القضية الفلسطينية ومحدودية الخيارات
كلوفيس مقصود
إن عزوف الرئيس محمود عباس عن الترشح لرئاسة السلطة، يشكل فرصة تتيح للقيادات الفلسطينية إعادة النظر بشكل جذري في مكامن الضعف في “مسيرة السلام” التي كانت قد انطلقت منذ اتفاقيات أوسلو ولغاية اليوم. إلا أن أية مراجعة نقدية يجب أن تنفذ إلى جذور الأسباب التي آلت إلى الحالة الراهنة للشعب الفلسطيني ولحقوقه التي رسختها القرارات والشرعية الدولية، والتي أسهمت اتفاقيات أوسلو، وما استتبعها من تداعيات جمة ومساومات مقيدة ووعود كاذبة، ومراهنات تحولت إلى ارتهانات بذريعة انتهاج سياسات “واقعية”. أجل كل هذه العوامل دلت على جهل أو تجاهل لما ينطوي عليه المشروع الصهيوني. وفي كلا الحالتين فإن القيادة الفلسطينية مطالبة بمراجعة تؤول إلى تراجعها عما ارتضته من مكبلات معني في إفقادها بوصلة المقاومة من جهة، وكونها مرجعية موثوقة للنضال من أجل التحرير.
من هذا المنظور نستطيع أن نقول إن قرار عزوف الرئيس عباس عن الترشح يشكل إدانة واضحة وصريحة لمجمل السلوك الفلسطيني، حتى وإن لم يشمل خطابه ممارسة نقد الذات، ما يفتح الأبواب أمام القيادات الفلسطينية فرصة النفاذ إلى الأسباب الحقيقية التي آلت بدورها إلى الاستنتاجات التي دفعت الرئيس عباس إلى أخذه قرار عدم الترشح لمنصب رئاسة السلطة.
صحيح أن وضع الإدانة ل”إسرائيل” ومجمل تعاملها مع الحقوق الوطنية الفلسطينية لا يندرج لغاية الآن عن تصميم في ممارسة نقد الذات، والتي من شأنها أن تعيد لمنظمة التحرير حيوية تحررها من “التمكتب”، ولفتح إرثها النضالي الذي يؤهلها إلى استئناف دورها الطبيعي. هذا يعني أن عزوف الرئيس عباس عن رئاسة السلطة يجب ألا يعني أن بقاءه على رأس منظمة التحرير وفتح، كونه يبقى “لاعباً” رئيساً كما تتوقع الإدارة الأمريكية أو تتمنى - لكن لا مفر من التسليم بأن المعادلة المنبثقة عن إدانة مجمل السلوك “الإسرائيلي” يجب أن تنطوي على تعديلات جذرية في دور كل من منظمة التحرير وفتح. فمن دون هذه التعديلات المطلوبة، سوف تبقى “إسرائيل” متحكمة ومنفردة بإدارة الصراع، من دون أي رادع لتمادي استباحتها وإمعانها في التمدد الاستيطاني الهادف إلى تأكيد ملكيتها، بحيث تصبح المقاومة المشروعة مجرد تمرد على “شرعية” “إسرائيل” غير المعلنة حدودها. ف”إسرائيل” تتعامل مع أية معارضة لها - ناهيك عن مقاومة لاحتلالها - وكأنهما مجرد حركات تمرد انفصالية عن “إسرائيلها”.
وهنا مكامن الضعف الرئيسة في ما ميز المباحثات بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية.
نشير إلى هذه الحقائق التي بقيت مغيبة لأن إحدى ركائز استئناف المقاومة بشتى تجلياتها العصيان المدني، التفاوض، المظاهرات، اللجوء إلى الأمم المتحدة وفى حالة استنفاد هذه الخيارات تكون المقاومة المسلحة الخيار الذي شرعنه القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لذلك فإن الأولوية هي العودة التي تمكّن الدول العربية والمجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، من انتزاع اعتراف “إسرائيل” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بأنها “محتلة”.
من دون هذا الإنجاز وما ينطوي عليه من ممارسة ضغوط حاسمة، فسوف نبقى في وضع يؤدي إلى مزيد من الاستيطان، ومزيد من تهويد القدس، ومزيد من خرق حقوق المواطنة لعرب “إسرائيل”، ومزيد من التلعثم “الدبلوماسي”، كما شاهدنا أثناء زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية، ومزيد من التفكك في الحالة العربية، ومزيد من عدم الاحترام الذي يستحقه نضال وتضحيات الشعب الفلسطيني وسلامة الالتزام القومي العربي.
إنه من المستغرب أن الإصرار على أن تعترف “إسرائيل” بكونها محتلة لم تلازم قياديي السلطة كل هذه المدة. ولغاية الآن، عندما يشترط أبو مازن أنه: “لن يستأنف المفاوضات إلا إذا أوقفت “إسرائيل” الاستيطان” ما دفع نتنياهو أن يوحي للإدارة الأمريكية عشية زيارته لواشنطن استعداده لوقف مؤقت، لكن ليس في القدس، كونها كما أكد أنها “ليست فلسطينية”.
إذا كنا جادين في تصميمنا على استعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس، فقد حان الوقت أن تستعيد منظمة التحرير الفلسطينية شمولية تمثيلها، وبالتالي إعادة النظر بمؤسساتها، كي تعود مرجعية لكل الفلسطينيين، وأن نوصل إلى الإدارة الأمريكية أن يعيد العرب النظر في ما هو قائم من علاقات دبلوماسية أو تجارية.. (كما حدث في إعادة تفعيل المقاطعة) وأن الإدارة الأمريكية يجب ألا تبقى رهينة الفيتو الذي يمارسه الكونجرس، والذي يقدم على إلغاء دور موضوعي لها في الصراع العربى “الإسرائيلي”، والكف بدورها على التهديد باستعمال حق النقض في كل إدانة، أو احتمال معاقبة “إسرائيل” للخروقات المتواصلة وارتكابها جرائم ضد الإنسانية، كما حصل في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
على العرب أن يعتبروا تقرير جولدستون درساً لحقيقة أهداف وممارسات “إسرائيل”، وأن الواقعية المطلوبة تكون باسترجاع وحدتهم حتى تعود قضية فلسطين إلى كونها قضية الوجدان العالمي.
*مدير مركز عالم الجنوب بالجامعة الأمريكية في واشنطن