في غياب «أبو عمار»
الرأي العام الكويتية
GMT 1:05:00 2009 الخميس 19 نوفمبر
هناك حياة للفلسطينيين في غياب «أبو عمار»
خيرالله خيرالله
بدأ الفلسطينيون يتعودون على فكرة الحياة من دون «أبو عمار» الذي مرت قبل أيام الذكرى الخامسة على غيابه. طوال خمسة أعوام، ترك «أبو عمّار» فراغاً ضخماً على كل صعيد، خصوصاً في مجال القدرة على ممارسة الزعامة ممارسة حقيقية. مكنته تلك القدرة من وضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الأوسط والعالم. من قبره في رام الله لايزال «أبو عمار» يقرع يومياً أبواب القدس مؤكداً، رغم كل المصائب التي حلت بالشعب الفلسطيني والنكسات التي تعرضت لها ولاتزال تتعرض لها القضية الفلسطينية، أن الدولة المستقلة ستبصر النور عاجلاً أم آجلاً.
كان «أبو عمار» يدرك كم قضيته كبيرة. كان يؤمن بالشعب الفلسطيني وقدرة ابنائه على المقاومة والصمود، كان يعرف جيداً أن المعركة مع إسرائيل، والاحتلال الذي تمثله، معركة حضارية قبل أي شيء آخر. لذلك، كان يحتفظ دائماً في جيب قميصه ذي اللون الكاكي بورقة عليها بعض الأرقام. تشير الأرقام إلى عدد الأطباء والمهندسين والمحامين والعلماء في صفوف الشعب الفلسطيني. كان يشدد على أن الشعب الفلسطيني بين أكثر الشعوب العربية تعلقاً بالعلم والمعرفة يحاول بهما تعويض جانب من الظلم التاريخي الذي لحق به.
اختصر ياسر عرفات القضية الفلسطينية في شخصه طوال ما يزيد على ثلاثة عقود. أدخل فلسطين إلى الأمم المتحدة وأقام لها سفارات وبعثات ديبلوماسية في معظم دول العالم. دخل البيت الأبيض وعاد إلى فلسطين من بوابة واشنطن واتفاق «اوسلو». من كان يصدق أن «أبو عمّار» سيرى يوماً أرض فلسطين وأن قبره سيكون في رام الله، موقتاً، وليس في عمان، أو بيروت، أو تونس؟ لن يكون بعيداً اليوم الذي سيعود فيه ياسر عرفات إلى القدس... عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة «القابلة للحياة».
في الأعوام الخمسة الماضية، طرأت تغييرات جذرية على المشهد الفلسطيني. كان ذلك طبيعيا نظراً إلى أن ياسر عرفات أقام نظاماً على قياسه. انهار هذا النظام عملياً مع غياب الرجل الذي كان كل شيء بالنسبة إلى فلسطين، كان يتعاطى في الصغيرة والكبيرة، كان صاحب القرار السياسي والعسكري والمالي والتنظيمي، خصوصاً بعد استشهاد «أبو جهاد» و«أبو اياد». في المرحلة الممتدة من العام 1990 وحتى وفاته في العام 2004، لم يعد هناك بين القادة الفلسطينيين من يستطيع الدخول في نقاش جدي معه أو الاعتراض على بعض مواقفه سوى السيد محمود عبّاس «أبو مازن» الذي ينتمي إلى طينة أخرى من السياسيين، طينة الذين لا يعرفون المداهنة، ولا المناورة، ولا حتى استخدام الأشخاص ضد بعضهم بعضاً، كما كان يفعل «أبو عمّار». «أبو مازن» رجل واضح وجريء يلتزم كلمته، هو باختصار رجل يعرف ماذا يريد ويعرف خصوصاً أن ليس في استطاعته أن يكون «أبو عمّار» آخر.
