علي محمد فخرو
لم يبق حقل من حقول النشاطات المجتمعية العربية لم تساهم بعض الوسائل الإعلامية العربية في حرفه عن مساراته الطبيعية أو في جعله ساحة صراعات عبثية أو في قلبه إلي خنجر يزيد من جراحات هذه الأمة المنهكة.
ففي السياسة سمحت تلك الوسائل للعابثين من الساسة المسؤولين العرب لاستعمالها كمطية يركبونها في صراعات الأنظمة بحيث أن تلاسنها مع بعضها البعض يؤجج نيران العداوات بين الأقطار والشعوب العربية لحساب هذا الرئيس أو الزعيم أو الحكومة أو الحزب.
وعندما تنقشع سحب المعارك الإعلامية تلك تكون الشعوب وتكون الأوطان هي المسجاة في ساحات القتال وهي تنزف وتتقيح. وكذا الأمر في حقل الدين عندما تنبري بعض المنابر لتأجيج الأحقاد الطائفية والعداوات المذهبية التاريخية، بل ولرسم أجواء الكراهية حتي توصل الموتورين إلي ارتكاب موبقات الارهاب والتطرف الأعمي.
وعندما ينجلي غبار المعركة يكون الدين هو الضحية. إذ عند ذاك تحت رايات الدين تدور حماقات المعارك التي لا يرضاها الله ولا تصب في صالح الوطن.
وفي حقل الاقتصاد تخضع معايير مهنية تلك الوسائل، وأحياناً صدقيتها وشرفها، لاعتبارات الحاجة للإعلان والخضوع للمعلنين. وبقصد أو بدون قصد تساهم غالبية المنابر في نشر وتعزيز ودعم ثقافة الاستهلاك المادي والمعنوي النهم وفي الانبهار بادعاءات تلك الثقافة العولمية وتقديمها كثقافة اليسر والرفاهية والمكانة الاجتماعية.
ومن أجل ذلك تخوض معارك الخصخصة المجنونة دون توازن ولا شروط، وتفتري علي المؤسسات الاقتصادية التي يملكها المجتمع باسم التشكيك في كفاءة الدول أو الحكومات في إدارة الاقتصاد، وتساهم من حيث تدري ولا تدري في انتقال ثروة المواطنين العامة إلي أيادي قلة وطنية متخمة أو إلي أيادي قلة أجنبية ناهبة.
وكذا الأمر في حقل الثقافة التي تساهم الكثير من منابر الإعلام في حرفه نحو المجون والسطحية والتخريف وصرعات الموضة وموبقات الجنس لتساهم في تربية أجيال لا تشبع من الملذات الحسية وذلك علي حساب توازنها العقلي والروحي وعلي حساب الالتزامات الوطنية والقومية تجاه أمة تخوض أقسي صراعاتها المصيرية مع الهجمة الصهيونية - الاستعمارية ومع الاستبداد الداخلي.
ويستطيع الإنسان تعداد العشرات من الحقول الأساسية والفرعية التي تساهم بعض الوسائل الإعلامية في قلبها رأساً علي عقب وفي تهديم أسسها القيمية والأخلاقية. ومن هذه الحقول الفرعية حقل الرياضة الذي بدلاً من أن يكون حقل بناء للاخوة العربية ولتعارف الأجيال العربية علي بعضها البعض ولقبول الانتصارات والهزائم بتسامح قلبته بعض الوسائل الإعلامية وبعض الموتورين الإعلاميين إلي حقل حزازات وكراهية وصدامات كلامية وجسدية.
ولقد وصل الحال المأساوي إلي قمته في المسرحية الكوميدية- المبكية عندما تلاقي فريقا كرة القدم الجزائري والمصري منذ بضعة أيام. لقد شحنت أجواء المسرح حتي الجريمة وتلاعب الأراذل بأعصاب الجماهير حتي أخرجوها من طورها وعروبتها وإسلامها وبشريتها.
ومع أن واقع التعامل الإعلامي العالمي برمته مع موضوع الرياضة قد أصبح مصدر فساد وإفساد للمجتمعات والنفوس ونبل الرياضة وقيمها الرفيعة، إلا أن الأمر يجب أن يختلف في بلاد العرب.
فنحن أمة مستهدفة من قبل أعداء في الخارج والداخل لتأجيج الصراعات القُطرية والإثنية والمذهبية والأيديولوجية والقبلية ولإبقاء الأمة في تخلف دائم وفي تيه ثقافي وذهني، وبالتالي فإن الإعلام العربي يحتاج أن يأخذ ذلك الوضع المتأزم للأمة بعين الاعتبار ويعطيه أهمية كبري تصل إلي حدود المسؤولية الأخلاقية والقومية تجاه التخفيف من مآسيه، لا إضافة الحطب إلي ناره.
إذا كان الإعلام العربي يعتبر نفسه مهنة كباقي المهن فلينظم نفسه، علي المستوي الوطني والقومي، علي ثوابت وأسس ما ينهض بالأمة وليضع لنفسه معايير صارمة تحكم كل أعضائه ومنتسبيه من المؤسسات.
وفي القديم قال الكاتب اليوناني الشهير سوفوكليس بأن قيمة المعرفة يحددها أسلوب استخدامها ، ونحن سنستعير هذا القول لنتوجه لوسائل الإعلام العربية بالتذكير بأن قيمة الإعلام أيضاً يحددها أسلوب استخدامه . ولقد وصلت أساليب الاستخدام عند البعض إلي مشارف العهر وآن الأوان لتوقف عند حدها.