GMT 1:10:46 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

جريدة الجرائد

التاريخ بين العرب والأتراك
الإتحاد الاماراتية

GMT 15:03:00 2009 الجمعة 20 نوفمبر

رياض نعسان أغا

أعتقد أن العرب جميعاً وليس السوريون فقط يشعرون بارتياح كبير لما حققته العلاقات السورية- التركية من تقدم كبير سرعان ما ظهرت نتائجه الإيجابية في البلدين، ولاسيما على الصعيد الشعبي حيث يستعيد التقارب السوري- التركي ذاكرة مشتركة تتجاوز في نقاطها المضيئة كل خلافات التاريخ القديم.

ولا يستغرب السوريون أن يجدوا الموقف التركي الشعبي من قضية فلسطين يماثل موقفهم، فأصدقاؤنا وجيراننا الأتراك يحملون مشاعر وجدانية أصيلة مستلهمة من عقيدتهم وثقافتهم ومن ذاكرة مسؤولياتهم التاريخية عن حماية فلسطين، التي بدأ التخطيط الصهيوني لاغتصابها من أهلها وأصحابها في أواخر عهد الدولة العثمانية، وما يزال الموقف الذي اتخذه السلطان عبدالحميد ملهماً وجديراً بالذكر والاستعادة، وهذا ما يدفعني إلى أن ألقي الضوء ثانية على هذه الحقبة من تاريخنا العربي والتركي المشترك، وأن أدعو المؤرخين إلى دراسة تفاصيلها لأنها كتبت في ظروف مضطربة بعد انهيار الدولة، وفي ظل تحالفات دولية جديدة باعدت بين العرب والأتراك.





ولم يكن يغيب عن العرب أن الدولة العثمانية عانت في أواخر أيامها من نفوذ صهيوني وبشكل خاص من يهود الدونمة، الذين تسللوا إلى المواقع العليا في الأستانة، وقد كبرت الهجمة على السلطان عبدالحميد الثاني بعد أن أعلن موقفه المشهور من عرض هرتزل عليه، بأن يضع له كل أموال اليهود تحت قدميه، وأن يسددوا عن السلطنة ديونها، وأن يدعموا سلطانه مقابل أن يعطيهم أرض فلسطين ليقيموا عليها الدولة اليهودية، لكن عبدالحميد رفض وضحى بسلطانه ومملكته الضخمة كي لا يضحي بأرض فلسطين وكي لا يقول التاريخ إن السلطان عبدالحميد باع اليهود أرض فلسطين المقدسة، ولقد اختلط على بعض العرب موقفهم مما صار إليه وضع السلطنة من ضعف وتفكك وظلم مع تقديرهم لموقف السلطان عبدالحميد. وكان العرب قد ضاقوا ذرعاً بما وصل إليه حالهم مع الباب العالي، ولاسيما حين بدأ أنصار الصهيونية يضخون باسم الأتراك عامة مشاعر العداوة نحو العرب، ويهمشونهم في الحياة السياسية والاقتصادية، وضعف الرابط الديني الذي كان مبرر ولاء العرب للإمبراطورية العثمانية، وكان لابد أن تظهر حركات عربية تدعو للاستقلال، والانتصار للعروبة مقابل دعوات للتتريك، وأن تظهر سوريا الفتاة مقابل تركيا الفتاة، وأن تشتد الدعوة إلى الرابطة القومية العربية مقابل الدعوة إلى الطورانية، لكن عبدالحميد كان في وسط هذا الخضم يوجه نداءات إلى الأمة الإسلامية كي تنتبه إلى الخطر المحيط بها، وكنت في طفولتي أسمع من جدي وأقرانه الذين عاصروا شطراً من نهايات حكم عبدالحميد إشادة مستمرة بموقفه هذا، وقد جعلهم هذا الموقف يتسامون فوق أي خلاف، وكانوا يترحمون عليه، ويدركون أنه فقد عرشه بسبب موقفه من هرتزل، وأنا لست معنياً هنا بالدفاع عن مرحلة عبدالحميد كلها، فما يعنيني هو موقف عبدالحميد من هرتزل، وهو موقف تاريخي نبيل، فقد قال هذا الرجل الشجاع لهرتزل (لا أستطيع أن أبيع بوصة واحدة من أرض هي ملك شعبي، وقد غذاها بدمه، وسنغذيها بدمنا مرة أخرى قبل أن تمزق، يستطيع اليهود أن يوفروا ملايينهم، وحين تمزق الإمبراطورية قد يأخذون فلسطين مقابل لاشيء، لكن لن تقسم إلا على جثتي لأنني لن أسمح بتشريحنا ونحن أحياء)، وهذا الرد التاريخي (الذي يغفر عندي كل ما ينسب لعبدالحميد من أخطاء)، يدل على أن الرجل كان يعلم بأن انهيار الإمبراطورية قادم، وأن رفضه لعرض هرتزل سيفتح عليه بوابات الجحيم، وطبيعي أن يعرف السلطان ما ينتظره فقد درس قرارات مؤتمر بال الذي عقد في سويسرا عام 1897وكان من أهمها القرار الشهير (إذا استمر رفض السلطان عبدالحميد للمطالب الصهيونية، فإن تحطيم الإمبراطورية التركية شرط أساسي لإقامة دولة صهيونية في فلسطين)، وتذكر بعض المراجع أن السلطان عبدالحميد أرسل إلى شيخه في الطريقة الشاذلية محمود أبو الشامات في دمشق رسالة في عام 1911 يذكر له فيها أن سبب خلعه من الحكم هو رفضه لإصرار اليهود عليه أن يصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة، وقد نشر هذه الرسالة في مجلة العربي عام 1972 لأول مرة أستاذنا سعيد الأفغاني رحمه الله. وقد ترجمها الشيخ أحمد القاسمي الدمشقي، وهي جديرة بأن تنشر في الأدبيات العربية، وأن يستلهم منها فهم جديد لتاريخنا في مطلع القرن العشرين، وأكتفي هنا بالإشارة إلى مقاطع منها يقول فيها السلطان المخلوع (إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما، سوى أنني - بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم (جون تورك) وتهديدهم - اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة. إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا عليّ أن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين)، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيرًا وعدوا بتقديم 150 مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبا، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضا، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي: (إنكم لو دفعتم ملء الأرض ذهبا - فضلا عن 150 مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهبًا فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والمحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين وسيرة آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين، لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضا).

وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى (سلانيك) فقبلت بهذا التكليف الأخير. هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين) ولقد شهّر الصهاينة بعبدالحميد وشوهوا صورته وتاريخه، وما يزال أنصارهم إلى اليوم يخشون أن يراجع العرب حقائق التاريخ ، وأن يستلهم العرب والترك معاً هذا الموقف النبيل الشجاع وأن يجدوا فيه دافعاً لمزيد من تآخي الشعبين اللذين يتشاركان في ثقافة واحدة، ويجدان أرض فلسطين أرضاً مقدسة لكل الأديان السماوية.