GMT 5:08:55 2012 السبت 11 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

حين يقلعون شوكهم بأيديهم
الخليج الإماراتية

GMT 23:19:00 2009 الأحد 8 نوفمبر


عبدالله السويجي

تصريح واحد من هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، وينفتح شلال نقاش لا ينتهي، ويبدأ المنجمون والسياسيون والمحللون في تأويل (حديثها) وتصريحاتها. وقنبلة كلامية من نتنياهو، رئيس وزراء العدو، ينشغل العرب في لملمة شظاياها لأيام طويلة، ولا يملكون الرد عليها ولو بكلمة واحدة، خوفاً من أن ينجرح (إحساسه)، وتثور (أعصابه)، وحتى لا يعطوه (مبرراً) لشن هجوم على غزة، يستخدم فيه الأسلحة المحرّمة دولياً، فيضطرون عندها للدخول في جدل آخر حول تقرير تقوم به منظمات حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، والأمم المتحدة، فالصمت أفضل، فهو المنجّي من الحرج، والمحافظ على ماء الوجه، إن كان لا يزال في الوجوه ماء.

 لعبة الكلام حرفة لم يعد يجيدها السياسيون العرب، وكانوا أسياد هذه اللعبة، والدبلوماسية وإدارة الأزمات، على الرغم من أنها ليست طارئة على العرب أو المسلمين، إلا أنهم حالياً، ربحوا جائزة أسوأ إدارة للأزمات. والخلاف الذي يدور على الألفاظ والمصطلحات، يدل على أن لا شيء مؤكد، ولا شيء واضح، والعرب يعيشون في غابة من الضباب الكثيف، فلا يرون عدوهم، ولا أصدقاءهم، ولا أنفسهم، فكيف سيتحرك من يسير في الضباب، وكيف سيقرر من يصرّ على أن السراب ماء.

 هيلاري كلينتون، البليغة في الحديث، التي كانت وراء نجاح زوجها (بيل) في انتخابات رئاسته، تقول إن وقف الاستيطان ليس شرطاً لاستمرار عملية السلام، ولم يكن شرطاً منذ البداية، والأهم من وقف الاستيطان في فلسطين المحتلة، هو البدء في محادثات السلام، ومحادثات السلام النهائية أيضاً، وهو أمر مثير للدهشة والعجب، إلا أن أحداً لم يندهش ولم يتعجب، فكان رد محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، عدم رغبته بترشيح نفسه للرئاسة، ولا ندري هل هو يردّ على العدو أو على حركة حماس، أم أنه (يتدلل)، وهذه مسألة أخرى. أما أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصري، فيريد (شيئاً مكتوباً) حول هدف المفاوضات، أي أن يتعهد العدو بأن تؤدي هذه المفاوضات إلى دولة فلسطينية. وهذا العدو، يريد من العرب والفلسطينيين، أن يعترفوا بيهودية فلسطين، ويعود الحوار إلى أوله، أي إلى دائرة مفرغة، لا يملك فيها العرب مشرطاً لفتح كوة صغيرة، فكل أوراقهم حرقت، منذ أن اختاروا (السلام) كخيار نهائي ورئيس في سياستهم الخارجية.

 وتدخل امرأة أخرى على خط الجدل المثير للتقيؤ، وهي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تنطحت بتصريحات ليست عجيبة، وهي تتحدث أمام الكونجرس الأمريكي حين قالت: “تهديد “إسرائيل” تهديد لنا”، وكأنها تقول إن هنالك معاهدة دفاع مشترك، وقالت إن أمن “إسرائيل” لم يكن أبداً بالنسبة لها مسألة قابلة للتفاوض، وعلى الرغم من أن كلامها كان موجهاً لإيران، حيث قالت، إن إيران تعلم أن هناك حدوداً لصبر المجتمع الدولي عليها. وأضافت أنه يجب ألا يكون هناك وجود لدولة مثل إيران تهدد “إسرائيل”، أي تنادي السيدة ميركل بشطب إيران الحالية عن الخارطة واستبدالها ربما بعراق آخر، لأنها تهدد الكيان الصهيوني، إلا أن السيدة أنجيلا في الواقع، تهدد العرب جميعاً، والمسلمين جميعاً، الذين حافظوا على سياسة الصمت المريب والعجيب تجاه تصريحاتها، فألمانيا دولة (صديقة)، وميركل صديقة شخصية للكثيرين، وبالتالي، من الصعب أن نجرح (أنوثتها) بكلمة واحدة، حتى لا تبيت مكتئبة، وتقرر مضاعفة الدعم للكيان الصهيوني.

 هناك هشاشة في القدرة على إدارة الأزمات الداخلية والإقليمية، والانقياد وراء الخضوع للإملاءات الخارجية، وعدم أخد الاحتياطات المستقبلية لمواجهة الصراع، إذ يكتشف بعض السياسيين العرب، بعد (لعبة طويلة)، بأن أمريكا كانت تناور مع إيران، وها هي تتصالح معها أو تهادنها، وتبقي على هيمنتها، وتغض الطرف عن تنامي قوتها العسكرية، وتعزز ثقلها الإقليمي، ومع قرارها بالانسحاب من العراق خلال العامين القادمين، فإن المنطقة ستكون عرضة لتثبيت الهيمنة، والإبقاء على القوة الإيرانية، كما كانت أيام الشاه، وهذا الوضع مطلوب ومرغوب من قبل الولايات المتحدة والغرب، حتى تستمر في (حلب) خيرات المنطقة. هذه الحقيقة، استفاقت عليها أنظمة عديدة، من بينها دول خليجية بشكل متأخر، وهم الآن يواجهون مهمة (قلع شوكهم بأيديهم)، وهذا قد يؤدي إلى صراع مسلح طويل الأمد، ستكون أبرز نتائجه، تحييد العدو الصهيوني عن أولويات المواجهة، ومنحه سنوات من الاستقرار السياسي، والرخاء الاقتصادي، وإعطاءه فرصة (الاستفراد) بالشعب الفلسطيني، وفلسطين، التي لم تعد تشكل أولوية، في مقابل الأمن (الوطني) لكل دولة، والأمن الإقليمي لكل تجمع أو مجموعة.

 العرب جميعاً في حاجة ماسة لإعادة رسم سياستهم من جديد، لقد جربوا أمريكا طيلة عقود طويلة، والثوريون جرّبوا روسيا والمعسكر الاشتراكي لعقود سابقة أيضاً، أما آن الوقت كي يجرّبوا أنفسهم؟ وأن يقفلوا الباب على أحاديثهم في اجتماع أسري خلاق؟ فالخطر يطل برأسه، ومنطق التاريخ يقول، لم يفت الوقت بعد.. فهل سيدرسون التاريخ، أم سيبقون هكذا، يؤكلون تباعاً؟ مجرد أسئلة، ولكنها تبدو كنصل السيف، الذي شبهوا الوقت به، فالوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك، والوقت هو التاريخ.