GMT 18:04:12 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

أمبرتو إيكو ي حوار : غوغل كارثة حلّت بالشباب
الجريدة الكويتية

GMT 1:47:00 2009 الجمعة 20 نوفمبر


لوثار غوريس/ سوزان بير 


في حوار مشوق مع مجلة «در شبيغل» الالمانية اعتبر الروائي وعالم الإشارات والرموز الإيطالي أمبرتو إيكو- الذي ينظّم معرضاً جديداً في متحف اللوفر في باريس- موقع {غوغل} بالغ الخطورة بالنسبة إلى جيل الشباب. إيكو تحدّث كذلك عن الثقافة والموت وشؤون فكرية أخرى وهنا نص الحوار:

أنت أحد أعظم العلماء في العالم، وتفتتح الآن معرضاً في اللوفر، أحد أهم المتاحف في العالم. بيد أن المواضيع التي تتناولها في معرضك تبدو عادية: طبيعة اللوائح الأساسية، الشعراء الذين يعدون لوائح في أعمالهم والرسامون الذين يراكمون أشياء في رسوماتهم. لمَ اخترت هذه المواضيع؟

تمثّل اللائحة منبع الثقافة، وهي جزء من تاريخ الفن والأدب. وإلامَ تهدف الثقافة؟ إلى جعل اللامحدودية مفهومة. فهي غالباً ما تريد فرض النظام. وكيف يواجه المرء بصفته البشرية اللامحدودية؟ كيف يحاول استيعاب ما لا يمكن فهمه؟ من خلال اللوائح، الفهارس، المجموعات المعروضة في المتاحف، ومن خلال الموسوعات والقواميس. مثلاً، يمتاز تعداد النساء اللواتي عاشرهنّ دون جيوفاني بجاذب ما: بلغ عددهن 2063 امرأة، وفقاً للورنزو دا بونتي، مؤلف كلمات عدد من مسرحيات موزار الأوبرالية. لدينا أيضاً لوائح عملية بحتة (لائحة تبضّع، الوصيّة، لائحة طعام) تعتبر بحدّ ذاتها إنجازات ثقافية.

هل ينبغي أن يُنظر إلى الشخص المثقّف بصفته وصياً يسعى إلى فرض النظام في أماكن تنتشر فيها الفوضى؟

لا تدمّر اللوائح الثقافة، بل تُنشئها. ستجد اللوائح أينما نظرت في التاريخ الثقافي. فهو يحتوي مجموعة مذهلة منها: لوائح القديسين، الجيوش، الأعشاب الطبية، أو الكنوز وعناوين الكتب. فكروا مثلاً في المجموعات الطبيعية التي انتشرت في القرن السادس عشر. كذلك تضم رواياتي الكثير من اللوائح.

يُعِدّ المحاسبون لوائح، لكننا نجدها أيضاً في أعمال هوميروس وجيمس جويس وتوماس مان.

صحيح، لكن هؤلاء ليسوا محاسبين. في رواية Ulysses، يذكر جويس أن بطله، ليوبولد بلوم، يفتح الأدراج ويروح جويس يعدّد كل الأشياء التي يجدها فيها. هذه برأيي لائحة أدبية وهي تخبر الكثير عن بلوم. أو لنأخذ مثلاً هوميروس، في الإلياذة، يحاول أن يعكس انطباعاً عن حجم الجيش الإغريقي. فيستعمل في البداية التشابيه: {كما لو أنهم نار كبيرة متأججة تجتاح قمة جبل ونور لهيبها يُرى من البعيد، هكذا كانوا يمشون ووميض دروعهم يلتمع على صفحة السماء}. لكن هوميروس ليس راضياً، فهو لا يستطيع إيجاد الكناية المناسبة ويطلب من ملهماته مساعدته. ثم يقع على فكرة تسمية عدد كبير من الجنرالات وسفنهم.

لكن ألا يبتعد بهذه الطريقة عن الشعر؟

أولاً، نعتقد بأن اللوائح أمر بدائي يميز الثقافات القديمة جداً، التي لم تملك أي مفهوم محدد عن الكون وكانت بالتالي مقيّدة بتعداد الخصائص التي تستطيع تسميتها. لكن في التاريخ الثقافي، شاع استعمال اللوائح. لذلك لا يمكن اعتبارها مطلقاً مجرد تعبير عن ثقافات بدائية. ففي القرون الوسطى، ظهرت صورة واضحة جداً عن الكون واستمر في الوقت نفسه استخدام اللوائح. وفي عصرَي النهضة والباروكي، طغت نظرة عالمية جديدة تستند إلى علم الفلك، وكثرت أيضاً اللوائح. كذلك، تشيع هذه الأخيرة في عصر ما بعد الحداثة. فهي تملك سحراً لا يقاوم.

