيس المجلس الإفريقي للتنمية والبحوث الاجتماعية.
أصدر أكثر من أربعين كتاباً منها: “نقد المركزية الأوروبية، و”الفيروس الليبرالي”، و”أزمة المجتمع العربي”، و”ما بعد الرأسمالية”، و”من نقد الدولة السوفييتية إلى نقد الدولة الوطنية”. وقد صدر له أخيراً في القاهرة كتاب “في نقد الخطاب العربي الراهن” وهنا حوار معه.
* تناولت في كتابك “في نقد الخطاب العربي الراهن” قضايا الرأسمالية والقومية والإسلام السياسي.. ما العلاقة التي تربط هذه القضايا مجتمعة؟
هذه القضايا حاضرة بقوة على الساحة الثقافية العربية، ورغم ذلك هناك قاسم مشترك بينها ألا وهو الهروب من مواجهتها باعتبارها أبرز التحديات الحقيقية التي نواجهها اليوم. وقد ركزت في الكتاب على إظهار التباس المفاهيم المستخدمة في هذه الخطابات وهي في حقيقة الأمر لا تعدو كونها مقولات لفظية تعتمد اللغة التي فرضتها “الموضة” المستوردة من الولايات المتحدة، كما أدعو إلى شحذ المفاهيم العلمية التي أدخلتها الماركسية في تحليل الظواهر الاجتماعية وتجديد معانيها على ضوء التحولات التي طرأت على واقع المجتمع الحديث.
* كيف يمكن للعرب أن يبحروا في خضم المجتمع العالمي الزاخر بالتغيرات؟
المجتمعات العربية شأنها شأن المجتمعات الأخرى التي تسير في ركاب العولمة الرأسمالية ذات الطابع الاستعماري وبالتالي لابد أن تطرح بديلا عمليا وليس بديلا نظريا للعولمة تتيح نهضة الجنوب، فهناك جوانب عديدة من الأزمة التي يعيشها العالم المعاصر تدل على أننا نعاني من أزمة حضارة، وأن الرأسمالية أصبحت نظاماً بالياً غير قادر على الاستجابة لتحديات ومشاكل الإنماء، وبالتالي يتوجب تجاوزه، فعلى الحركات الاجتماعية أن تقوم بهذه المهمة، أما الليبرالية المعولمة فقد أثبتت الأزمة الحالية أنها تجلٍ لطابع الرأسمالية المترهلة.
* لكن هناك من يرى أن زمن الأيديولوجيا انتهى؟
إذا كنت قد وصفت الماركسية كأيديولوجيا ماركسية تاريخية على النمط السوفييتي ستكون الإجابة: قطعا قد انتهت، فالنظرة السوفييتية السابقة وهي نظرة ماركسية مبتذلة ذهبت إلى أن الأمة العربية تتحقق عبر تطور وتكملة مسار الرأسمالية، وهي نظرة خاطئة من الأصل، وذلك لأن البرجوازيات العربية لن تفلح في تطوير رأسمالية كاملة، وبالتالي لن تنجز مهام المرحلة القومية، وعلى الطبقات الشعبية إنجاز هذه الأهداف التي لا يمكن الفصل بينها، وهي الخروج من الرأسمالية، وتحقيق الوحدة العربية عبر الحركة الشعبية المعادية للرأسمالية أصلا.
لكن إذا أعطيت مضمونا آخر للماركسية كمنهج وتيار فكري ينطلق من ماركس بصفته أعمق تحليل نقدي لواقع الرأسمالية فقطعاً إن المستقبل في تطوير هذه الماركسية لأنه هو الأساس في فهم وتحليل ومواجهة التحديات الحقيقية.
* يلاحظ أنك تركز في كتاباتك على فكرة الصراع الطبقي باعتبارها جوهر الماركسية لماذا؟
لأن التطور العام ينتج في ظروف هيمنة رأس المال على مساحات متوسعة من المنظومة الإنتاجية فائضاً متزايداً من “الناس” الذين لا يجدون من يشتري قواهم للعمل، وقد أطلق عليهم اسم “المهمشين” بيد أنهم ليسوا خارجين عن فعل منظور التوسع الرأسمالي، إذ أن وجودهم يضغط على شروط عمل غيرهم، فوجودهم يفيد النظام، وبالتالي لا يمكن فصل صراع الطبقات عن المشاكل الاجتماعية وغياب العدالة الاجتماعية والتفاوت المتصاعد في توزيع الدخل من جانب وتحكم الرأسمالية ذات الطابع الاستعماري، فالصراع نشأ لغياب حقوق الطبقات الشعبية وهو المضمون الرئيسي لصراع الطبقات، والنضال من أجل الاستقلال الوطني ومواجهة السيطرة الاستعمارية.
* وماذا عن “نهاية التاريخ” هل يمكن أن تكون هناك نهاية للتاريخ؟
إن مقولة نهاية التاريخ لا معنى لها، فليس هناك نهاية للتاريخ ربما قبل نهاية الإنسانية نفسها وقد اعتذر فوكوياما نفسه عن هذه المقولة.
