قانون الانتخابات العراقي
أوان الكويتية
GMT 23:20:00 2009 الخميس 19 نوفمبر
قانون الانتخابات العراقي الجديد.. بين معضلتي كركوك وجبهة الخلاص
محمد السعيد إدريس
بعد جهود مضنية استمرت أسابيع عدة، أمكن تمرير مشروع قانون الانتخابات العراقية في خطوة اعتبرها المسؤولون العراقيون ضماناً للتداول السلمي للسلطة من ناحية وضربة قاصمة «للإرهابيين» و»الظالمين» من ناحية أخرى. فإلى أي حد يمكن أن تمثل انتخابات مجلس النواب العراقي، المقرر إجراؤها يوم الثامن عشر من شهر يناير المقبل، خطوة نحو حدوث تداول سلمي للسلطة في بغداد، وإلى أي درجة يمكن أن تؤدي أيضاً إلى تحقيق الأمن والاستقرار في العراق واحتواء مسلسل العنف (المتجدد)، وإلى أي مدى كانت المخاوف الأمنية سبباً في الاضطرار إلى تجاوز الانقسامات والخلافات حول هذا القانون وبالذات حول ما يتعلق بمحافظة كركوك؟ وما هي الأدوار التي قامت بها القوى الخارجية في حسم تلك الانقسامات ودفعت باتجاه إقرار القانون خاصة الولايات المتحدة الأميركية وإيران؟
الأسئلة كثيرة ولها علاقة مباشرة بمستقبل العراق أو بالأحرى عراق المستقبل، وحتماً ستدفع إجاباتها بصياغة وبلورة معالم المشهد العراقي الجديد ابتداءً من الآن وإلى أن يحين موعد الانتخابات، وما سوف تفرزه من نتائج وخصوصاً أن إعلان نتائج تلك الانتخابات سوف يعقبه البدء في الإجراءات الفعلية لسحب معظم القوات الأميركية من العراق ما يفرض توازناً جديداً للقوة داخل العراق، ليس فقط بين القوى السياسية الشريكة في العملية السياسية ولكن أيضاً بين هذه القوى وقوى المعارضة العسكرية والسياسية التي يبدو أنها ستكون متغيراً حاسماً في تحديد المستقبل العراقي بعد الانسحاب الأميركي.
تصعب الإجابة على هذه التساؤلات دون الأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل التي ستلعب أدواراً أساسية في تحديد معالم المشهد العراقي الجديد، والتي كانت من أهم الدوافع والحوافز لإقرار قانون الانتخابات بالشكل الذي استقر عليه.
أول هذه العوامل هو ذلك التوافق الهش بين أطراف العملية السياسية العراقية الذي نجح في إقرار قانون الانتخابات. فالقانون لا يمثل إجماعاً عراقياً حقيقياً ولكنه قانون توافقي يخفي وراءه انقسامات حادة في المواقف والمصالح، وهذه الانقسامات ستشكل مستقبلاً بيئة مؤاتية لتهديد العملية السياسية عند أول اختبار حقيقي.
فتعمّد رئيس مجلس النواب إياد السمرائي الغياب عن حضور جلسة التصويت، وتغيب 90 عضواً عن هذه الجلسة من إجمالي أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 275 نائباً، ثم موافقة 141 نائباً فقط من الحاضرين وعددهم 195 نائباً، يكشف حقيقة أن القانون الانتخابي فرضه الأمر الواقع، وفرضته ضغوط وتدخلات، خاصة التدخلات الأميركية والإيرانية التي بدونها كان يصعب تمريره، وبالذات ما يتعلق بما ورد في هذا القانون عن انتخابات محافظة كركوك التي ظل الانقسام حولها سبباً رئيسياً في فشل مجلس النواب على مدى أسابيع وجلسات عدة في إقراره، حيث يبدو أن ما سبق وحذر منه النائب أسامة النجيفي الأمين العام لتجمع «عراقيون» «الوطني» بخصوص توظيف قادة التحالف الكردستاني لقاعدة «الديمقراطية التوافقية» المعتمدة في العملية السياسية العراقية لفرض ما يريدون في محافظة كركوك قد حدث بإقرار مجلس النواب ما ورد في القانون الانتخابي الجديد الخاص بكركوك.
