محمد حسين اليوسفي
قال النائب عدنان عبد الصمد، عضو مجلس الأمة الكويتي، وهو يعقب على سيل الاستجوابات المطروحة على المجلس، وآخرها استجواب رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، والمقدم من العضو د. فيصل المسلم، قال عبد الصمد: «لنسأل أنفسنا وماذا بعد؟!» معبراً عن روح الحيرة التي باتت تلف قطاعاً واسعاً من الكويتيين، وهم يرون تجربة من العمل النيابي «تهدم من الداخل»، في الاستقطابات الحادة الحاصلة بين مراكز القرار الرئيسية، والتي تجد صداها بشكل واسع في أروقة مجلس الأمة وبين نوابه الذين تتباين مشاربهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية ومصالحهم الاقتصادية.
والنائب عدنان عبد الصمد، الذي هو في حيرة من أمره كما معظم الكويتيين، لم يعرف في تاريخه السياسي والبرلماني الممتد إلى ثلاثة عقود أنه موالٍ للحكومة، أو أنه محسوب على الشيخ ناصر المحمد أو على أي طرف من أطراف أقطاب السلطة الرئيسيين، بل هو نائب من المعارضة ينتمي إلى «التكتل الشعبي» ويمثل الشيعة فيها.
وكان النائب الدكتور فيصل المسلم قد قدم استجوابه لرئيس الوزراء رسمياً الأحد الفائت، على خلفية ما قال إنه شيك حرره المحمد لأحد النواب في فترة شغله لعضوية مجلس الأمة، مما عده النائب شراءً للذمم واستخداماً مشبوهاً للمال السياسي.
وكان العضو المذكور قد فاجأ المجلس في جلسته الأسبوع الفائت بإخراجه للشيك والتلويح به على الملأ، الأمر الذي خلق جواً من الصدمة لدى الكثيرين، بسبب الطريقة التي حصل بها على ذلك الشيك، علماً بأن القانون الناظم للتعاملات المصرفية في الكويت يحرم إفشاء أسرار العملاء. وقد تقدم بنك برقان، المعني بالشيك، ببلاغ رسمي ضد النائب المسلم.
وإذا ما تحقق ما يريده النائب فيصل المسلم، وصعد رئيس الوزراء الكويتي منصة الاستجواب في مجلس الأمة، فسيكون ذلك سابقة في تاريخ الحياة النيابية في الكويت. بيد أن الكثيرين يستبعدون هذا الأمر، إذ ثمة بعض الخيارات أمام الحكومة الكويتية، وهي تحويل الاستجواب إلى المحكمة الدستورية، أو عرضه على اللجنة التشريعية في مجلس الأمة. وثمة خيار آخر، أفصحت عنه جريدة «أوان» الكويتية (17/11) واعتبرته آخر الخيارات، وهو صعود المحمد منصة الاستجواب في «جلسة سرية».
ولا شك أن الكل في الكويت يريد الوصول إلى الحقيقة واستجلاء الأمر، ويرى في مبدأ المحاسبة طريقاً نحو التطور والرقي، وتطويراً للأداء البرلماني الذي يصب في تحسين العمل الحكومي، والذي سيستفيد منه المواطن في نهاية المطاف. بيد أن القليلين هم الذين ينطلي عليهم «نبل أهداف» تلك الاستجوابات، خاصة أنها تكاثرت منذ مقدم حكومة الشيخ ناصر المحمد في صيف العام 2006!
ولعل ممثل التيار السلفي قد أماط اللثام عن ذلك دون أن يدري، في التجمع الذي انعقد في «ساحة الإرادة» مساء الاثنين الفائت، وهي الساحة التي شهدت تحركاً للمطالبة بتقليص الدوائر إلى خمس، بدلاً من خمس وعشرين قبل عدة سنوات.
فقد أكد النائب السلفي عبد اللطيف العميري أن «هذا المجلس لا يراد له الاستمرار، لأننا مقبلون على مشاريع تنموية تصل كلفتها إلى 40 مليار دينار (أكثر من 130 مليار دولار)، وفي ظل وجود نواب أحرار فمن الصعب أن يستمر هذا المجلس!
بيد أن النائب الفاضل لم يكن يعير أي انتباه إلى أن معظم الأعضاء (وبعضهم كان حاضراً في ذلك التجمع)، قد أصبحوا بأفعالهم غير المحسوبة عواقبها سياسياً، وبينها الاستجوابات المتكررة، يؤدون خدمة جليلة، ويقدمون الحجة تلو الأخرى لأولئك الذين يرغبون في الانقضاض على الحياة النيابية!
فالأفعال، وخاصة السياسية منها، تقاس بعواقبها وليس وفقاً ل«نبل أهدافها»، إن جاز لنا أن نصدق أن أهداف الاستجوابات المتكررة نبيلة!
ويأتي هذا اللغط الذي تشهده الحياة السياسية، في ذكرى مرور سبع وأربعين سنة على توقيع المغفور له الشيخ عبد الله السالم، على دستور الكويت في الحادي عشر من نوفمبر من العام 1962، وذكرى أخرى عزيزة وهي ميلاد غرفة تجارة وصناعة الكويت قبل نصف قرن بالتمام والكمال، تلك المناسبة التي أعطيت حقها من الاحتفال والتكريم. ويذكر أن تجار الكويت كان لهم قصب السبق في نهضة البلاد منذ أوائل القرن الماضي.
حيث تكفلوا بإدخال التعليم الحديث إلى البلاد، فضلاً عن تأسيسهم لمؤسسات المجتمع المدني الثقافية والاجتماعية والرياضية، ثم دورهم الفاعل في إرساء قواعد الديمقراطية، عبر مجلسي الشورى في العام 1921 والمجلس التشريعي في العام 1938، ومجالس أخرى كان أولها البلدية (1930) ثم التعليم والصحة والأوقاف، لينتهي المطاف بإقرار دستور العام 1962 وبدء الحياة النيابية الحديثة، بعد استقلال الكويت بسنة واحدة تقريباً.
ولذلك يشعر الكثيرون في الكويت بتحسر على هذا الإرث الذي يود البعض إهداره نتيجة لمصالح ضيقة، دون النظر لحاجة البلاد إلى الاستقرار والتوجه إلى التنمية والاستفادة من تراكم الثروة النفطية، وضخها في شتى المجالات ـ أسوة بشقيقاتها الخليجيات ـ لتخلق قطاعات اقتصادية جديدة، تحل شيئاً فشيئاً مكان النفط كثروة ناضبة.