إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | جوال إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3107 الإثنين 23 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 6:56:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>>جريدة الجرائد   
    


العرب... ونظرية التطور

GMT 0:24:00 2009 الأحد 8 نوفمبر

الإتحاد الاماراتية


خليل علي حيدر

كانت فكرة تطور الكائنات معروفة قبل "داروين" بقرون تعود إلى الحضارة اليونانية! وقد أشار "ابن خلدون" إلى مذهب التطور في قوله: "إن عالم التكوين ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدرج: آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذور له، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم، متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف". أما في العصر الحديث، فإن أبرز المؤلفين المهتمين بتقديم نظرية التطور إلى القراء العرب كانوا شبلي شميل وعصام الدين حفني ناصف وسلامة موسى واسماعيل مظهر... وغيرهم.

وتعزى نظرية التطور إلى "داروين" حتى أنها كانت تسمى إلى وقت قريب "الداروينية" Darwinism. ويقول سلامة موسى: "إن تشارلز داروين ينتسب إلى أسرة اشتهرت بالذكاء. فإن جده لأبيه هو "أرازموس داروين"، الذي عالج نظرية التطور بالذات، وحاول أن يصل إلى حل لعقدتها، أي أصل الأنواع. أما جده لأمه، فهو Wedgwood، الخزّاف العظيم الذي لا تزال مصنوعاته من الأطباق والزهريات تباع تحفاً غالية يقتنيها الأثرياء للفخر ويعرضونها في مناظرهم للضيوف".

ومن هنا، فإن التراث الذهني الذي ورثه "داروين" من عائلتي أبيه وأمه لم يكن يستهان به، وقد التحق بجامعة "أدنبرة" كي يدرس الطب، ولكنه بعد سنتين كفّ عن التحصيل، نفوراً من الطب. ثم انتقل إلى جامعة "كامبردج" ليدرس الدين واللاهوت ليصبح قسيساً، ثم كفّ أيضاً عن التحصيل. وكان طيلة أيامه في هاتين الجامعتين متعلقاً بهوايته التي صارت بعد ذلك رسالة حياته وغاية وجوده في هذه الدنيا، وهي دراسة الحيوان والنبات. ومن هنا نفهم، يضيف سلامة موسى، "أن داروين لم ينتفع بتاتاً بالجامعة. وتخبطه بين الطب والكهانة يدل على تبلبل ذهنه وتسكعه في الثقافة. كما نفهم أنه لم يكن لهاتين الجامعتين أي فضل في اهتدائه إلى نظرية التطور".

سبق الدكتور "شبلي شميل" الكثيرين من أهل زمانه في الاهتمام بنظرية التطور وآراء داروين، كان "شميل" (1850-1918) طبيباً وعالم طبيعة ومصلحاً اجتماعياً لبنانياً. وقد درس في "المدرسة الكلية" ببيروت علوم النبات والكيمياء ووظائف الأعضاء أو الفيزيولوجي. وأتم دراسته الطبية عام 1871وانتقل إلى مصر، ثم سافر إلى أوروبا حيث درس مذهب التطور دراسة مستفيضة، وتتلمذ هناك على المدرسة المادية الألمانية، واعتبر نيوتن وداروين "إمامين عظيمين من أئمة المادية"! وكان إلى جانب ذلك أديباً ناقداً مهتماً بالإصلاح الاجتماعي، وداعياً إلى إقامة التربية على أساس من حرية الفكر، كما كتب سلسلة مقالات في مجلة المقتطف المصرية.

شرح شبلي شميل نظرية التطور في كتابه الشهير "فلسفة النشور والارتقاء"، الذي طبع بمطبعة المقتطف مرتين عام 1910. والكتاب في الواقع ترجمة عربية للكتاب الألماني لودفيغ بوخنر Buchner، الطبيب والفيلسوف الذي أُرغم بسبب آرائه الفلسفية وتبنيه المادية المتطرفة، على ترك منصبه بجامعة "توبنجن"، فكرس حياته للطب والتأليف.