* هل يعود انضمامك لصفوف المعارضة في فترة مبكرة من حياتك لأسباب سياسية أم اجتماعية؟
الاثنان معاً، فقد لمست فجوة هائلة بين طبقة إقطاعية ثرية تملك كل شيء وطبقة عامة الشعب التي لا تكاد تجد قوت يومها، واستفزني ذلك لعمل شيء، بالرغم من أنني أنتمي إلى برجوازية ثرية وكرست حياتي للمناداة بضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية بين الطبقات، كما أنني ناشط سياسي منذ مرحلة الصبا، حيث انضممت إلى المظاهرات المناهضة للاحتلال الإنجليزي الذي تحالف مع الملك لإفقار ونهب ثروات الشعب المصري، وقد وجدت المساعدة والتأييد من الأبوين ما شجعني على مواصلة الطريق.
* بعد الأزمة الاقتصادية العالمية هل أعادت الطبقات الشعبية في الغرب النظر في قبولها لسيادة منطق الرأسمالية؟
المستقبل دائماً مفتوح على أبواب عديدة، وأعتقد أن الطبقات الشعبية في الغرب تعيش في قلب المثلث الاستعماري وهي طبقات تعاني من الأزمة وسوف تدرك ذلك بالتدريج ولو بدرجات متباينة، مما يدفعها إلى الدخول في نضال ضد الرأسمالية السائدة وهذا احتمال مفتوح.
وهناك احتمال آخر وقائم، وهي أنها ستظل منحازة وداعمة للاستراتيجية الاستعمارية السائدة وتدخل في حروب طويلة كحرب المائة عام بين الشمال والجنوب وكلا الاحتمالين وارد.
* لكن هناك من يرى أن الرأسمالية تجدد نفسها باستمرار.. ما رأيك؟
قطعاً الرأسمالية تجدد نفسها باستمرار، وطالما المجتمعات تجدد نفسها باستمرار فإن مقولة الثبات في التاريخ غير صحيحة والمجتمع المستقر محكوم عليه بالانحطاط والانهيار والزوال أحياناً.
وهذه المقولة مبتذلة بديهياً، ولكن هذا لا يعني أنها سوف تجدد نفسها للأبد، لأن الرأسمالية نتجت عن عملية تراكم رأسمالي معين، معناه النمو بشكل سرطاني، ولابد أن يؤدي ذلك إلى الموت، وبالتالي فإن استمرار الرأسمالية في تجديد نفسها سيؤدي إلى موتها، ولابد من إيجاد بديل آخر، وفي رأيي أنه لا يوجد غير الاشتراكية كبديل مقبول.
* برأيك كيف يمكن للشعوب النامية مواجهة الإمبريالية الأمريكية ونهجها للسيطرة على العالم؟
هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه البلدان النامية وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، ولابد لهذه الدول من العودة إلى السيطرة على الثروات والموارد الطبيعية التي تمتلكها، وإعطاء الأولوية لها في الاستثمار، واستخدامها في التنمية الذاتية بدلا من إعطاء الأولوية لتصدير هذه الثروات للغرب بأسعار رخيصة، ومن الضروري تقوية العلاقات بين الجنوب والجنوب ليس في التجارة فقط لكن في كل المجالات، وبعض دول الجنوب مثل الصين استطاعت أن تمتلك قدرات تكنولوجية لا تقل عن القدرات التكنولوجية الغربية.
* ما سر مناهضتك للعولمة؟
العولمة قديمة قدم التاريخ، فانتشار الإسلام يمثل ظاهرة عولمية قديمة، ولو كانت جزئية، وكذلك انتشار المسيحية من قبله، لكننا اليوم نتحدث عن عولمة حديثة مرتبطة بشكل جوهري بانتشار الرأسمالية، وهذه العولمة الحديثة مرت بعدة مراحل متتالية منها مرحلة الميركانتيلية (المرحلة التجارية) ثم مرحلة الاستعمار الكلاسيكي في القرن التاسع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين، ثم مرحلة العولمة الحديثة التي لها بعض الجوانب الإيجابية مثل الانفتاح الثقافي وحرية تبادل المعلومات وانتقال الأفكار ورؤوس الأموال والتعاون العلمي والفكر الاجتماعي الديني، لكن من أبرز سلبيات العولمة الحديثة أنها تركز على نظرة إمبريالية للعالم بالتوافق مع انتشار الرأسمالية التي تحمل في طياتها عدم التكافؤ والاستقطاب على المستوى العالمي وبانهيار الاشتراكية والنظم الشعوبية الراديكالية في العالم الثالث، استرجعت الإمبريالية قواها وهجماتها من جديد، فالعولمة التي يعبر عنها بكل وقاحة في الأيديولوجية الحالية ما هي إلا الشكل الجديد للنظام الرأسمالي الحالي، وبالتالي يكون مصطلح العولمة مرادفا لمصطلح الإمبريالية.