لكن لمَ يعدّد هوميروس كل هؤلاء الأبطال وسفنهم، إذا كان يعرف تماماً أنه لا يستطيع تسميتهم جميعهم؟

تصطدم أعمال هوميروس مراراً وتكراراً بمسألة العجز عن التعبير. سيواجه الناس دوماً هذه المشكلة. فطالما أذهلنا الفضاء الشاسع، النجوم التي لا تُعد ولا تُحصى، والمجرات اللامتناهية. يشعر المرء عندما ينظر إلى السماء بأن الكلام يعجز عن وصف ما يراه. على رغم ذلك، لم يكفَّ الناس يوماً عن وصف السماء، معدّدين ببساطة ما يشاهدونه. ويجد العشاق أيضاً أنفسهم في المأزق نفسه. فهم يعجزون عن التعبير، وتعوزهم الكلمات لوصف ما يشعرون به. لكن هل يكفّ العشاق يوماً عن المحاولة؟ يبتكرون لوائح: عيناك آسرتان، فمك مغرٍ، جيدك جميل... ويمكننا التوسّع أكثر في هذا الموضع، إذا رغبنا.

لمَ نبدّد، إذاً، هذا الوقت كلّه محاولين إنجاز أمور لا يمكن إنجازها في الواقع؟

لكلّ منا حدوده، حدود مذلة ومثبطة للعزيمة: الموت. لذلك تستهوينا الأمور التي نفترض أنها غير محدودة ولا نهاية لها. فهذه طريقة للهرب من التفكير في الموت. ونحن نحب اللوائح لأننا لا نريد أن نموت.

طبيعة صامتة

تضمّن معرضك في اللوفر أعمالاً من الفنون البصرية، على غرار لوحات الطبيعة الصامتة. لكنْ لهذه اللوحات أُطر أو حدود، ولا تستطيع التعبير إلا عما تحتوي من أشياء.

على العكس، نهوى هذه اللوحات لأننا نعتقد بأننا نستطيع من خلالها رؤية المزيد. يشعر شخص يتأمل في اللوحة بالحاجة إلى توسيع الإطار ليرى ما تخبّئه هذه الرسومات إلى يسارها أو إلى يمينها. يشبه هذا النوع من اللوحات حقاً اللوائح، وهو جزء من اللامحدودية.

لماذا تعتبر هذه اللوحات والتراكمات مهمة جداً؟

تقرّب مني أشخاص من اللوفر وسألوني عما إذا كنت أرغب في تنظيم معرض هناك. وطلبوا مني تحضير جدول أعمال. استهوتني كثيراً فكرة العمل في متحف. بقيت هناك وحدي أخيراً، فشعرت وكأنني إحدى شخصيات الروائي دان براون. كان ذلك غريباً ومذهلاً في آن. وأدركت فوراً أن المعرض سيرّكز على اللوائح. لمَ أنا مهتم جداً بهذا الموضوع؟ لا أعرف السبب المحدد. أحب اللوائح تماماً كما يحب البعض كرة القدم. فلكل إنسان تفضيلاته.

على رغم ذلك، حصدت الشهرة بسبب قدرتك على التعبير عن شغفك.

لكن ليس من خلال التحدّث عن نفسي. منذ أيام أرسطو، نحاول تعريف الأشياء بالنظر إلى جوهرها. فما هو تعريف الإنسان؟ حيوان يتصرّف بطريقة واعية. احتاج علماء الطبيعة إلى 80 عاماً ليأتوا بتعريف للبلاتبوس (خلد الماء). فقد استصعبوا كثيراً وصف جوهر هذا الحيوان الحقيقي. فهو يعيش تحت المياه وعلى اليابسة، ويبيض لكنه على رغم ذلك أحد الحيوانات الثديية. ممَ تألف هذا التعريف إذاً؟ من لائحة، لائحة من الخصائص.

من الأسهل بالتأكيد ابتكار تعريف لحيوان أقل غرابة.

ربما، لكن هل يجعل الحيوان مثيراً للاهتمام؟ لنفكّر في النمر الذي يصفه العلم كحيوان ضارٍ مفترس. كيف تصف أمٌ النمر لولدها؟ ربما بلجوئها إلى لائحة من الخصائص: النمر قط كبير قوي، لونه أصفر، وجلده مقلّم. ومن المنطلق نفسه، وحده اختصاصي الكيمياء يصف المياه بأنها مكونة من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسيجين. أما أنا فأقول إنها كناية عن سائل شفاف نشربه ونغتسل به. من هنا يمكنكم أن تفهموا ما أتحدث عنه. تدلّ اللائحة على مجتمع مثقف ومتقدم جداً لأنها تسمح لنا بالتشكيك في التعريفات الأساسية. ويعتبر التعريف الأساسي بدائياً مقارنة باللائحة.

نفهم من كلامك هذا أن علينا الكف عن تعريف الأشياء وأن التقدّم يعني عوضاً عن ذلك تعداد الأشياء وإعداد لائحة بها.