معضلة كركوك
معضلة كركوك ترجع إلى الانقسام حولها بين الحكومة الفيدرالية في بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق، حيث تحرص الأخيرة على ضم محافظة كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان. وإذا كان الدستور العراقي قد حدد ثلاثة عمليات لتحديد مستقبل العائدية الإدارية للمحافظة هي: التطبيع والإحصاء السكاني والاستفتاء، فإن عدم قيام الحكومة الفيدرالية بأي من هذه الخطوات فاقم من المشكلة، ما دفع سكان المحافظة من العرب والتركمان إلى الدعوة لتأجيل إجراء الانتخابات فيها، أو إلى صياغة قانون خاص لانتخاباتها يعتمد توزيع المدينة إلى أربع مناطق انتخابية: عربية وكردية وتركمانية ومسيحية وفق تقسيم عرقي ديني يتلاءم مع تركيبتها السكانية. دافع العرب والتركمان للمطالبة بذلك هو تأكيدهم على حدوث عمليات تهجير ونزوح لمواطنين أكراد من محافظات كردية إلى محافظة كركوك وخاصة بعد عام 2003 حيث حدثت عمليات إغراء لآلاف العوائل الكردية بالهجرة إلى كركوك وبالذات من محافظة السليمانية، ويدللون على ذلك بارتفاع نسبة النمو السكاني فى كركوك إلى 10 % في حين أن النمو الطبيعي في المحافظات الأخرى لم يتجاوز الـ 3 % كما أن نسبة النمو في محافظة السليمانية سلبية ووصلت إلى (- 1%) ما يؤكد حدوث نزوح كردي كبير من السليمانية إلى كركوك، ويرد الأكراد على ذلك بأن العوائل التي نزحت إلى كركوك هي ذاتها العوائل التي كانت قد أرغمت على النزوح من كركوك إبان ما يسمونه بـ «عمليات التطهر العرقي» ضد الأكراد في عهد الحكم السابق الذي كان يحرص على تعريب كركوك والقضاء على كرديتها.
وطوال الأسابيع الماضية ظل النواب العرب يطالبون بعدم اعتماد سجلات الناخبين لعام 2009 واعتماد سجلات 2003، أي قبل حدوث ذلك النزوح الكردي إلى المدينة أو تأجيل انتخاباتها لحين وضع قانون خاص بها ولكن اضطر النواب العرب إلى الرضوخ للضغوط التوازنية والخوف من تفجير العملية السياسية وقبلوا بأن تجرى الانتخابات في وقت واحد مع باقي المحافظات، ووفق سجلات الناخبين لعام 2009. ولكن نص القانون على أنه في حال اكتشاف خطأ فى سجل كركوك والمدن الأخرى المشكوك بسجلاتها يقدم أكثر من 55 عضواً فى البرلمان طلباً للتشكيك لإعادة الانتخابات في هذه المناطق، على أن تكون نسبة الخطأ في السجلات أكثر من 5 %.
توافق أميركي _ إيراني
العامل الثاني هو الضغوط الأميركية والإيرانية لإقرار القانون باعتباره إنقاذاً للعملية السياسية كلها، وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد حذر من أن عدم إقرار قانون الانتخابات وما قد يفرضه من تأجيل لإجرائها قد يفرض مراجعة موعد انسحاب القوات الأميركية. ولعل ذلك ما جعل السفير الأميركي في بغداد كريستوفر هيل يحضر جانباً من مناقشات مجلس النواب في الجلسة التى جرى فيها التصويت على القانون وجرى إقراره، كما جعله يصدر مع الجنرال راي أوديرنو قائد القوات الأميركية في العراق بياناً مشتركاً فور انتهاء عملية التصويت باركا فيه هذه الخطوة، وبعدهما جاء بيان الرئيس الأميركي الذي هنأ فيه بإقرار قانون الانتخابات قائلاً إنه «سيمهد الطريق» أمام انسحاب قواته من العراق، كما اعتبر أن الانتخابات العراقية المقبلة ستكون «فرصة حاسمة لتحقيق مصالحة وطنية وتقدم فب العملية السياسية»، وأن إقرار قانون الانتخابات خطوة كبيرة تؤكد أن «أعداء العراق قد فشلوا».
