|
طلعت رميح
غيرت وزيرة الخارجية الأمريكية لهجة تصريحها الذي أطلقته في إسرائيل بشأن الموقف الفلسطيني من اشتراط وقف الاستيطان قبل الشروع في المفاوضات المقبلة، وخففت الوزيرة من طريقة تعبيرها عن التغيير الحادث في موقف إدارة باراك أوباما ،بالتراجع عن موافقة أمريكا على شرط وقف الاستيطان ولو لمدة عام، لتعزيز احتمالات الوصول إلى نتائج في المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية حول قضايا الحل النهائي.
جاء التغيير في لهجة أو طريقة تعبير الوزيرة من خلال تصريح آخر في المغرب بدا تراجعيا في مظهره، بعدما أبدت كثير من القيادات العربية قلقها الخجول من التصريحات الأولى. كلينتون غيرت طريقة صوغ الموقف الأمريكي، تعاملا مع القلق والضيق العربي، الذي كان الأشد دلالة في التعبير عنه، أمين عام الجامعه العربية ببلاغته التي تمزج بين لغة ومفردات الأدب ونظيرتها في السياسة إذ قال "بالشعور بالإحباط".
وإذا كانت التصريحات الجديدة هي حالة تعامل مع الأحباط العربي، لا عملية تصحيح لموقف أو خطأ، فقد كشفت التصريحات الأولى والثانية حالة التراجع في مواقف الإدارة الأمريكية من قضية الاستيطان، لتضاف إلى تراجعات متواصلة للإدارة الأمريكية الراهنة عن معظم ما تعهدت به دوليا عدم إغلاق جوانتنامو- اتفاقيات الانبعاثات الحرارية- الانسحاب من العراق الاستيطان ..الخ، لكن الأهم والأخطر هو أن ردود الفعل العربية على التصريحات الأولى والثانية قد كشفت مجددا على عمق حالة الغرام العربي الرسمي بالولايات المتحدة، بما يجعل المواقف العربية تجاهها نوعا من المراهنة النفسية أو حالة من حالات المزاج النفس الثابتة التي لا تتغير، بما يجعل تقييم المواقف السياسية للولايات المتحدة موضوعه في خانات الإحباط والتفاؤل والحب والكرة والخوف والأمل وفي الأغلب الرجاء والهرولة..الخ.
والغرام العربي بالولايات المتحدة، هو حب من طرف واحد.. ولذلك هو دائم ولا يتغير، وهو حب من طرف واحد ولذلك هو حب أعمى، لم تتغير نتيجته أبدا رغم كل التقلبات الحادة في سياسات الولايات المتحدة تجاه العالم العربي والإسلامى، إذ ظل الموقف العربي على حاله مع تبدل الجمهوريين والديمقراطيين على الحكم في الولايات، حتى أنه قد يصدق القول بوجود ثابتين في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط، أولها حماية أمريكا لإسرائيل في مواجهة العرب، وثانيها حب العرب للولايات المتحدة بلا تغيير أو تبديل.
ولقد توفر لهذا الغرام الرسمي العربي بعض من الغطاء في ظل الديمقراطيين. بابتساماتهم وتصريحاتهم المراوغة، لكن هذا الغطاء بدا عاريا في ظل المواقف المتراجعة لإدارة أوباما، إذ لم تتقدم تلك الإدارة أية خطوة حقيقية في تشكيل غطاء للمواقف الرسمية العربية، التي فرشت الأرض بالورود لهذه الإدارة، وصارت تتحدث عن تغييرات في المواقف الأمريكية تفوق كل التوقعات!.
لكن ما يكشف الغرام الرسمي العربي ويضعه في خانة الحب الأعمى أو من طرف واحد، هو أن هذا الغرام ظل على حاله ظل مراهنا على الولايات المتحدة حتى في ظل حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش في السلطة لثماني سنوات متواصلة، وفي ذلك لم تكن المفارقة أن مواقفة كان يصعب الدفاع عنها، بل أن الترويج للتغطية على مواقفه ليظل الغرام بالولايات المتحدة، كان نمطا سياسيا وإعلاميا غريبا.
كان المشهد غريبا. الولايات المتحدة تشن عدوانين على أهل المنطقة وتحتل بلدان وتقتل ما يزيد على المليون إنسان وتحاصر ليبيا والسودان، كما هي نفسها وتشرف على حرب طاحنة ضد لبنان هي التي طلبتها ومولتها ماليا وعسكريا ووفرت لها الحماية والاستمرار سياسيا ودبلوماسيا، وهي من تضغط على حلفائها ومحبيها وكأنهم أعداء لتغيير ملامح نظمهم وعلاقات النظم داخليا وخارجيا، ومع كل كل ذلك، ظلت النظم العربية لا تهتز لها شعرة ولا ترضى بديلا لغرامها، إذ ظل الحال على ما هو عليه. الولايات المتحدة ظلت تملك 99 % من أوراق اللعبة، وهي راعي السلام. وهي الوسيط في مفاوضات التسوية. وهي المشرف والمرجع والموقع للمفاوضات، حتى بات الفلسطينيين مضطرين إلى التعامل والرضوح أو المواجهة مع الولايات المتحدة ومن خلفها إسرائيل والمغرمين بالولايات المتحدة من العرب.
