محمد السعيد ادريس
منذ أسابيع ثلاثة فقط وبالتحديد في الرابع عشر من شهر أكتوبر/تشرين الأول الفائت، شهد منتجع شرم الشيخ المصري أعمال الاجتماع السادس لوزراء داخلية دول جوار العراق من دون أي غياب من هذه الدول، وخاصة سوريا التي شهدت العلاقات بينها وبين العراق توترات على أثر اتهامات حكومية عراقية مباشرة لسوريا بإيواء والتستر على عناصر قيادية من حزب البعث العراقي المنحل مسؤولة عن تفجيرات “الأربعاء الدامي” الذي استهدف وزارات عراقية يوم 19 أغسطس/ آب الماضي وراح ضحيته عدد كبير من القتلى والجرحى.
وكما هي العادة صدر بيان ختامي باهت لا يعكس حقيقة أجواء ذلك الاجتماع، ولا يعبر بأي حال عن واقع العلاقات الحالية بين معظم دول الجوار هذه والعراق بكل ما فيه من تطورات ومآسٍ. لم يستطع الاجتماع أن يجد حلاً للأزمة بين العراق وسوريا، ولم يقدم رؤى استراتيجية لما يجب أن يتجه إليه العراق، وخاصة ما يتعلق بالملفات الأساسية وبالذات ملف العملية السياسية وآفاقها الوطنية، وملف المصالحة، وملف الأمن، وهي ملفات تفرض نفسها بقوة في ضوء تطورين مهمين، أولهما الانتخابات العامة القادمة في يناير/ كانون الثاني المقبل، وثانيهما، انسحاب القوات الأمريكية ابتداء من أغسطس/ آب القادم.
تجاهل التعاطي مع هذه الملفات، والتركيز فقط على الملف الأمني بمعزل عن البيئة السياسية الداخلية والإقليمية، كان له معنى واضح هو أن دول جوار العراق غير راضية عما يحدث داخله، وأنها لم تعد متحمسة لتوريط نفسها في قضايا ينقسم حولها العراقيون بشدة، أو ربما كان سبب هذا العزوف يرجع إلى أن الولايات المتحدة لا ترضى عن أدوار من جانب دول جوار العراق ترى أنها من صميم اختصاصها أو من صميم مصالحها.
هذا العزوف سواء كان اختيارياً أو اضطرارياً دفع بعض هذه الدول إلى التحرك للدفاع عن مصالحها المباشرة من دون تنسيق مع أحد، وبالذات في ملف الأمن، بعد أن تحول العراق إلى مصدر للتهديد لبعض هذه الدول، لكن هذا التحرك جاء بمنظور سياسة “درء المخاطر” من دون التورط في علاجها، إذ بدأت بعض هذه الدول، بدافع من تجنيب نفسها مخاطر التدهور الأمني داخل العراق، إلى إقامة أسوار عازلة على طول الحدود بينها وبين العراق، على نحو ما تعمل عليه السعودية وإيران.
فقد دعت السعودية شركات البناء للمشاركة في منافسة على عقد لبناء جدار أمني على طول حدودها مع العراق البالغة 900 كيلومتر بتكلفة قد تصل إلى 4 مليارات ريال، أي ما يزيد على المليار دولار، على أن يتضمن أسلاكاً شائكة من صفين مزودة بأجهزة تصوير حراري ورادارات وتقنية جديدة ومتطورة لمراقبة الحدود وفق مواصفات عالمية.
هذا الإدراك تبين أنه ليس سعودياً فقط، بل إنه إيراني أيضاً، إذ بدأت السلطات الإيرانية بناء جدار اسمنتي فاصل على الحدود العراقية الإيرانية من جهة إقليم كردستان لمنع التسلل من المناطق التي شهدت، ولأكثر من مرة، عمليات مخابراتية أمريكية على حد الاتهامات الإيرانية. هذا الجدار من شأنه أن يفصل الحدود الجبلية فقط بين إيران والعراق بطول 506 كيلومترات فقط من الحدود بين البلدين التي تبلغ نحو 2200 كيلومتر.
لجوء السعودية وإيران إلى سياسة إقامة الجدران العازلة مع العراق له أكثر من معنى، أولها إدراك البلدين أن الحكومة العراقية ما زالت عاجزة عن ضبط الحالة الأمنية، وأن ما هو قادم بعد الانسحاب العسكري الأمريكي قد يكون الأخطر، وأن العنف مرشح لأن يتفاقم في العراق، ما يجعل العراق، مستقبلاً مصدراً خطيراً لتهديد الأمن في دول الجوار، وبالذات الدول التي قد تكون لها ارتباطات سياسية أو أمنية ما مع الحكومة العراقية أو مع أطراف الصراع في العراق. كما أنه يعني أيضاً أن دول الجوار لم يعد في مقدورها التعويل على تنسيق أمني متبادل مع الحكومة العراقية. الأمر يبدو هكذا بالنسبة للسعودية، لكنه يختلف بالنسبة لإيران حيث تبدو المشكلة جزئية ومحصورة في إقليم كردستان العراق فقط وليس كل العراق، حيث يبدو لإيران دور مميز في مناطق وسط العراق وجنوب العراق.
هذا التوجه يحدث في الوقت الذي تتهم فيه حكومة بغداد بعض دول الجوار بالمسؤولية عن التفجيرات الأخيرة وبالذات تفجير “الأربعاء الدامي” 19/8/،2009 ومن بعده تفجير “الأحد الدامي” 25/10/2009. فرئيس الحكومة نوري المالكي ووزير خارجيته هوشيار زيباري وغيرهما ركزوا اتهامهم على سوريا بالنسبة لتفجير الأربعاء الدامي، وعادوا ثانية لاتهام دول الجوار، دون تسمية سوريا بالتحديد، بالمسؤولية عن تفجير “الأحد الدامي”، فهل يمكن أن تتجه سوريا هي الأخرى لبناء جدار عازل على حدودها مع العراق لدرء هذه الاتهامات في المستقبل، وتبرئة نفسها من مسؤولية ما سوف يواجه العراق من مخاطر أمنية قد تتزامن مع الانتخابات ومع الانسحاب الأمريكي؟
السؤال مهم، لأنه لو فعلت سوريا ذلك لأصبح العراق محاطاً بالأسوار والجدران العازلة التي ربما تساهم، بدرجة لا بأس بها، في تحديد صورة ومعالم هذا العراق الجديد.