إذا أخذنا هذه الأهداف الأميركية في الاعتبار وتذكرنا ما جاء على لسان الرئيس العراقي جلال طالباني في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك نهاية شهر سبتمبر الماضي حين أكد أنه لا يرى مواجهة سياسية بين واشنطن وطهران فى العراق بل «توافقاً غير معلن على ضرورة تثبيت الوضع العراقي القائم وتطويره وليس تغييره» ثم قوله إن الولايات المتحدة لا تتدخل في الانتخابات العراقية المقبلة، وأن الإيرانيين يريدون أن يتبلور الوضع في العراق الحالي من خلال الانتخابات «كي تكون هناك أكثرية صديقة تحكم في العراق»، وتأتي زيارة علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) لبغداد قبيل أيام من إقرار قانون الانتخابات لتأكيد أن المشهد العراقي الجديد سوف يقوم على هذا التوافق الأميركي– الإيراني. فإن علي لاريجاني قام بدور مهم خلال زيارته الأخيرة لبغداد على صعيد إقرار قانون الانتخابات باعتباره ضمانة للحفاظ على التوافق الشيعي– الكردي في العملية السياسية العراقية التي تؤمِّن لطهران تحقيق أهدافها ومصالحها في العراق.
المقاومة العراقية
أما العامل الثالث فهو يعمل في الاتجاه المضاد للمسعى الأميركي– الإيراني، حيث يهدف إلى فرض التغيير على حساب الاستمرارية التي تريدها واشنطن وطهران من خلال أدوار جديدة هدفها توحيد صفوف المقاومة وتقوية خبراتها، وسعيها لتوسيع جماهيرتها داخل العراق.
فقد نجحت منظمات المقاومة العراقية في توحيد صفوفها في جبهة واحدة حملت اسم جبهة الجهاد والتحرير والخلاص الوطني باندماج القيادة العليا للجهاد والتحرير مع جبهة الخلاص الوطني، وأعلنت بياناً تحدث عن «مبادئ ما بعد تحرير العراق» في إشارة إلى أن تحرير العراق من الاحتلال الأميركي وإسقاط الحكم الموالي و«العميل» بات مسألة وقت، وأن ما يشغل المقاومة الآن هو وضع معالم عراق ما بعد التحرير.
يأتي العامل الرابع كرد فعل لهذا كله وهو الخاص باحتمال عودة نوري المالكي للاندماج مع التحالف الشيعي الجديد الذي يحمل اسم «الائتلاف الوطني العراقي» الذي كان قد تشكل من كل الأحزاب والقوى الشيعية التي سبق أن شكلت «الائتلاف العراقي الموحد» السابق، باستثناء حزب نوري المالكي الذي اتجه بدافع من فوزه بانتخابات المحافظات التي أجريت في بداية هذا العام إلى تأسيس تحالف جديد خاص به تحت اسم «تحالف دولة القانون».
احتمالات عودة المالكي إلى التحالف الشيعي إما بضغوط إيرانية أو بمخاوف من عودة البعث، يدعمه مسعى الائتلاف الوطني العراقي إلى الحوار مع الحزبين الكرديين الرئيسيين الحليفين السابقين بزعامة جلال طالباني ومسعود بارزاني لتأسيس جبهة وطنية واسعة في محاولة لإنقاذ العملية السياسية والاصطفاف بين أركانها لمواجهة مخاطر ما بعد الانسحاب الأميركي وفرض الاستمرارية كمعلم أساسي للعراق الجديد واحتواء أي فرص للتغيير سواء كانت سياسية أو عسكرية.