قد يؤدي ذلك إلى مزيد من الحرية. كان العصر الباروكي عصر اللوائح. فجأة، فقدت تلك التعريفات التعليمية التي ابتُكرت في العصر السابق قيمتها. حاول الناس رؤية العالم من وجهة نظر مختلفة. فقدّم غاليليو تفاصيل جديدة عن القمر. وفي مجال الفن، دُمِّرت التعريفات القائمة بالكامل، وتوسّع نطاق المواضيع التي تطرق إليها الفنانون. مثلاً، أشبّه لوحات العصر الباروكي الهولندي باللوائح: لوحات الطبيعة الصامتة التي تجسّد كل تلك الفاكهة صور خزانات العجائب الغنية. ولا شك في أن اللوائح قد تعاني من الفوضى.

نظام وفوضى

لكنك قلت أيضاً إن اللوائح تفرض أيضاً النظام. فهل تعتبر أن هذه اللوائح تجمع بين النظام والفوضى؟ في هذه الحالة، تكون الإنترنت واللوائح التي يقدّمها محرك البحث {غوغل} مثالية بالنسبة إليك.

نعم، في حالة {غوغل} يلتقي النظام والفوضى. يُعدّ {غوغل} لائحة، لكن لحظة أنظر إلى اللائحة التي يعطيني إياها، تكون تغيرت. قد تكون هذه اللوائح خطيرة، لا بالنسبة إلى أناس مسنين مثلي حصلوا على المعرفة بأساليب أخرى، بل بالنسبة إلى الشبان الذين بات {غوغل} أشبه بكارثة حلّت بهم. في الماضي، كانت المدارس تعلم فناً راقياً، فن حسن التمييز.

هل تقصد أن على المدرّسين أن يعلّموا الطلاب التفريق بين الجيد والسيئ؟ والحال كذلك، كيف عليهم فعل ذلك؟

ينبغي أن يعود التعليم إلى ما كان عليه في مشاغل عصر النهضة. في تلك الحقبة، لم يتمكن الأساتذة على الأرجح من أن يفسروا لطلابهم لمَ تعتبر لوحة ما جيدة من الناحية النظرية، لكنهم فعلوا ذلك بطرق عملية. فهكذا قد يبدو إصبعك، وهكذا ينبغي أن يبدو. هذا مزيج ألوان جيد. ينبغي اعتماد المقاربة نفسها في المدرسة عند التطرّق إلى موضوع الإنترنت. على المدرّس أن يقول: {اختر أي موضوع قديم، سواء كان تاريخ ألمانيا أو حياة النمل. إبحث في 25 صفحة مختلفة على الإنترنت، وبمقارنتها حاول أن تكتشف أي واحدة تشمل معلومات جيدة}. إذا أوردت 10 صفحات المعلومات نفسها، فقد تكون هذه إشارة إلى أن هذه المعلومات صحيحة. لكنها قد تكون أيضاً إشارة إلى أن بعض المواقع الإلكترونية نقلت أخطاء الآخرين لا أكثر ولا أقل.

تؤثر اللجوء إلى الكتب وتملك مكتبة تشتمل على 30 ألف كتاب. لذلك لا تستطيع العمل على الأرجح من دون لائحة أو فهرس.

أخشى أن المكتبة أصبحت تشتمل اليوم على 50 ألف كتاب. عندما أرادت مساعدتي فهرسة هذه الكتب، رفضت ذلك. تتغير اهتماماتي باستمرار، وهذا ينطبق أيضاً على مكتبتي. إذا كنت تبدّل اهتماماتك باستمرار، فستكشف مكتبتك في كل مرة أمراً مختلفاً عنك. بالإضافة إلى ذلك، حتى من دون فهرس، أنا مجبر على تذكّر كتبي. لدي رواق من الكتب الأدبية يمتد على 70 متراً. أقطعه مرات عدة في اليوم، وأشعر بالارتياح عندما أفعل ذلك. لا تعني الثقافة معرفة تاريخ وفاة نابوليون، بل السبيل إلى معرفة ذلك في دقيقتين. طبعاً، أستطيع في يومنا هذا العثور على هذا النوع من المعلومات في وقت قصير عبر الإنترنت. لكن كما قلت، لا تقدّم لك الإنترنت دوماً معلومات يمكنك الوثوق بها.

تدرج في كتابك الجديد The Vertigo of Lists لائحة جميلة أعدّها الفيلسوف الفرنسي رولان بارت. وضع الأخير لائحة بما يحب وما يكره. يحب السلطة، القرفة، الجبنة، والتوابل. ويكره راكبي الدراجة، النساء اللواتي يرتدين سراويل طويلة، الجيرانيوم، الفريز، والبيانو القيثاري الشكل. ماذا عنك؟

أكون غبياً لو أجبت عن ذلك، إذ يعني أنني أحصر نفسي. كنت معجباً بستاندال في الثالثة عشرة من عمري وبتوماس مان في الخامسة عشرة وأعجبت بشوبان في السادسة عشرة. ثم أمضيت حياتي محاولاً التعرّف إلى الباقين. وها أنا الآن مهتم مجدداً بشوبان. إذا كنت تتفاعل مع الأمور في حياتك، يتغير كل شيء باستمرار، وإذا لم يتغير شيء، تكون غبياً.