يقول د. شميل في مقدمته للكتاب:"إن فضل داروين العظيم ليس في فكرة وضع أساس هذا المذهب، بل بتأييده له بالأدلة العلمية الطبيعية، وجعله صالحاً لا لأن يطبق على الأحياء وحدها فقط، بل لأن يشمل الطبيعة كلها، لا في الأرض ومواليدها الجماد والنبات والحيوان فقط بل في السماء وأجرامها أيضاً".

وكان شبلي شميل في أول حياته الدراسية بالجامعة، عندما كان يدرس الطب في "المدرسة الكلية السورية"، قد سمع بنظرية التطور لأول مرة، وذلك عام 1871. ويقول: "سمعت -ولا أذكر كيف سمعت- أنه قام رجل يَدَّعي أن أصل الإنسان من القرد. فلم أتحر حقيقة هذا القول، ولم يكن في تعليم المدرسة ما يحملني على التبصر فيه. وغاية ما أذكر أني لم أسمع به حتى أظهرتُ اشمئزازي منه ومن قائله الذي اعتبرته حينئذ دَعِيّاً ما خالف إلا ليُعرف.. ثم مرت الشهور ولا أذكر أني عرفت عن هذا المنصب شيئاً جديداً حتى نسيته. ولكن الذي لم أكن أقصده في ذلك الحين لم يلبث أن صار موقف أفكاري وموضوع حديثي وغرضي في كل كتاباتي بعد مبارحتي المدرسة ورحلتي إلى أوروبا واطلاعي على هذا المذهب في مؤلفات أصحابه. ولقد بلغ مني الاقتناع بصحة هذا المذهب أني صرت اعتبر مبادئه أوليات لا يجوز أن تخفى على أبسط متعلم، وأقل مفكر، وإذا لم يصرح بها فلعدم جسارة أو لمصلحة".

ورغم قناعة د. شبلي المادية البحتة بفهم ظهور الحياة وتطور الكائنات، فإنه يؤكد في ردوده أن مذهب داروين لا ينقض إيمان المؤمنين ويقول: "لقد ضيق خصوم هذا المذهب المذاهب على أنفسهم بتحاملهم عليه من أجل الإيمان، وهذا ليس من الحكمة في شيء ولا سيما أن هذا المذهب آخذ بالامتداد يوماً فيوماً، وربما لا يمر ربع جيل حتى يخلو له الجو من كل معارض. على أن مجال الإيمان أوسع من أن يضيق بمذهب هذا النشوء".

ومن بين جوانب السجال الذي ثار في العالم العربي والإسلامي حول أفكار داروين، تلك التي يقول فيها الشيخ نديم الجسر (توفي عام 1980)، مفتي طرابلس الشام، في كتابه "قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن":

(... ما دام المدار في اعتقاد المسلمين في شأن عوالم الأكوان أن يعلموا علماً جازماً أنها -أي عوالم الأكوان- حادثة، فلابد لها من مُحْدِث هو الله تعالى الذي أوجدها من العدم ونوّعها إلى أنواعها التي نشاهدها، فلا فرق عندهم بين أن يعتقدوا أن الله تعالى أوجد أنواع هذه العوالم بطريق الخلق، أي أنه أوجد كل نوع منها ابتداء، مستقلاً عن غيره، ليس مشتقاً من سواه -سواء أوجده دفعة واحدة أو بتكوين متمهل- وبين أن يعتقدوا أن الله تعالى أوجد أنواع هذه المعالم بطريق "النشوء"، أي أنه أوجد المادة البسيطة ثم رقّاها إلى عناصر ثم إلى معادن، ثم إلى أبسط جسم حي "البروتوبلازما" ثم إلى أدنى النبات أو الحيوان، ثم فرّع من ذلك بقية الأنواع واشتق بعضها من بعض واختار إبقاء البعض وإبادة البعض، وأجرى جميع ذلك على نواميس، وضعها في المادة يتسبب عنها ذلك الارتقاء والتنوع إلى أن بلغت تلك العوالم أنواعها التي هي عليها الآن. فكل من هذين الاعتقادين، أي اعتقاد طريق "الخلق" واعتقاد طريق "التطور" لا ينافي الاعتقاد بوجود الله تعالى، وأنه الخالق لهذه العوالم على كل حال).


 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2009 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By