GMT 11:28:35 2012 السبت 11 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

عام على أوباما
الحياة اللندنية

GMT 1:00:00 2009 الإثنين 9 نوفمبر

عام على أوباما: تساؤلات وخيبات؟

عرفان نظام الدين


«الدنيا حظوظ» مقولة تنطبق على الرئيس الأميركي بارك أوباما حتى إشعار آخر. فمن فوزه في انتخابات الرئاسة قبل عام واحد بالتمام والكمال، إلى نيله جائزة نوبل للسلام على النوايا قبل أن يحقق خطوة واحدة تبرر اتخاذ مثل هذا القرار، إلى تخطيه عقبات داخلية كثيرة رغم تعدد الهفوات وتكرار الأخطاء ونثر الوعود البراقة غير القابلة للتطبيق في كل الواقع الأميركي الداخلي والخارجي .

وعامل الحظ قد يكون صورياً فقط استكمالاً للصورة الكاريكاتورية لممارسات رئيس غير تقليدي خلال تسعة اشهر قضاها في البيت الأبيض بإنجازات قليلة وخيبات متعددة. فكم من رئيس قبله، مثل ريتشارد نيكسون سقط نتيجة هفوة قد لا يكون مسؤولاً عنها، وكم من رئيس سقط في الانتخاب الجماهيري رغم تحقيقه إنجازات كبرى مثل تحرير الكويت (الرئيس جورج بوش الأب) وجمع العرب والإسرائيليين تحت سقف واحد في مؤتمر مدريد للسلام عام 1990، إلا أن أوباما تمكن بأعجوبة من اجتياز كل المسافات والامتحانات داخل حزبه وفي الاستحقاق الرئاسي الأكبر، وأزاح شخصيات أميركية نافذة ليتربع على عرش البيت الأبيض بلا غطاء ولا دعم لوبيات ولا تاريخ عسكري أو سياسي يذكر.

وما زالت التساؤلات مستمرة على مدى العام ولا ينقطع صداها.

كيف تمكن رجل أسود من أصل أفريقي ومن أب مسلم، من كسر المحرمات وتجاوز الممنوعات وتحطيم التقاليد؟ وكيف تمكن من الوصول إلى عرين البيت الأبيض بيسر وسهولة كأن يداً سحرية فتحت له الأبواب وأعمت الأبصار وردت الأحقاد إلى صدور أصحابها وتخطت الصعوبات، فيما الولايات المتحدة تئن من آلام تركة ثقيلة خلفها لها الرئيس السابق جورج بوش عسكرياً ومالياً وسياسياً ومعنوياً، وفيما الشعب الأميركي يرزح تحت أعباء البطالة والفقر والضياع.

رغم الحملات التي بدأ يتعرض لها الرئيس، ورغم السهام التي توجه إلى صدره بين الآونة والأخرى، لا أحد يجرؤ على طرح ردود مقنعة على هذه الأسئلة... كما أنه ما من أحد يريد استباق الأمور والتشكيك في قدراته والجزم بنجاحه أو فشله.

قد يقال إن بضعة اشهر من عمر الرئاسة غير كافية للحكم على الحاكم مهما كانت شخصيته ومهما تميزت قدراته وإمكاناته، لكن علم السياسة يقول أن أول امتحان لأي مسؤول وحاكم يبدأ بعد مئة يوم على توليه مهماته وإن أهم امتحان يبدأ بعد عام ومن بعده يجوز الحساب والحكم على الأعمال ومقارنتها بالوعود والأقوال تماماً كما في العمل العسكري حيث يقيم الخبراء نتائج الأسبوع الأول ليحددوا فيها إمكانات الربح والخسارة ومجريات المعارك واحتمالات الموقف.

ولو قيمنا بموضوعية أعمال الرئيس أوباما حتى الآن ومقارنتها بوعوده وأعماله لرصدنا إنجازات كثيرة قياساً على أقواله وخيبات متعددة نتيجة للشكوى من بطئه أو تباطئه، ومن عدم تحليه بالجرأة اللازمة لحسم الأمور واتخاذ القرارات بسرعة وليس بتسرع، إضافة إلى تردده في مجابهة المصاعب ووضع النقاط على الحروف عند الحاجة.

وأكبر مثال على ذلك موقف أوباما من قضية الشرق الأوسط، والصراع العربي -الإسرائيلي بشكل عام، فقد استبشر الجميع خيراً بقدومه ووعوده ومواقفه وتوقعوا منه حسماً في حمل الأطراف، ولاسيما المتمردة إسرائيل، على القبول بإرادة السلام والتجاوب مع طروحاته الداعية الى الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، واحترام قرارات الشرعية الدولية بشأن الانسحاب إلى حدود عام 1967 ووقف الاستيطان الاستعماري في الأراضي المحتلة وصولاً إلى الاعتراف بالمبادرة العربية كأساس من أسس البحث عن السلام.

ولكن ماذا جرى بعد عام على تكرار طرح هذه الأطر العامة؟ لا تقدم في أي مسار وتعنت إسرائيلي فاضح وتحديات صهيونية وقحة للولايات المتحدة، ورفض شامل من قبل اليمين الصهيوني المتطرف بقيادة بنيامين نتانياهو لأي طرح أو لأي مدخل للسلام حتى ولو بدأ بتجميد الاستيطان.

وبدلاً من أن يلجأ أوباما الى الضغط على إسرائيل وفضح نواياها والكشف عن المعرقل والمتعنت، وجه ضغوطه إلى الفلسطينيين للقبول باستئناف المفاوضات، وإلى القيادات العربية لحملها على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل كبادرة سموها زوراً «حسن النيات «، لعلها تقبل وتتنازل وترضى بتقديم فتات السلام وجاء موقف وزيرة الخارجية الأميركية الأخير ليعبر عن الجبن والانحياز والتراجع عن كل ما قيل ليزيد من خيبات الأمل.

