عن سبق تصور وتصميم
الحياة اللندنية
GMT 0:00:00 2009 الجمعة 20 نوفمبر
جهاد الخازن
منذ سنوات وأنا أزور مصر في اوائل الخريف وأواخر الشتاء عندما يكون الطقس معتدلاً ظريفاً كأهل البلد. وكنت أعددت نفسي لزيارة القاهرة في مطلع هذا الشهر بعد ان تأخرت في نيويورك حيث حضرت دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة. إلا انني وجدت ان زيارتي ستتزامن مع مؤتمر الحزب الوطني، وأن المؤتمر سيعطل ما أريد من مواعيد، وأخرت الزيارة مرة أخرى حتى منتصف الشهر لأفاجأ بحرب البسوس، أو داحس والغبراء، على شكل مباراة كرة قدم بين مصر والجزائر، اصبحت تفاصيلها معروفة من انتصار مصر في القاهرة وخسارتها في الخرطوم، وتأهل الجزائر للمونديال.
أعتقد أنني لو زرت مصر خلال مؤتمر الحزب الوطني لكان التوقيت أفضل للعمل منه في «ماتش كورة»، لا أنكر أنه مهم بنتائجه، إلا انه ليس عبور القناة، ولعل علماء نفس واجتماع يدرسون ظاهرة الاهتمام في البلدين، وإلى درجة العنف، فلا بد ان وراءها اسراراً لا يسبر غورها سوى الخبراء.
جلست صباح امس لشرب فنجان شاي مع جرائد الصباح في الفندق حيث أقمت، وفوجئت بأن مانشيت «الأخبار» بالأحمر وعلى امتداد الصفحة هو: 80 مليون مصري يطرقون أبواب المونديال. وأن مانشيت «الأهرام» ايضاً عن التأهل للمونديال. ونظرت في فنجان الشاي، وأنا أخشى ان يكون احد ما دس لي فيه شيئاً، ثم فكرت انني ربما رأيت مباراة اخرى غير تلك بين مصر والجزائر، فالمباراة التي رأيتها انتهت بفوز الجزائر بهدف نادر.
وجدت بعد ذلك ان هذه العناوين ومثلها في صحف قاهرية أخرى تعكس تمنيات المحررين وجمهورهم، وأنها تعود الى الطبعات الأولى من الصحف. والطبعة الأخيرة من «الأهرام» أمس قالت: خروج مشرف لمنتخبنا الوطني، ومن «الأخبار» قالت: المنتخب يخسر بهدف، الجزائر تتأهل للمونديال. أما «الجمهورية» فوجدت للمباراة زاوية ربانية وقالت: قدر الله وما شاء فعل. تأهلت الجزائر وضاع الحلم.
هذا في الصحف القومية ويستطيع القارئ ان يقدر نوع التغطية في الصحف الأخرى خصوصاً مع تعرض المشجعين المصريين لاعتداءات بعد المباراة من مشجعي الجزائر، مع انه يفترض ان يخرج انصار الفريق الفائز منشرحين، الا ان العنف ظاهرة جزائرية مثل المعارضة في الكويت والولاء الثاني في لبنان.
وجدت نفسي أترك المواعيد والسياسة وأهلها لأتابع الكرة من السبت الماضي في القاهرة الى الأربعاء في الخرطوم. وقرأت عنواناً اعتقدته غريباً للوهلة الأولى فقد قال: الفقي: اذا لم تستطع السلطات السودانية حماية المصريين فسنرسل من يحميهم. وكان وجه الغرابة أنني اعتقدت ان صاحب التصريح هو الصديق مصطفى الفقي، ولم أعهد فيه عنترية تُذكر من قبل، إلا انني وجدت مع قراءة الخبر ان صاحبه الأخ انس الفقي وزير الإعلام.
ربما كان علي ان أتوقع مثل رد الفعل هذا بعد ذيول مباراة القاهرة، ففي اليوم التالي لها وباستثناء «الأهرام» الحصيفة الرصيفة اختارت كل صحيفة مصرية ان يكون المانشيت عن فوز مصر بهدفين مقابل لا شيء، وكان مانشيت «الأخبار» بالأحمر. وما كنت لأستغرب الاهتمام لو ان البلاد في إجازة عيد الأضحى المقبل مثلاً، ولا أخبار سياسية، إلا ان المباراة جاءت مع مشاركة الرئيس مبارك في قمة دولية في ايطاليا موضوعها الغذاء وتوفيره لفقراء العالم.
«الأهرام» وحدها رأت في الغذاء والفقر حول العالم شيئاً أهم من «ماتش كورة»، أما الصحف الأخرى فنزلت بقمة روما الى المرتبة الثانية، ربما لأنها تعرف ان الكرة تبيع أكثر من السياسة. وفي حين انني من أنصار الكرة صغيراً كبيراً، ولا أزال أحضر ما أستطيع من مباريات، فإنني اصر على ان المهم، إذا كنا نستطيع ان نصف «ماتش كورة» بأنه مهم لا يجوز ان يشغلنا عن الأهم، فثمة مشكلات مصرية خالصة، ومشكلات عربية لمصر دور اساسي فيها، والمطلوب ان نركز على حل هذه المشكلات لنستطيع ان نرتاح ونستمتع بمباراة كرة قدم.
كنت أريد وأنا بين المصريين ان يفوز فريق مصر، إلا انني لم أبكِ مع فوز فريق الجزائر، فالمهم عندي ان فريقاً عربياً تأهل للمونديال، ومبروك لنا جميعاً، مع إدانتي العنف النامي فعلى الأقل هو في الملاعب الأوروبية نتيجة تلاعب الخمرة بالرؤوس، إلا انه عندنا عن سبق تصور وتصميم. أخيراً، فقد فكرت مع ما تعرض له المصريون من عنف وخارج الملعب في الخرطوم ان الشركة المصرية التي تريد ان تصرف موظفاً من دون دفع تعويض له ترسله الى الجزائر في مهمة فتختفي آثاره ولا يعود.
(تصحيح: في زاوية امس كان هناك خطأ مطبعي فقد نشر: فبيني وبين «الفرنسي» عداء مستحكم والصحيح «البزنس»).