* استبشر العالم العربي خيرا بتولي أوباما رئاسة أمريكا لحل قضايا الشرق الأوسط بطريقة عادلة ما رأيك؟
قطعاً شخصية أوباما كإنسان مختلفة عن شخصية الرئيس بوش، ف”أوباما” غير فاسد غالبا ولديه نيات طيبة وكونه أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية فهذا جيد إلا أن القوى الاجتماعية التي تحكم المجتمع الأمريكي لا تتغير بتغير الرؤساء الأمريكيين، وبالرغم من توافر النوايا الطيبة لدى أوباما إلا انه لا يستطيع أن يغير جوهر وأهداف السياسة الأمريكية بدليل أنه لم يتخذ خطوات ملموسة وحاسمة تجاه ما يحدث في فلسطين والعراق وسجن جوانتانامو.
* إذن كيف تفسر حصول أوباما على جائزة نوبل للسلام مؤخراً؟
هذا يدل على أنه شخصية طيبة، وأوباما نفسه قد اعترف بأنه لم يحقق إنجازاً إلى الآن في عملية السلام وبالتالي لا يستحق الجائزة، ولكنه أعطي الجائزة أملا في أن يستطيع تنفيذ خطة السلام على أرض الواقع، ولكني أعتقد انه من الصعب انجاز هذه الأهداف بسبب عدم تغيير طبيعة الكيان الاجتماعي السائد في الولايات المتحدة الأمريكية.
* كيف ترى مطالبة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بضرورة الاعتراف بـ”إسرائيل” كدولة يهودية كشرط لاستئناف مفاوضات السلام؟
الاعتراف ب”إسرائيل” خطأ قاتل منذ مرحلة التقسيم، وأنا أحمل الفلسطينيين والقادة العرب والمجتمعات العربية مسؤولية ضياع فلسطين.
* كيف تنظر إلى فكرة القومية العربية الآن؟
الوحدة العربية لابد أن تكون هدفاً استراتيجياً يتمتع بأولوية كبرى في أجندة العمل السياسي لجميع القوى السياسية التقدمية العربية، لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تغيرات اجتماعية كبرى داخل كل المجتمعات العربية القطرية، وإحلاله محل التحالف الاجتماعي السائد الذي أسميه برجوازية وسطحية بين سيادة الاستعمار ومجتمع الطبقات الشعبية وإحلال هذا التفاعل بأشكاله المختلفة وهو غير ديمقراطي في جميع الأحوال، ولن يتحقق إنجاز الوحدة العربية بدون هذا التغيير.
وأعتبر الوحدة العربية ضرورة تاريخية، ولكنني أعيب على التيارات القومية إغفالها للعلاقة التي تربط النضال من أجل إنجاز الوحدة العربية بالصراع الطبقي. وإنجاز الوحدة العربية أمر مستحيل بدون الخروج من الرأسمالية بمعناها الشامل، واستبدال علاقات اجتماعية رأسمالية الطابع بعلاقات ذات طابع اشتراكي في إدارة المجتمع المحلي من الجانب الآخر، ولكني أرى الأيديولوجيا والخطاب القومي بتجاهل هذه الشروط ويكتفي بإعلان القومية.
* بالرغم من توافر مقومات الوحدة العربية من تاريخ مشترك ولغة واحدة وموقع جغرافي إلا أن شرط الوحدة لم يتحقق حتى اليوم لماذا؟
هذه المقومات التي ذكرتها معقدة وليست بسيطة بشكل يتيح تطبيقها من دون عوائق، فالتاريخ ليس تاريخ القومية العربية فقط، بل هو تاريخ الشعوب التي أصبحت ناطقة بالعربية، بالإضافة إلى الظروف الموضوعية والبناء الاجتماعي وأنماط الشخصية بل حتى الاختلاف في فهم الدين المعاش، الذي يختلف من مرحلة لأخرى ومن قطر لآخر، ولابد من الاعتراف بضرورة احترام هذا التاريخ، ومقومات القومية لم تكن موجودة بمفردها، ولكن هناك مقومات قطرية ضيقة، فالأصدقاء في المشرق العربي يرجعون تقسيم البلدان هناك إلى فترة الانتداب الإنجليزي والفرنسي الذي وضع حدودا بين الأقطار العربية ليسهل تقسيمها طبقا لاتفاقية “سايكس- بيكو” وهذا صحيح إلى حد ما بالنسبة لهم، لكننا لا يمكن أن ننكر وجود ذاتية مصرية وأخرى عراقية وثالثة مغربية ورابعة خليجية تسبق العصور القومية كما تسبق سيادة الاستعمار أيضا.
* سادت أفكار الاشتراكية والرأسمالية والعلمانية في القرن العشرين.. برأيك ما الأفكار التي يتمحور حولها القرن الحادي والعشرون؟
أعتقد أننا دخلنا في الموجة الثانية من نهضة الجنوب التي أعقبت الموجة الأولى التي حدثت في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، وبرزت قوى اقتصادية من الجنوب وعلى رأسها الصين بسبب تبني التوجه الاشتراكي في اتجاه التحرر من المثلث الاستعماري (أمريكا، أوروبا، اليابان).