منذ توقيع اتفاق «اوسلو» في خريف العام 1993 في حديقة البيت الأبيض، حقق ياسر عرفات قسماً لا بأس به من طموحاته السياسية. عاد إلى فلسطين ومارس السلطة على جزء من الأرض الفلسطينية وأن بطريقة عشوائية تذكّر في أحيان كثيرة بالأخطاء القاتلة التي ارتكبها في عمان، وبيروت، ثم في العام 1990 عندما لم يحسن التصرف، ولو من باب التزام الحد الأدنى من الوفاء، إثر الاحتلال العراقي للكويت. ولكن ما كان يشفع به دائماً تمسكه بالقرار الفلسطيني المستقل وهذه من الميزات القليلة التي تجمع بينه وبين «أبو مازن». استطاع ياسر عرفات أن يبقى رمزاً لفلسطين حتى لحظة وفاته في باريس في ظروف يظن كثيرون أنها غامضة.
بدّل غياب ياسر عرفات كل شيء في المشهد الفلسطيني. هناك نظام انهار. على انقاض هذا النظام، نشأ وضع جديد يتمثل في صعود «حماس» واستيلائها على قطاع غزة وتحويله إمارة إسلامية على الطريقة «الطالبانية» مدعومة من المحور الإيراني- السوري. احتاج الفلسطينيون خمسة أعوام كي يدركوا أن هناك مشكلة كبيرة ناجمة عن الفراغ الذي خلفه غياب ياسر عرفات. ما لابدّ من التوقف عنده في هذه الأيام ليس إعلان «أبو مازن» امتناعه عن خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة المتوقعة في الرابع والعشرين من يناير المقبل والتي باتت مرشحة للتأجيل. في النهاية، تختلف شخصية الرئيس الفلسطيني الحالي بشكل جذري عن شخصية ياسر عرفات الذي كان متمسكا بالسلطة إلى أبعد حدود. ولذلك، ربّما قرر محمود عبّاس الانصراف بهدوء تاركاً الفلسطينيين يتدبرون أمورهم بأنفسهم بعدما خذله الوسيط الأميركي. بكلام أوضح، كان رهان «أبو مازن» على شخص الرئيس باراك اوباما الذي زاره قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية وأكد له أنه سيبذل منذ اليوم الأول لدخوله إلى البيت الأبيض جهوداً للتوصل إلى تسوية على أساس خيار الدولتين استناداً إلى مرجعية واضحة هي خطوط العام 1967.
من حسن الحظ أن الأشهر القليلة الماضية شهدت للمرة الأولى محاولات جدية لإقامة مؤسسات فلسطينية. وإذا كان من ايجابية لقرار «أبو مازن»، الذي ليس مستبعداً أن يصر على موقفه، هذا إذا لم تؤجل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، فأن هذه الإيجابية تمثل في أنه صارت هناك نواة لمؤسسات فلسطينية في الضفة الغربية. إنها مؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية تعتبر أن القضاء على فوضى السلاح تشكل العامل الأهم في الصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي تمهيداً لدحره. الفضل في ذلك يعود إلى حد كبير إلى حكومة الدكتور سلام فياض وإلى الجيل الجديد في «فتح» الذي أصرّ على انعقاد المؤتمر العام للحركة في بيت لحم وليس في أي مكان آخر.
بعد خمسة أعوام على غياب «أبو عمار»، يبدو مفيداً الاعتراف بأن الفلسطينيين في الضفة الغربية حققوا تقدماً على صعيد ملء الفراغ من جهة، وتأكيد أنهم شعب يستحق الحياة ويستأهل الحصول على دولة من جهة أخرى... بدأ الفلسطينيون يتعودون على فكرة أن «أبو عمار» لم يعد موجوداً وأن المستقبل للمؤسسات وليس للذين يختزلون المؤسسات في شخصهم، مهما كان هذا الشخص عظيماً ومهما بدا أنه قادر على ممارسة اللعب على التناقضات!