وهكذا يبدو العام الماضي خالياً من الدسم بالنسبة الى قضية العرب المركزية يخرج منه أوباما خالي الوفاض بلا إنجازات تذكر، بل خيبات أمل عربية شاملة. إلا أن شعلة الأمل لم تنطفئ بعد لأن الرئيس أوباما ما زال محافظاً على وعوده ومن بينها سعيه الدؤوب لترويض الوحش الإسرائيلي وممارسة ضغوط لحمله على التخفيف من غلوائه.

فالانتظار لم يتحول إلى ملل ويأس بعد بخاصة أن خطوات مهمة اتخذت لردم الهوة بين العرب والولايات المتحدة، وتحسين الصورة التي شوهها عهد بوش ومد يد الحوار الجريء والبناء مع العرب والمسلمين في سلسلة خطوات ومواقف كان أبرزها خطاب القاهرة الموجه الى العرب والمسلمين الذي استقبل من قبلهم بإيجابية وارتياح.

كما حقق أوباما خلال عامه الأول إنجازات عدة من بينها فتح باب الحوار مع الدول العربية ومن بينها دول كانت على قطيعة مع الولايات المتحدة مثل سورية والسودان، ومع دول إسلامية أخرى مثل إيران رغم الإخفاق في تحقيق أي إنجاز أو تقدم في شأن معالجة ملفها النووي مما ينذر بمواجهات وأحداث جسام قد تضع المنطقة على حافة الخطر الداهم.

وفي العراق تساوت الإنجازات والخيبات، فقد حقق أوباما جزءاً من وعوده بسحب القوات الأميركية من المدن وإعداد العدة لإتمام الانسحاب العسكري في عام 2011 على أبعد تقدير، إلا أنه لم يحدد بعد سبل الخروج ومدى المساهمة في إنقاذ هذا البلد العربي المنكوب من مصير محتوم ومنع التقسيم والتفتيت والفتن والحروب الأهلية لنصل إلى سؤال مطروح بإلحاح وهو أي عراق ستنسحب منه القوات الأميركية؟ مع مقولة تتردد باللهجة العراقية وتعبر عن اليأس من الوضع المأسوي الراهن وهي: «ماكو عراق بعد اليوم».

أما في أفغانستان فالوضع مماثل. المأزق يتسع وأوباما متردد في مواجهته ومشتت بين من يدعو من مستشاريه لإرسال مزيد من القوات لمعالجة التصعيد العسكري ومواجهة النزف البشري والمادي في بلاد لا أمل بتعافيها، وفريق آخر يطالبه بالمسارعة في اتخاذ قرار بالخروج المشرف من هذا المستنقع الدامي لحصر الخسائر وتجنب الثمن الباهظ الذي قد يُدفع في المستقبل.

ويدور الآن جدل واسع في أواسط النخبة الأميركية حول هذا الواقع المرير. ففي رأي هنري كيسنجر وزير الخارجية الأسبق أن إستراتيجية الخروج المثلى من أفغانستان هي الانتصار ورفض الانسحاب من دون رعاية النتائج المترتبة عليه. أما بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع الأميركي السابق وهو من منظري المحافظين الجدد فيتهم سياسة أوباما بأنها غير واقعية. وتزامناً مع هذا الجدل بدأت أبواق صهيونية معروفة ومدعومة من إسرائيل ومنظمة «ايباك» واللوبي الصهيوني وبقايا المحافظين الجدد من إدارة بوش المندحرة حملة مركزة على أوباما في كل الاتجاهات بل قيل أن شبكة «فوكس» المحافظة أعلنت الحرب عليه مما دعا البيت الأبيض إلى الرد عليها.

أما على صعيد العلاقات الدولية فقد تميزت خطوات أوباما بالتردد من دون تحقيق أي هدف لتعزيز صورة الولايات المتحدة وهيبتها. فقد قدم هدية مجانية لروسيا بإلغاء مشروع الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا من دون أن تبادله بثمن ما ولو في حدوده الدنيا ولاسيما في شأن الملف النووي الإيراني. كما أنه لم ينجح في بناء سد متماسك بين الولايات المتحدة وأوروبا وصولاً إلى الصين واليابان.

ومع هذا فإنه من الظلم الحكم بالفشل منذ «النظرة الأولى» لأن التركة كانت ثقيلة جداً والمصاعب والعقبات والأزمات تواجه اوباما من كل حدب وصوب، والأمل ما زال قائماً بالبدء بخطوات ثابتة وجدية وباتخاذ قرارات صائبة وحاسمة تعيد الثقة إلى النفوس.

فقد أسهمت الصعوبات التي تعرض لها أوباما في عامه الأول على الصعيد الداخلي في شل حركته الخارجية لاسيما بعد المعركة التي خاضها لإقرار مشروعه لإصلاح النظام الصحي إضافة الى عدم تمكنه حتى الآن من الانطلاق في مسيرة إصلاح النظام الاقتصادي وتجاوز الأزمة المالية الحادة التي خلفها له عهد بوش. فكل الإجراءات التي اتخذها لم تفلح في إعادة بناء الثقة مما يحمله مسؤولية مضاعفة جهوده لتحقيق إنجازات في عامه الثاني الحاسم بعد أن عمت الخيبات، ومن بعدها يصبح المصير غامضاً بخاصة على صعيد تحركه المستقبلي لتجديد ولايته لفترة رئاسية ثانية وتعزيز نفوذه المهزوز داخل حزبه الديموقرا�%B