ما سر هذا الغرام بالولايات المتحدة، ولم صمدت تلك النظرة رغم تبدلات الحكم في أمريكا. هل نحن نتميز بالإصالة في نظرتنا والثبات في مشاعرنا، مثل المحب الأعمى الذي لا يرى تغييرا في من يحب؟ وهل تلك حالة تخص بعض من دول النظام الرسمي العربي أم هي تمتد إلى فئات من الشعوب أيضا؟ وما الأسباب خلف تلك الظاهرة الغريبة على العلاقات الدولية؟.
إسرائيل.. والحل
ما يلفت النظر ويوضح عمق القرار العربي بابتلاع الزلط وربما الصخر إيضا، ليس فقط كيفية التعامل العربي مع الإدارة الأمريكية الجمهورية بقيادة جورج بوش، ولكن إن الكثيرين يقدمون نظريات لهذا الغرام تبرر استمراره برغم الدعم الأمريكي الكامل لإسرائيل من جهة، وتؤسس لضرورات استمرار العلاقات العربية الأمريكية على هذا النحو من جهة أخرى، بما يجعل المواقف العربية "ثابتة" لا تتغير أبدا، حتى إن السؤال الذي صار مهيمنا على العقل هو وماذا لو أن إسرائيل لم تكن على هذا النحو، كيف كنا سنذهب في علاقاتنا مع الولايات المتحدة؟.
في فهم العلاقات الإمريكية- الإسرائيلية، فلطالما ترددت فكرة سيطرة إسرائيل على القرار الأمريكي، وهو ما يجعل أمريكا شعبا وإدارة في حالة المضطر لإفعاله، وهو ما يؤسس لقبولنا بكل ما يصدر عن أمريكا أو على الأقل في موضع من لا يلوم أمريكا على أفعالها، إذ لا يجب أن نحاسب المضطر على أفعاله، باعتباره هو الآخر ضحية للفعل الإسرائيلى مثلنا.
لقد أظهرت الولايات المتحدة عمليا وفي مواقف جوهرية وفي كل المنعطفات ذات الطبيعة الإستراتيجية في المنطقة، كيف أن إسرائيل في أول الأمر وآخره ليست إلا دولة خاضعة للتوجهات الأمريكية وخاضعة للحماية الأمريكية، وأن الأمر في قرار السلم والحرب هو للولايات المتحدة، ولكنا نسارع دوما إلى قلب المعادلة لتبرئة الولايات المتحدة من أفعال إسرائيل.
خلال الحرب المتطاولة على العراق منذ مطلع التسعينيات وحتى عام 2003، منعت الولايات المتحدة إسرائيل من المشاركة العلنية في الحرب، بل هي منعتها حتى من الدفاع عن نفسها ومن الرد على العراق جراء إطلاقه الصواريخ على إسرائيل، بما مثل السابقة الأولى في المواجهة العربية الإسرائيلية. لكنا وبدلا من أن نحدد طبيعة العلاقة بين إسرائيل وأمريكا ونقول هكذا ظهرت أسس السيطرة الأمريكية، رحنا نتحدث عن الربط بين المسارات الفلسطينية والعراقية، وكأننا حمدنا للولايات المتحدة موقفها وقرارها بعدم مشاركة إسرائيل حتى لا يحرج المشاركون من العرب.
وفي أقوى آخر حرب فى المنطقة، أي حرب عام 2006، كان قرار الحرب الإسرائيلية أمريكيا دون مواربة، إذ أعلن أن الحرب تأتي ضمن سياق الخطة الأمريكية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، كما كانت الدبلوماسية الأمريكية هي من وفرت الحماية لاستمرار الحرب ولعدم إدانة إسرائيل، كما كانت القوات المسلحة الأمريكية هي من وفر الذخيرة والأسلحة للحرب. لكننا بدلا من الإمساك بالقضية الأصل ونتخلى عن الغرام والافتتان بأمريكا، صرنا نفتش عن طرف عربي نحمله سبب اشتعال الحرب، هربا من مواجهة أنفسنا بشأن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
وفي آخر تلك الأمثلة، تمنع أمريكا إسرائيل من توجيه ضربة عسكرية للمفاعلات النووية الإيرانية، رغم أن إسرائيل تعيش حالة من الهلع بسبب احتمالات تطوير إيران مفاعلاتها نحو إنتاج أسلحة ذرية.
