نزع الدبس من الطحينة ؟!
النهار اللبنانية
GMT 1:26:00 2009 الجمعة 20 نوفمبر
راجح الخوري
ينطوي الخطاب السياسي عند البعض في لبنان الآن على ما يمكن ان نسميه "منطق الدوقيات"، او بالاحرى اقتسام القطاعات التي تشكل عمل الدولة، بحيث تكون السياسة في مكان ومعها الامن، ويكون الاقتصاد في مكان آخر ومعه الأوزار طبعاً.
هذه هرطقة كي لا نقول سخافة. ولأن كل حديث او حتى تفكير في فصل الاقتصادي عن السياسي والامني في لبنان، واي بلد آخر، يشكل تقطيعاً لاوصال السلطة هدفه الوحيد في النهاية افشال هذه السلطة وانهاك الدولة ودق اسفين في اساس الكيان.
علمياً وعملياً، ليس هناك من يستطيع نزع الدبس من الطحينة، وليس هناك من يستطيع ان يشيد "عمارة الاقتصاد" في تلك المسافة الفاصلة بين هانوي حيث تقرع طبول الحرب وهونغ كونغ حيث ترتفع اصوات المؤشرات الالكترونية في ردهة البورصات والاسهم!
وفي المناسبة يعرف الرئيس سعد الحريري جيداً ان مؤامرة الاغتيال السياسي لوالده بدأت في تلك المساحة بين هانوي وهونغ كونغ، عندما كان عليه ان يتحمل اوزار الاقتصاد الذي انهكته الحرب الاهلية الطويلة، من دون ان يتاح له الحصول فعلاً على الاداء السياسي والوتيرة الامنية اللذين يتطلبهما الوزر الاقتصادي.
لا حاجة بأحد طبعاً الى تذكّر كل ما قيل في ذلك الحين، لكن من الضروري جداً على سبيل الموضوعية والامانة التذكير بأنه لم يكن ليستطيع ان يضع حجراً على حجر في بيروت المهدمة او في بناء الادارة المهترئة من دون اضطراره الى دفع "المال السياسي" لـ"امراء الحرب" الذين قفزوا من المتاريس ودخلوا السلطة بياقات بيض. وعندما نتذكر ان حصة ممثلي الادارة الخارجية للبلد تجاوزت حصة الشريك المضارب من هذا المال، يمكن على سبيل المثال ان نفهم لماذا وصلت ديون الكهرباء الى 20 مليار دولار، اي ما يفوق ثلث الدين العام.
نستذكر هذا الآن عندما نقرأ هرطقة البعض او نسمعه يقول إننا في الطريق الى استعادة اقتسام قطاعات السلطة، ليهتم سعد الحريري بالاقتصاد بينما تكون السياسة والامن في مكان آخر.
قطعاً، هذا أمر لن يمر ولا يجوز ان يمر، ليس لأن الدستور وضع السلطة والقرار في مجلس الوزراء مجتمعاً فحسب، بل لأن الحديث عن فصل الاقتصاد عن السياسة والأمن هدفه، إن حصل، إفشال سعد الحريري الذي تمكن بعناده وصبره، وبعد حصول التفاهم السوري – السعودي، من ان يتجاوز حفر التعطيل والتعجيز التي واجهته خمسة اشهر، فشكَّل حكومة ليس المهم ان يصفقوا لها الآن كما يحصل، ولكن بعد ان تبدأ العمل. ولا عمل ممكناً خارج امساك السلطة بوحدة السياسة مع الاقتصاد والأمن.
كيف؟
تلك هي المسألة!