الأمر واضح في الإدارة الإستراتيجية للقرار في المنطقة، لكن الحب العربي الأعمي لأمريكا، هو ما يجعل أصحاب هذا الغرام يفتشون باستمرار عن أسباب ومبررات لاستمرار مواقفهم تجاهها، بالحديث الدائم عن سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار والمؤسسات الأمريكية، كما هو ما يجعل أصحاب الغرام في الإعلام الرسمي العربي في حالة من الاستعداد الدائم لتفسير كل المواقف الأمريكية على طريقة "ضرب الحبيب مثل أكل الذبيب"، حتى أن الرأي العام صار يعيش حالة هي الأغرب من نوعها في العلاقات الدولية، إذ هو يرى أمريكا تساند من يحتل أرضه، وهي نفسها من تحتل بلدان عربية أخرى بنفسها، لكنه لا يزال يراها دولة صالحة لكي تكون وسيطا نزيها وراعيا عادلا في كل قضاياه ومع خصومه، وهو حين لا يجد فكاكا من الاعتراف بجرائم ترتكبها أمريكا، يجد أن من يذهب سريعا ليحمل طرف أمريكي بالخروج عن السياسات الأمريكية مثلما ذهب الكثيرون للتعاطف مع الشعب الأمريكي الذي ابتلي برئيس مثل جورج بوش، باعتباره خارجا عن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وحالة استثنائية وعابرة، تذهب وتنقضي لنعود نحن وأمريكا إلى حالة الوئام مع بعضنا البعض.
الإعجاب بالقاهر
هل من سبب أو أسباب سياسية لتلك الحالة الغريبة في العلاقات الدولية؟. لا شك في ذلك فمن ناحية يمكن القول إن بعض من دول النظام الرسمي العربي تعيش حالة متسقة مع نفسها في هذا النمط من العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ هي في واقع الحال لا ترى إمكانية للدخول في مواجهة معها أو حتى رفض سياستها علنا، وفي ذلك هي تعمل وفق سياسة عقلانية تماما، ربما وفق قاعدة حجا في الصبر على الجار حتى يرحل أو تعصف به مصيبة. ومن ناحية أخرى، فإن بعضا آخر من تلك النظم يجد أنه مدين للولايات المتحده بفضل كبير في استقرار علاقاته الدولية ونظامه السياسي والاقتصادي وأن العلاقات غير العدائية مع الولايات المتحدة تضمن الاستمرار في الحكم والحماية من صراعات الأشقاء التي تصل حد ابتلاع الدول وتخريب الاستقرار، إذ ماذا تفعل الدول الضعيفة في علاقاتها الدولية والإقليمية في عالم بلا قانون إلا ما تفرضه القوة وقوانينها ؟. ويمكن القول إيضا، إن كثيرا من أجهزة الإعلام الرسمية والمعارضة تعيش حالة اختراق معترفا بها وربما محببة وغير مرزولة لا من الحكومات ولا من بعض المعارضة، وهي حالات لا تخفيها الولايات المتحدة التي تتحدث رسميا وعلانية عن الميزانيات التي تخصصها لأجهزة إعلام وإعلاميين في العالم من أجل تغيير صورة الولايات المتحدة ولرسم صورة تختلف عن "الصورة الواقعية والموضوعية" التي تظهرها السياسة والممارسات الأمريكية، حتى لا تتحرك الشعوب على نحو عدائي ضد الولايات المتحدة، خاصة أن هذا البلد مازال يواصل سياساته العدائية وإعمال قوته العسكرية الإجرامية في المنطقة، كما هي لاتزال على سياستها الداعمة لجرائم الجيش الإسرائيلي، بما يتطلب تركيزا شديدا على الإعلام الذي يعمل على تغيير صورة الجرائم ويقدم المبررات للولايات المتحدة ..الخ .
لكن لم لا نقول أيضا إننا أمام حالة إعجاب نفسية بالقاتل القاهر؟. ألا نرى كيف أن كثيرا من المواطنين والإعلاميين والسياسيين معجبون فعلا بالحضارة الأمريكية ؟. هناك من هو معجب بالديمقراطية الأمريكية وتداول السلطة وطريقة صناعة القرار. وهناك من هو مغرم بما يتمتع به الفرد الأمريكي من حرية في جميع المجالات الشخصية وفي حرية العمل وقواعد العلاقة بين الفرد والآخر والفرد والسلطات، وفي ذلك يصل البعض حد الانبهار والتقليد في الملبس والسلوك واستخدام اللغة. وهناك من يرى أن مشكلتنا في العالم العربي والإسلامي أننا لم نأخذ بما أخذ به الأمريكيون والغرب عموما، وهو ما يعكس حالة استلاب حضاري، بسبب النتائج الخطيرة التي نعيشها جراء السياسات الرسمية، إذ مازلنا نعاني حتى من الأمية والجهل لا من التخلف والديكتاتورية فقط، إلى درجة فقدان المواطنين الرغبة في استمرار الحياة.
وكذلك يمكن القول، إن هناك من هو معجب بالقوة الأمريكية تحت الشعور بالعجز عن مقاومتها أو مواجهتها، على طريقة الإعجاب بالقاتل، وهو ظاهرة إنسانية معروفة يعبر عنها بطرق كثيرة مثل إعجاب الضحية بقوة المجرم، أو تقليد الضحية لسلوكه، تجاه من هو أضعف.
|